مجتمع

تلميذة تموت من البرد وأخرى تنهشها الكلاب

تقارير: واقع تلاميذ الريف التونسي

 

مع بداية كل سنة دراسية يُطرح ملف وضع المؤسسات التربوية في الأرياف و المناطق الداخلية بقوة. تنتشر صور التلاميذ يتلقون المساعدات ،ومعها صور تشقق جدران الصفوف و حالة الحمامات المزرية وغياب الماء الصالح للشرب، لكن دون جدوى.. تتواصل فصول المأساة وتتعمق، في ظل وعود بالإصلاح والصيانة و التعهّد تذروها الرياح..

 

تشير الأرقام إلى أن 97 بالمائة من ميزانية وزارة التربية سنة 2016 هي نفقات تصرف أغلبها موجهة للأجور، ولا تتعدى النسبة المخصصة لصيانة المؤسسات التربوية و اصلاحها و تغيير تجهيزاتها سوى 3 بالمائة، كما لا تتجاوز حصة التعليم 18 بالمائة من الميزانية العامة للدولة، أي ما يقارب 5 بالمائة فقط من الناتج الداخلي الخام.

كل هذا رغم أن الكتاب الأبيض لإصلاح المنظومة التربوية يؤكد أن 65 بالمائة من ميزانية مشروع الإصلاح التربوي يجب أن توجه إلى تحسين البنية التحتية  للمدارس و المعاهد، خاصة في الوسط الريفي و الجهات الداخلية.

صيحة فزع من المعلمين

في هذا السياق، صرح المستوري القمودي كاتب عام نقابة التعليم الأساسي “لميم”، أنه على الجميع اليوم أن يطلق صيحة فزع عن حال المدارس الابتدائية الريفية . موضحا أن عددا كبيرا من المدارس قد بني في عهد الاستعمار الفرنسي أو إبان الاستقلال. حيث تشير الإحصائيات إلى أن 60 بالمائة من المؤسسات التربوية  عمرها أكثر من 30 سنة.

 

بعض المدارس في ولاية القيروان لا زالت تعتمد على الأقسام المتنقلة، وهي عبارة عن بناء من الحديد لتعويض الأقسام الحقيقية التي تآكلت جدرانها و انهارت اسقفها. كما أن بعض المعلمين أجبروا على التدريس في ساحة المدرسة في العديد من المناطق خوفا على حياة التلاميذ من الانهيارات

 

 

ويضيف محدثنا أنه “اذا اردنا اصلاح المنظومة التربوية، فلابد من التركيز على جانبين مهمين، الأول يتعلق بالموارد البشرية، والثاني يهم البنية التحتية للمدارس، إذ أن أغلبها متآكلة و لا تستجيب لشروط العملية التربوية التي تحترم كرامة المربي و التلميذ في آن واحد”.

 

 

 

ويؤكد المستوري القمودي أن بعض المدارس في ولاية القيروان لا زالت تعتمد على الأقسام المتنقلة، وهي عبارة عن بناء من الحديد لتعويض الأقسام الحقيقية التي تآكلت جدرانها و انهارت اسقفها. كما أن بعض المعلمين أجبروا على التدريس في ساحة المدرسة في العديد من المناطق خوفا على حياة التلاميذ من الانهيارات. ففي المدرسة الابتدائية الغابة السوداء بأحد أرياف ولاية سيدي بوزيد نجا التلاميذ من الموت المحقق في فيفري 2016 بعد انهيار سقف إحدى قاعات التدريس، وهي ليست الحادثة الوحيدة التي جدت خلال السنة الدراسية الماضية.

 

 

و للإشارة فإنه رغم النتائج التي حققتها حملة  “سنة المدرسة” التي انطلقت سنة 2015 بهدف صيانة 6 آلاف مؤسسة تربوية إلا أنه لا تزال ألف مؤسسة في حاجة إلى صيانة كاملة . وقد اعتمدت الحملة في جانب كبير منها على تبرعات المجموعة الوطنية من مواطنين ومؤسسات بهدف النهوض بواقع المؤسسات التربوية وتحسين ظروف التدريس فيها.

معضلة الماء الصالح للشراب

تؤكد ” اليونيسيف” أن العوامل المتصلة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية تؤثر على حق الأطفال في التعلّم، وفي الأجواء التي تكون فيها الأحوال الصحية سيئة، لا يستطيع الأطفال تحقيق إمكاناتهم في التعلم. ‏فعلى سبيل المثال، يصاب 400 مليون طفل في سن الدراسة سنوياً بالديدان المعوية، الذين تظهر البحوث ‏أنها تستنزف قدراتهم على التعلّم.‏

في تونس، يعاني آلاف التلاميذ في المدارس الريفية خاصة بولايات الوسط الغربي للبلاد من غياب الماء الصالح للشرب وللإستعمال في دورات المياه. وهو ما أدى إلى ظهور حالات الإصابة بفيروس التهاب الكبد الفيروسي صنف أ، تسبب في وفاة عدد من التلاميذ.

 

وتشير دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أن 57 في المائة من المدارس الريفية في ولاية القيروان (وسط غرب تونس) غير مزودة بالماء الصالح للشراب عبر شبكة التوزيع الرسمية، وتعد الولاية 259 مدرسة ريفية، وترتفع النسبة إلى 80 بالمائة في بعض مناطق الولاية.

 

وتتوزع مصادر تزويد المدارس الابتدائية بالماء بين الصهاريج و الآبار و الماجل، وهو ما يطرح إشكالية المراقبة الصحية. وأمام هذا الوضع، يضطر 93  في المائة من التلاميذ إلى جلب الماء من منازلهم، خاصة وأن الاحصائيات تشير الى أن 41 في المائة من التلاميذ في القيروان السنة الماضية قد أصيبوا بآلام في البطن، بسبب استعمال ماء المدرسة، وأن 25 بالمائة منهم قد عانوا من الإسهال بشكل متكرر.

 

 

السير لمسافات طويلة

يقع عدد كبير من المؤسسات التربوية و خاصة المدارس الابتدائية في الوسط الريفي وتحديدا في المناطق الجبلية التي تغيب عنها  الطرقات المعبدة، مع عدم توفر وسائل النقل بصفة منتظمة. هذا ما يضطر التلاميذ خاصة في المرتفعات الغربية إلى قطع ما يقارب 5 كيلومترات يوميا للوصول إلى المدرسة في طرق غير مؤمنة.

هكذا يضطر التلميذ للخروج من بيته في حدود الساعة السادسة صباحا ليصل إلى المدرسةعلى الثامنة، بعد أن يقطع طرقا جبلية وعرة غارقة في الوحل.

 

وفي فصل الشتاء، ترتفع معدلات الغياب عن المدرسة في هذه المناطق بصفة كبيرة، لأن الطريق تقطع بفعل الأمطار وتغيب عنها وسائل النقل.

 

ورغم بعض المبادرات المضيئة لتوفير النقل المدرسي لتلاميذ الأرياف، إلا أن الوضع لا يزال دون المأمول، فالدولة غير قادرة على تحمل مسؤولياتها تجاه هذه الفئة مع ضعف الموارد لديها. وتسعى عدة مبادرات من المجتمع المدني الى المساهمة في حل هذه المشاكل في ظل عجز الدولة، ففي السنة الدراسية 2016 – 2017 مثلا، تم تأمين نقل ما يقارب 1500 تلميذ في 8 ولايات داخلية فيما عرف “ببرنامج فاطمة “.

 

 

 

 

حتى قبل المدرسة، يعاني أبناء الريف من التمييز الممنهج، من ذلك أن أغلبهم لا تتوفر لهم فرصة الالتحاق بالسنة التحضيرية، وهي سنة تعليم تسبق الدخول الى المسار التعليمي العادي، وتؤمن المدارس العمومية هذه السنة الأولى. لكن الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية، تبين  التفاوت الكبير بين تلاميذ المدن الساحلية و نظرائهم في المناطق الداخلية.

 

ففي ولاية القصرين على سبيل المثال، لا تتوفر فرصة الالتحاق بالسنة التحضيرية سوى لـ 44 بالمائة من الأطفال، في حين تتجاوز هذه النسبة 96 بالمائة في العاصمة. كما أن 5 ولايات داخلية هي دون المعدل الوطني في هذا الجانب، وهي كل من القصرين والكاف وجندوبة وباجة وسليانة .

 

 

 

 

تلميذة تموت من البرد في قرى الشمال الغربي، وأخرى تنهشها الكلاب السائبة وهي في طريقها إلى المدرسة، هذه ليست سوى حوادث تلخص حجم المعاناة و المأساة التي يعانيها أطفال الريف. لايزالون بعد ثورة جاءت لرفع الظلم والتهميش الذي ظل مسلطا على الجهات منذ عقود، يواجهون قساوة الطبيعة وحيف الأنظمة والسياسات التي تضعهم غالبا في خانة المواطنين من الدرجة الثانية أو المنسيين..

لا يكاد يخلو موسم دراسي من حادث انهيار سقف صف أو مرض أطفال بسبب نقص الماء وتلوثه ومئات حالات الانقطاع المدرسي. ومن يصمم على مغالبة الفقر و الخصاصة ليواصل رحلة تعليم أبنائه يصطدم بواقع قاس تعيشه المدرسة والمدرّس يقضي في غالب الأحيان على آماله وطموحاته..

دواجة العوادني 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.