دين وحياة

القدس منارة العلماء

المسجد الأقصى أوّل مدرسة فقهيّة إسلاميّة في مدينة القدس العربيّة

مثّلت القدس العربيّة منبرًا علميًّا استقطب العلماء المسلمين وغير المسلمين بداية من القرن الخامس إلى حدود القرن الحادي عشر ميلادي، وذلك لبروز المسجد الأقصى كمركز مهمٍّ لتدريس العلوم الإسلاميّة وعلوم اللغة العربیّة بأبوابها العديدة من نحوٍ وصرفٍ وأدبٍ وشعرٍ، وهو ما جعل المدينة تتحوّل إلى منارة تشعّ على العلماء وحاضنةً لتجديد العلم وتطويره ومركزًا للمناظرات الفكريّة. لقد ذكر العارف بن العارف في كتابه تاريخ القدس: “كان في القدس ثلاثمائة وستّون مدرّسا حينذاك”.

القدس مهد الصحابة والأئمّة

نظرًا للمكانة الدينيّة المتميّزة لمدينة القدس، وباعتبارها مهد الأنبياء والرسل، فقد استقطبت علماء المسلمين وأيمّتهم. ومن أبرز الصحابة الّذين اتّخذوا من القدس مُستقرًّا، الصحابيُّ الجليل عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، الّذي وُلِّيَ القضاء والتعليم، إضافة إلى الصحابي الجليل شدّاد بن أوس بن ثابت رضي الله عنه (58هـ ـ677م) الذي نقل أحاديثَ عن النبي (ص)، كما لا ننسى الإمام الأوزاعي وسفيان الثوري والإمام الليث بن سعد والإمام الشافعي. 

الأقصى أوّل مدرسة فقهيّة إسلاميّة في مدينة القدس العربيّة

اشتُھِرَ المسجد الأقصى على مدى القرون الأربعة، بحلقات تلاوة القرآن وحفظه وتأويله، حتّى اعتُبِر أوّل مدرسة فقهيّة إسلاميّة في مدينة القدس العربيّة، تعنى بالعلوم الشرعيّة. إنّ هذا الإشعاع والرّيادة يعودان أساسًا إلى عديد المحدّثین الثّقات الّذین درسوا واھتمّوا بعلم الحدیث وروایته، ومن بينهم عبد الله بن فیروز الدیلمي وأبو سلام الحبشـي. وقد كان هذا الأخير يزور بیت المقدس لیقرأ على عبادة بن الصامت ویروي عنه، فنقل عنه رواة الحديث الستّة إلّا البخاري.

إضافة إلى أعلام الفقھاء الّذین درسوا في المسجد الأقصى كأبو الفرج عبد الواحد بن أحمد والشیرازي ثمّ المقدسي، المتوفّى سنة (386 ھـ)، وھو الّذي نشر مذھب الإمام أحمد في القدس، هذا بالإضافة إلى محمد بن أحمد المقدسي البشاري (380هـ ــ 990م)، الّذي ألّف الموسوعة الجغرافيّة “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، كما ينبغي الإشارة إلى الفقهاء الثلاثة، أبو الفضل علي بن طاهر المقدسي (507هـ ـ 1112م) ونصر المقدسي (1096مـ490هـ) وعطاء المقدسي.

ومن العلماء الّذين توجّهوا للتعليم في القدس نذكر الإمام محمد بن الوليد الطرطوشي الأندلسي (520هـ ـ 1126م). كما نذكر كذلك أبا الغنائم محمد بن ميمون الحافظ الكوفي وأبا عبد الله الديباجي العثماني والإمام أبي الفرج الشيرازي وأبا حامد الغزالي الّذي اعتكف في المسجد الأقصى وقدم إلى المدرسة النصرية وألّف فيها عديد الكتب من بينها كتابه الشهير “إحياء علوم الدين”.

 

المسجد الأقصى مركز لتعليم اللغة العربيّة

إنّ اللغة العربيّة هي لغة القرآن الكريم، لذلك اهتمّ علماء المسجد الأقصى ومدرّسوه بتعلّم وتعليم اللغة العربيّة، فدرّسوا النحو والصرف والأدب والبیان والشعر. فقد كان المعلّم، في تلك الفترة، یختار عموداً من أعمدة المسجد یجلس عنده ليتحلّق حوله الطلّاب، فصار العمود يرمز للشيخ الذي یجلس عنده، إضافة إلى حلقات النقاش والمناظرة حول علم الكلام وأصول الفقه والخلاف، الحلقات الّتي لم تقتصر على المسلمين بل شملت أهل الكتاب حيث ذكر بن عربي “وكنّا نفاوض الكراميّة والمعتزلة والمشبهة واليهود وخاصمنا النصارى”.

صلاح الدين الايوبي والحياة العلميّة في الأقصى

استمرّت فترة النهضة العلميّة لمدينة القدس ومسجدها الأقصى الّذي صار مركز إشعاعٍ بارزٍ للعلماء المسلمين الّذين توافدوا عليه لطلب العلم. غير أنّ التعليم القدسي عرف نكسة كبرى خلال الاحتلال الصليبي (492 – 583ھـ)، وبقي على هذا الحال حتّى قدوم صلاح الدين الأيّوبي الّذي أعاد للمسجد الأقصى مكانته العلميّة والدينيّة البارزتين (583هـ ـ 1187م). فشدّ العلماء الرحال مجدّدًا إلى المسجد الأقصى للصلاة فیه وإحیائه بالعلم وحلقات التدریس، ونذكر منھم وزیر صلاح الدّين القاضي الفاضل، والقاضي بھاء الدین بن شدّاد.

 ظهور المدارس في القدس إلى جانب المسجد الأقصى

أُنشئت المدارس تدريجيًّا لتقتسم مع المسجد الأقصى تعليم الطلّاب، وفي أواخر القرن السادس الھجري، شهدت العلوم  تطوّرا من حیث عدد الدّارسين  والمدرّسین المتخصّصین. وازدادت المدارس لتبلغ العشرات منها، أحاط أغلبها بالأقصى من جھته الغربیّة والشمالیّة، فيما كان بعضها الآخر داخل أسوار المسجد. في المقابل، استمرّت حلقات العلم في كلا المسجدين: الأقصى وقبّة الصخرة.

جامعة القدس الكبرى 

ارتفع عدد المدرّسین والطلبة والفقھاء والعلماء،  حتّى صارت باحة الأقصى تعرف ب”جامعة القدس الكبرى”، في القرن التاسع ھجري. فخُصّصت أروقة المسجد والدّور الّتي فوقھا للتدریس ولإيواء الطلّاب. كما أُضيفت المصاطب المقدّرة بثلاثین مصطبة تقريبًا لیجلس علیھا طلّاب العلم للاستماع إلى الدروس. وقد صار لكلّ من المدرّسین والعاملین في الأقصى رواتب محدّدة تُصرف علیھم من أوقاف المسجد، فضلاً عن الھبات الّتي ظلّت تَرِدُ علیھم من السلاطین وغیرھم. وقد بنیت المدارس، في عھد الممالیك، في منطقة مجاورة للمسجد الأقصى، ومن أشھرھا المدرسة الأشرفیّة الّتي أمر ببنائھا السلطان قایتباي سنة (875 ھـ -1470م).

استطاع المسجد الأقصى أن يصبح  أوّل جامعة في الشرق تُعنى بتدريس العلوم الشرعیّة والأدبيّة، حتّى باتت القدس مركز إشعاع للعلم واستقطاب للعلماء والأساتذة والطلبة من جلّ أنحاء العالم الإسلامي، وعرفت ازدهارا كبيرا في المدارس والمكتبات والزوايا إلى جانب المسجد الأقصى ممّا عكس الوظيفة الثقافيةّ المميّزة لهذه المدينة في مراحلھا التاریخیّة المتعاقبة.

 

وفاء الحكيري

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.