ثقافة

هل تعرف الحضارة الكوشيّة في السودان؟

الحضارة الكوشيّة في السودان من أقدم الحضارات في التاريخ البشري

 

مجلّة مــيم – مهدي الغانمي

لقد ظهرت حضارات عريقة منذ فجر الإنسانيّة الأوّل، مهّدت الطريق أمام الحضارات الأخرى بإنجازاتها المعماريّة والحضاريّة واكتشافاتها المؤسِّسة للوعي الإنساني المدني.

وإن كان للناس في عصرنا فكرة كبيرة عن حضارات قديمة مثل الحضارة البابليّة واليونانيّة والفرعونيّة والرومانيّة، نتيجة مشاهدة الأفلام السينمائيّة الّتي تمّ استيحاؤها من عوالمها، أو الأشرطة الوثائقيّة العديدة الّتي تناولتها بالدرس، فإنّ هناك حضارات عريقة أخرى لا تحظى بنفس تلك الشهرة اليوم.

ومن بينها الحضارة الكوشيّة النوبيّة، الّتي سنحاول التعريف بأهمّ فتراتها التاريخيّة ومميّزاتها في هذا المقال.

 

تاريخ الحضارة الكوشيّة في السودان

فيما يُروى أنّ تسمية مملكة كوش، إلى كوش بن حام بن نوح وقد اتّخذت هذا الاسم بعد صعود الأسرة الملكيّة الخامسة والعشرون النوبيّة للحكم.

 

ويعتقد علماء عديدون مثل شارل بونيه وجورج اندرو ريزنر أنّ أصل الحضارة في وادي النيل يعود إلى حضارة كرمةالكوشيّة.

 

امتدّت هذه الحضارة العريقة على مجال جغرافي شاسع، من أسوان في جنوب مصر إلى مدينة سوبا في السودان (الخرطوم حاليًّا).

 

وقد شهدت هذه الحضارة أوج هيمنتها وقوّتها بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد، لتصبح إمبراطوريّة شاسعة يصل نفوذها إلى سواحل البحر الأبيض المتوسّط شمالًا، وأعماق إفريقيا جنوبًا، وهو ما أتاح لها مساحة هائلة، ساهمت في تبادل المعارف من فنون وهندسة ولغات وأديان.

 

كان نظام الحكم الكوشي نظامًا أوتوقراطيًّا، فلا يُشرك الملك أحدًا في اتّخاذ القرار إلّا  الملكة الأمّ  أو الكنداكة في مناسبات محدودة وبشكل سريّ، ويباشر بنفسه إدارة الخزينة وحملة الأختام وحافظي السجلّات ورؤساء الكتبة.

 

وقد تعاقب على هذه المنطقة من حوض نهر النيل الّتي تعرف بالنوبة، ثلاث ممالك كوشيّة: المملكة الأولى،وعاصمتها كرمة(2400-1500 ق.م)، والمملكة الثانية الّتي تمركزت حول نبتة (1000-300ق.م)، وآخرها مملكة مِروي (300 ق.م-300م).

 

حضارة كـــرمة

مدينة كرمة الأثريّة في السودان

هي أقدم الممالك الكوشيّة، يعود تأسيسها إلى 2400 عام قبل الميلاد، واستطاعت أن تحتفظ،عبر التاريخ،بلغتها ونفس العرق الّذي أسّسها.وعندما غزت قبائل الهكسوس الامبراطوريّة الفرعونيّة في الشمال، رسّخت مملكة كرمة وجودها في الجانب الشرقي لنهر النيل بين القرن العشرين ومنتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد، ومدّت هذه المملكة نفوذها إلى مصر السفلى الفرعونيّة الّتي نجت من الغزو.

ازدهرت  كرمة كمدينة تجاريّة وسيطة بين مصر وإفريقيا، وتمايزت في هذه الفترة بصناعة الفخّار الّذي اشتهر في العالم باسم “فخّار كرمة“، لجودة صنعه العالية في ذلك الوقت، وقد عثر الباحثون على نماذج منه في مصر.

 

 

معبد الدفوفة الغربيّة بحضارة كرمة

كما تطوّرت المباني فأصبحت تُشيّد بالطوب غير المحروق في البداية, ومن ثمّ ظهر الطوب المحروق، وبذلك تكون حضارة  كرمة قد سبقت الحضارة الفرعونيّة في البناء بالطوب المحروق.

 

 

 

حضـــارة نـبتــة

تماثيل الفراعنة النوبيّين، الأسرة الخامسة والعشرون حكّام مملكة نبتة. متحف الخرطوم

هي الفترة الأهمّ في الحضارة الكوشيّة. ففي هذا العصر،حكمت الأسرة الخامسة والعشرون، وقام مؤسّسها، الملك النوبي كاشتا بغزو مصر العليا.

ثمّ اتّبع سياسته حفيده شباكا، فوحّد وادي النيل بأكمله تحت السيطرة الكوشيّة في السنة الثانية من حكمه، ووضع سياسة بناء النصب التذكاريّة في المملكة، وساهم في إعادة الطقوس الدينيّة والفنون والهندسة المعمارية إلى عهودها الذهبيّة كما كانت في عهد المملكة القديمة.

 

 

 

 

رسم تمثيلي لمعبد البركل في فترة المملكة المِرويّة

وقام الفراعنة النوبيّون مثل طهارقة، ببناء أو ترميم المعابد والآثار في جميع أنحاء وادي النيل، بما في ذلك ممفيس والكرنك وجبل البركل، إلخ… وخلال عهد الأسرة الخامسة والعشرين شهد وادي النيل أوّل بناء على نطاق واسع وكبير للأهرامات (معظمها في السودان) منذ عهد المملكة الوسطى.

 

وكان اقتصاد نبتة يقوم على الذهب أساسًا، وهذا ما دعّمه الحلف الاقتصادي الهامّ مع الأسرة الحاكمة الفرعونيّة في تلك الحقبة، ودعّم انتشار اللغة الفرعونيّة، الهيروغليفيّة القديمة في هذه المملكة.

 

 

حضـــارة مِــروي

أهرام مِروي

قامت مملكة مِروي على أعقاب مملكة نبتة الغنيّة بالذهب والقوّة العسكريّة. وهو ما ساعدها على الاستثمار في صناعة الحديد والمشاركة الفعّالة في التجارة العالميّة مع الهند والصين، وهو ما جعلها تستقطب عمّال التعدين من كلّ أنحاء العالم.

ولهذا السبب أُطلق عليها المؤرّخون اسم بيرمنغهام إفريقيا لكمّيتيْ إنتاج الحديد وتصديره الهائلتيْن، سواء كان خامًّا أو مصنّعًا.

فكان يُوجّه نحو بقيّة مناطق إفريقيا ومراكز التجارة العالميّة الأخرى.وقد استعمل المرويّون أفران الصهر والمحارق لإنتاجه، وهو ما جعلهم أفضل صنّاع الحديد في العالم.

كما صدّرت مِروي المنسوجات والمجوهرات، وكانت المنسوجات الكوشيّة من القطن قد بلغت أوج ازدهارها في القرن الرابع قبل الميلاد، إضافة إلى تدعيم تجارة الذهب وتصدير الحيوانات النادرة وصل إلى حدود القارة الأوروبيّة، وهذا ما يبيّن أنّ الاقتصاد المِرويّ كان متنوّعًا إضافة إلى قوّته.

كما طوّر المرويّون أبجديّة جديدة تتكوّن من 23 حرفًا، مشتقّة من اللغة الهيروغليفيّة القديمة الّتي كانت تُستعمل في الفترة النبتيّة، وقد استعملوها كلغة رسميّة للكتابة في السجلّات التجاريّة والنصوص المقدّسة والقوانين، إلخ…

الثروة الأثريّة السودانيّة بين التنقيب والنهب الاستعماري

عرف الأوربيّون الحضارة الكوشيّة في العصر الحديث، تحديدًا في عام 1821م، عن طريق عالم المعادن الفرنسي فريدريك كلود الّذي زار مِروي، ثمّ قفل راجعًا إلى أوروبا لينشر ملفًّا وصف فيه آثارها. ويعتقد أنّ هذا الملفّ كان السبب المباشر لحضور الكثيرين من صائدي الجوائز واللصوص الباحثين عن الذهب، مثل الإيطالي جوزيبي فريليني.

 

قطع من مجوهرات الملكة الأمّ/ الكنداكة، أماني شيكتو

وفريليني هذا هو طبيب إيطالي عمل كجرّاح مرافق لجيش الخديوي إسماعيل، إبّان الاحتلال التركي للسودان. وعندما تمركزت قوّات الخديوي في الخرطوم وسنار سنة 1834، توجّه فيرليني إلى المدن الأثريّة في مِروي وواد بانقا في سعيه المحموم للبحث عن الكنوز. فقام بتفجير أكثر من أربعين قمّة لأربعين هرمًا بالديناميت، حتّى وصل هرم الملكة الأمّ (الكنداكة) أماني شيكتو، حيث وجد كنزًا نادرًا يحتوي مجوهرات أغلبها مصنوع من الذهب، فسرقه.

ثمّ عاد إلى أوروبا وعرضها في متاحف ميونخ وبرلين، لكنّ هذه المتاحف استبعدت فكرة أن تُوجد جواهر عالية الجودة و بديعة التصميم في إفريقيا، فرفضوها بحجّة أنّها مزوّرة.

 

وفي عام 1844، قام العالم كارل ريتشارد ليبسيوس باكتشاف معالم الحضارة الكوشيّة اكتشافًا علميًّا لأوّل مرّة، فقام برسم العديد من الخرائط، ومن ثمَّ أودعها بجانب ما اكتشفه من تماثيل ومجوهرات في متحف برلين. كما قام هذا العالم الّذي عمل على الآثار الكوشيّة في السودان والآثار الفرعونيّة في مصر، بفحص مجوهرات الملكة أماني شيكتو الّتي بحوزة  فريليني، وأكّد صحّتها و أصالتها، فسارع متحف برلين بشراء القسم الأكبر منها، فيما اشترى الملك لودفيج الأوّل ملك بافاريا (وهي اليوم إحدى ولايات ألمانيا الاتّحاديّة).

 

كما جرى استكشاف المنطقة مرّة أخرى في الفترة ما بين عامي 1902 و1905، بواسطة عالم المصريّات، المستشرق الإنجليزي إي. أ وليامز بدج، وهو الذي اكتشف أجمل ما عُثر عليه في مِروي حتّى الآن مثل مجسّمات النحت في حيطان المعابد، وهي مجسّمات تُظهر أسماء الملكات وبعض الملوك وجزْءً من فصول كتاب الموتى والمسلات المنقوشة باللغة المرويّة والأواني المعدنيّة والأعمال الخزفيّة.

جدران المعابد المنحوتة في الفترة المرويّة

 

وقد تمّ تفكيك النحوت البارزة حجرًا حجرًا، ليتمّ نقلها فيما بعد إلى المتحف البريطاني أين أُعيد تجميعها جزئيًّا، فيما تمّ تجميع الجزء المتبقّي في متحف السودان القومي بـالخرطوم.

 

 

 

 

وقد نشر العالم إي. أ وليامز بدج كتاباً مهمًّا في لندن عام 1907، أسماه السودان المصري: التاريخ والآثار”. وقد أثبت هذا العالم أنّ الإهرامات النوبيّة كانت تُبنى على غرف منحوتة في الصخر وتحتوي على أجساد الملوك الراحلين الّتي عادة ما تُحنّط كمومياءات، أو يتمّ دفنها بطريقة عاديّة في بعض الحالات.

 

 

تماثيل على شكل خرفان في العصر المروي

وفي عام 1910، ونتيجة لتوصيات عالم الأشوريّات والسيميائيّات الإنجليزي (1846 -1933) أرشيبالد سايس الّذي كان يرأس كرسيّ الدراسات الأشوريّة بجامعة أكسفورد، قام العالم الإنجليزي جون قراستنق (1876-1956) بأعمال حفر وتنقيب واسعة في تلال مِروي ومقبرتها الكبري برعاية جامعة ليفربول فأسفر البحث عن اكتشاف قصر كبير ومعابد متعدّدة شيّدها ملوك الحضارة الكوشيّة.

 

 

 

 

أواني خزفيّة كوشيّة في متحف اللوفر الفرنسي

وفي عام 1916، قام الحاكم البريطاني للسودان ريجنالد ونجت بإرسال قوّات لقطع الطرق المؤدّية إلى أهرام مِروي، والطرق الّتي تربطها ببعضها البعض. وهو ما تسبّب في غرق العديد من الأعمدة والآثار.

 

 

 

 

 

آنية خزفيّة مزركشة من الفترة النبتيّة في متحف بوسطن للفنون الجميلة بالولايات المتّحدة

من المعالم الأثريّة لمملكة كرمة في شمال السودان، مقبرة  الديفوفة الشرقيّة الّتي يبلغ طولها 1600 متر وعرضها 700 متر، وتحتوي على عدد قبور ينحصر بين 20 و 30 ألف قبر لملوك هذه المملكة ورعاياها، وهي تُعتبر شاهدا على طقوس دفن تعود إلى حواليْ 4500 سنة. لكنّ هذه المعالم التاريخيّة النادرة، الّتي تمّ اكتشاف جزء صغير منها مهدّدة بالاندثار اليوم إن لم تُتّخذ الإجراءات الكفيلة بحمايتها، حسب ما ورد في أغلب تقارير علماء الآثار الّذين اهتمّوا بمعالم هذه الحضارة وعلى رأسهم العالم السويسري شارل بونيه. 

 

 

 

وغير بعيد عن عاصمة الولاية الشماليّة بالسودان، دنقلا، شرق مدينة البرقيق، توجد معابد الديفوفة الشرقيّة ومقابرها الّتي تعتبر شاهدا على جانب مهمّ من الحضارة النوبيّة في عهد ما قبل مملكة كرمة.

 

ورغم الاهتمام الّذي حظيت به هذه المنطقة من الباحثين في بداية القرن الماضي، فإنّها لم تكشِف بعدُ عن كلّ ما في جعبتها من أسرار إلى حدّ اليوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.