مجتمع

“السمرة من الجمال”

المعركة ضد الهوس بالبشرة الفاتحة في الهند

أدى تحيز العالم نحو لون محدد من البشرة إلى ثورة عالمية في صناعة مستحضرات التجميل وجراحة التوغل الطفيف، تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. في هذا الصدد، توجه ناشطون إلى مستهلكي هذه المنتجات والناشطين في الهند لتحذيرهم من المخاطر التي تطرحها، فضلا عن كيفية إيقاف هذه الظاهرة.

الهند: الجمال= البياض

هذا ما قالته كافيثا إيمانويل، مؤسسة “وومن أوف وورث”، وهي منظمة غير حكومية هندية، تحارب مظاهر التحيز للبشرة الفاتحة، “تبدأ هذه الفكرة منذ ولادة الأطفال: ففي اللحظة التي يولد فيها الطفل، يبدأ الأقارب بمقارنة لون بشرة الأشقاء. في الحقيقة، تنطلق هذه الفكرة من عائلتك، ولكن الناس يحبذون عدم التحدث عنها بطريقة علنية”.

 

وفقا لإيمانويل، انطلقت حملة “السمرة جميلة” سنة 2009، علما وأنها ليست معادية للبشرة البيضاء، ولكنها تسعى إلى الشمولية والجمال مهما كان لون البشرة. والجدير بالذكر أن هذه الحملة نالت تأييد العديد من المشاهير، أبرزهم نجمة بوليوود، نانديتا داس؛ وقد وفرت منتدى مفتوح لعامة الناس كي يتسنى لهم مشاركة قصصهم حول التحيز في لون البشرة.

 

علاوة على ذلك، تعمل الحملة على تنظيم ورشات عمل في محو الأمية الإعلامية وبرامج التأييد في المدارس، التي تنادي بمكافحة التحيز في لون البشرة. في هذا الصدد، قالت إيمانويل إن “هذا التحيز متواجد حتى في الكتب المدرسية، حيث يتم نعت الفتاة التي تمتلك لون بشرة عادي بالجميلة، بينما تنعت الفتاة ذات البشرة السمراء بالقبيحة. وقد تسبب هذا التحيز في صدمة نفسية للأطفال وتؤثر فيهم بشكل فعلي، وقد وصل بالبعض منهم إلى البكاء خلال ورشات العمل”.

 

“بشرة مثالية لحياة مثالية”، ولكن فقط لذوات البشرة الفاتحة، هذه هي الرسالة والعقلية التي يعمدون إلى تمريرها في المجتمع، والتي على إثرها تولد قطاع شامل في التجميل، تبلغ قيمته مليارات الدولارات، تضمن مستحضرات التجميل وكريمات التبييض، فضلاً عن جراحة التوغل الطفيف، على غرار عمليات تبييض البشرة، والتقشير الكيميائي، وعلاجات الليزر، وحبوب التبييض، والكوكتيلات الستيرويدية، وحقن الوريد، التي تنم عن مخاطر صحية. هنا، لم نعد نتحدث فقط عن تحيز، بل هاجس ثقافي خطير يجتاح المجتمع.

التبييض: سوق مربحة

عثرت ماركات مستحضرات التجميل العالمية على سوق مربحة، إذ من المتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على عمليات تفتيح البشرة إلى 31.2 مليار دولار (24 مليار جنيه إسترليني) بموفى سنة 2024، وذلك وفقا لتقرير أصدرته شركة أبحاث المحللين العالميين في حزيران/ يونيو سنة 2017.

 

في الحقيقة، تتلخص هذه الحملة في مكافحة “وصمة البشرة الداكنة، التي لا تزال متفشية في المجتمع، فضلا عن الإدراك الثقافي المتزمت، الذي يربط بين لون البشرة الفاتح والجمال والنجاح الشخصي”. في هذا الصدد، أكدت الأستاذة سونيل بهاتيا أن “هذا ليس تحيزا، إنها عنصرية”، وهي أستاذة التنمية البشرية في كلية كونيتيكت، وكتبت في صحيفتي “يو آس نيوز” و”وورلد ريبورت” حول العنصرية الداخلية المتجذرة والتسلسل الهرمي الاجتماعي المستند على لون البشرة.

 

ومن المثير للاهتمام أن هذه العنصرية متجذرة في نظام الطبقة الاجتماعية في الهند، حيث كان التصنيف الهندوسي القديم يحدد مهنة المولود الجديد والطبقة الاجتماعية التي سينتمي إليها من خلال لون بشرته. في أعلى هذا التسلسل، تجد طائفة البرهميين، التي تتضمن الكهنة والمثقفين، بينما تقبع الطبقة المنبوذة في أسفل التسلسل، وتقوم بالوظائف الأقل رغبة، كتنظيف المراحيض. وفي هذا الصدد، تقول بهاتيا أن الطبقة الاجتماعية يمكن أن تتفرع إلى ما يتجاوز المهنة، أي كلما زادت سمرة بشرتك، كلما انخفضت مكانتك في التسلسل الهرمي الاجتماعي.

 

نموذج غربي مهيمن وعنصرية داخلية

تسبب الاستعمار في تخليد هذا التحيز وتعزيزه، علماً وأنه لم يشمل فقط الهند، ولكن شمل أيضاً عشرات الدول التي كانت مستعمرة من قبل القوى الأوروبية. في هذه النقطة، وضحت إيمانويل أن “الفكرة تكمن في أن المستعمر يحمل بشرة متوسطة اللون، وهي حقيقة عالمية تبين أن الأغنياء دائماً ما يمكثون في قصورهم ولا يجدون داعياً للخروج، عكس الفقراء الذين دائماً ما يعملون في الخارج وهذا سبب اسمرار بشرتهم”.

 

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت العولمة بشكل كبير في نشر هذا التحيز. وأضافت بهاتيا أن “هناك موجة دعاية ضخمة للبيض انطلقت من الولايات المتحدة ووصلت إلى كل مراكز التسوق الموجودة في الدول الأخرى، تجسدت في العارضات البيض، لذلك وجب رسم خط رابط بين الاستعمار وفترة ما بعد الاستعمار والعولمة”.

 

أصبح الجمال الغربي، من بينها لون البشرة المبيض، نموذجا يهيمن على العالم، وتباعا لها تأتي هذه المنتجات لخدمتها. فعلى سبيل المثال، في نيجيريا، تستعمل ما يربو عن 77 بالمائة من النساء مستحضرات تفتيح البشرة، وتنخفض هذه النسبة إلى 59 بالمائة في الكونغو. مع ذلك، لا تزال منطقة آسيا والمحيط الهادي تسيطران على أكبر الأسواق وأسرعها نموا. قريبا، سيشتمل سوبرماركت نموذجي في الهند على رواق يتضمن منتجات للعناية بالبشرة، من بينها مرطبات التبييض وكريمات التفتيح، من علامات تجارية معروفة.

 

الدعاية وحلم البياض

قضت بوجا كنان، الشابة الهندية التي تقطن في مومباي وتبلغ من العمر 27 سنة، سنوات من عمرها في شراء المستحضرات التجميلية التي تعد بتفتيح البشرة، على أمل أن تخفف من قتامة بشرتها. في هذه السنوات، عمدت بوجا إلى شراء كريمات وغسول وجه وصابون لأجل إصلاح لون بشرتها، وكلفها ذلك بين 200 و300 روبية في الشهر، أي ما يعادل تكاليف تنقلها إلى معهدها لمدة أسبوع.

 

بعد مرور أربع سنوات من استخدامها لهذه المساحيق، تقول بوجا أنها قد لاحظت بعض التحسن على بشرتها، ولكنها تتساءل إن كان هذا التحسن ناجما عن استعمالها لهذه الكريمات أو عن وقاية بشرتها من آثار التعرض للشمس.

 

والجدير بالذكر أن بوجا تمتلك لون بشرة طبيعي في اللون البني الفاتح، ولكن في سنوات نضجها، كانت تتلقى العديد من التعليقات السيئة حول لون بشرتها من أقاربها وعماتها، متبوعة بخيبة أمل. كان أقاربها وزملاؤها يملؤون تفكيرها بتعليقات، على غرار “لقد تحول لون بشرتك إلى اللون الأسود”. على خلفية كل هذه التعليقات، أصبحت بوجا تشعر بعدم ارتياح وانعدام الأمان في حياتها، لأنه في الهند يعتبر لون بشرتها المحدد الأول لنجاحها وحصولها على وظيفة وزوج، لذلك تعد هذه التعليقات ذات أهمية بالنسبة لها.

 

زد على ذلك، أفادت بوجا “في كل مرة أجهز فيها نفسي للخروج، أتذكر ما يقولونه لي وأحاول وضع المزيد من المساحيق التجميلية والماكياج”. تهوى بوجا الرقص وتمارسه، ولكنها أيضاً تعاني من التمييز في العروض. في هذه النقطة، تقول “إن الفتيات الأكثر جمالا واللاتي يتمتعن بقوام ممشوق وبشرة فاتحة يتمركزن في مقدمة المسرح”.

 


في حقيقة الأمر، دائماً ما تلعب الأفلام والبرامج التلفزيونية، وخاصةً الإعلانات، دوراً كبيراً في تعزيز هذا التحيز. في سنة 2016، اضطرت الممثلة إيما واستون إلى إصدار بيان توضح فيه أنها لن توافق بعد الآن على العمل في إعلانات المنتجات التي “لا تعكس دائما مواطن الجمال المختلفة بين جميع النساء”، وذلك على إثر الانتقادات التي طالتها بعد ظهورها في إعلانات شركة “لانكوم” لمستحضرات التجميل.

 

في سنة 2014، حضر مجلس معايير الإعلانات في الهند الإعلانات التي تمارس التمييز وتصور الناس ذوي البشرة الداكنة على أنهم أقل شأنا، ولكن المنتجات لا تزال تسوق إلى الآن. لا تزال كريمات تبييض البشرة تظهر على أغلفة الصحف، والتلفزيون ولوحات الإعلانات، ومعها مشاهير بوليوود، على غرار شاروخ خان وجون أبراهام وديبيكا بادوكون.

 

بالإضافة إلى ذلك، عمد الممثل أبهاي ديول، في عدة مشاركات له على الفايسبوك، إلى دعوة العديد من زملائه إلى إقرار تأييدهم لكريمات الجمال. في صحيفة هندوستان تايمز، كتب أبهاي أن “الإعلانات تبشرنا أنه بإمكاننا الحصول على وظيفة أفضل، زواج أسعد وأطفال أكثر جمالاً، إذا كنا من ذوي البشرة الفاتحة. لقد أصبحنا مجبورين على الإيمان بأن الحياة يمكن أن تصبح أسهل لو ولدنا ببشرة فاتحة”.

 

وتجدر الإشارة إلى أن تفتيح البشرة لم يلق بالفائدة فقط على قطاع مستحضرات التجميل الحديثة. وحيال هذه المسألة، تدرس منظومة الأيورفيدا في الهند أنه يمكن للنساء الحوامل تحسين بشرة الجنين من خلال شرب الحليب بالزعفران الملبس، فضلا عن تناول البرتقال وبذور الشمر وقطع جوز الهند. في مستهل هذه السنة، قاد ممارس لمنظومة الأيورفيدا، في كلكوتا، جلسة للأزواج الذين ينتظرون مولودا جديدا، وأفاد فيها أنه أصبح من الممكن للآباء والأمهات من ذوي البشرة الداكنة والقامة القصيرة الحصول على أطفال طويلي القامة ويتمتعون ببشرة فاتحة.

 

في سنة 2012، كشفت دراسة قادتها جمعية خيرية معنية بصحة المرأة أن الأزواج الذين لم يرزقوا بأطفال، كانوا يصرون أن تكون الأم الحاضنة جميلة ومن ذوات البشرة الفاتحة، وكانوا يدفعون مبالغ كبيرة لأجل ذلك. هنا يظهر تأصل هذا التحيز في المجتمع الهندي، ويفوق في عمقه تلك الإعلانات التي يبحث فيها الرجال عن زوجة ببشرة فاتحة، إلى جانب الطبقة الاجتماعية والدين والمهنة والمستوى الدراسي.

 

في هذا الصدد، أشارت إيما ترينيداد، خبيرة تجميل فلبينية تدير منتجع صحي في بنغالور، إلى أن البنات اللاتي ستتزوجن قريبا تنفقن مبالغ طائلة في الأشهر الأخيرة لموعد الزفاف”. وأضافت أنها قد فوجئت كثيرا عندما جاءت إلى الهند ووجدت أن فرصة الفتاة في الزواج تعتمد على لون بشرتها، لأن ذلك لا يوجد في الفلبين.

 

ما يجهله الكثيرون أن هذه العقلية قد تطبعت كثيرا في المجتمع الهندي، إلى درجة أن البنات أصبحن يعتبرن علاجات البشرة جزءا من استعدادات الزفاف، للرجال والنساء على حد السواء. على سبيل المثال، عندما تزوج كارثيك بانشاباكيسان سنة 2001، كان متأثرا بإعلانات “التحول الكامل” وقرر محاولتها.

 

في هذا الصدد، أفاد أخصائي وسائل الإعلام، في الإذاعة المجتمعية، أنه لم يسبق له أن ذهب إلى صالون تجميل من قبل. وأضاف أن “التدليك كان جيدا حقا. ومن ثمة وضعوا هذه العجينة والفواكه البيضاء المزهرة في جميع أنحاء جبهتي، خدودي وانفي وذقني”. على إثر هذه العملية، قال بانشاباكيسان إن عينيه بدأت تحرق بعد خمس دقائق تقريباً، وتهيج أنفه عند تحول تلك الرائحة الحلوة إلى أبخرة حادة. بالنسبة له، “لم يكن ذلك تحولا، بل تشوها”.

خطر مواد التبييض

تهدف علاجات كريمات تفتيح البشرة إلى جعل الجلد أكثر قدرة على إنتاج الصبغة والميلانين الذي يمنح الجلد والشعر والعينين لونها الجميل، إذ يمتلك الجميع تقريبا العدد نفسه من خلايا الميلانين، ولكن العدد الذي ينتجه الجسم يرتبط أساسا بجيناتك. لذا أن يكون لديك الكثير من الميلانين الطبيعي فهذا يعني أن الأشخاص السمر لديهم قابلية أقل على تكوين التجاعيد مع تضاؤل خطر الإصابة بسرطان الجلد.

 

في المقابل، تعمل كريمات تفتيح البشرة على وقف إنتاج الميلانين أو تحسين الوضع الصحي العام للجلد. وقد تحتوي على مواد طبيعية مثل الصويا وعرق السوس والأربوتين، ويكون أحيانا ممزوجا بعامل التفتيح الطبي الكينون المائي (ليس كل الكريمات بها هذا المكون: الكينون المائي عنصر قد يكون مسرطنا، كما أن المنتجات التي بها هذا العنصر ممنوعة في غانا وجنوب أفريقيا وساحل العاج واليابان وأستراليا والاتحاد الأوروبي، إلا أنها ما زالت تستخدم بشكل غير قانوني).

 

وفق منظمة الصحة العالمية فقد وجد الزئبق من قبل في كريمات تفتيح البشرة والصابون. على الرغم من أنه يمنع إنتاج الميلانين، وقد يضر بالكلية والدماغ إن امتصه الجلد وتكدس في الجسم.

 

كما أن إحدى الطرق الأخرى المستخدمة في تفتيح البشرة وهي التقشير الكيميائي الذي يزيل الطبقة العليا من الجلد، ما يعرض الجلد الجديد لأشعة الشمس الضارة والتلوث البيئي. بينما تستخدم علاجات الليزر مقاربة أخرى أكثر خطورة من خلال فصل الصبغة عن الجلد والذي قد يكون له تداعيات خطيرة جدا.

 

ولمقاومة هذه العلاجات يقول الدكتور سوجاتا شانداربا أخصائي الأمراض الجلدية في بنغالورو، “هناك إلحاح كبير من قبل النساء والرجال في الهند من أجل الوصول إلى الجمال الذي بلغته قدواتهم الفنية، ويريدون بلوغ المستوى نفسه مهما كلفهم ذلك، وهنا يكمن الفهم السيئ”.

 

وقد قال شاندرابا إن مرضاه يطلبون منه منحهم بشرة تشبه معجبيهم من نجوم بوليوود “إن كان هاجسهم الحصول على لون بشرة رائع، أخبرهم أنهم يبحثون عن شيء لا يحتاجونه. وإن حدثتهم كثيرا أشعر وكأني أصبحت عنصريا”.

 

في المقابل، تنفق شاناه مينديولا 3.200 روبية (40 جنيه إسترليني) في الشهر على كريمات تفتيح الجلد، وهو مبلغ كبير مقارنة بمستوى الدخل العادي في الهند، ولكن مينديولا تتقاضى راتبا عاليا بفضل عملها مع شركة متعددة الجنسيات. وقالت هذه الفتاة، من أصول فليبينية، وتعمل الآن في بنغالورو، إنها تستخدم منذ خمس سنوات تلك الحبوب من أجل تفتيح البشرة ومن أجل خصائصها المضادة للأكسدة.

 

وقد قالت لي عبر مراسلة بريدية إلكترونية، “أحب الذهاب إلى الشاطئ، ولكن أشعر بعدها أني أصبحت أكثر قتامة بعد العطلة. لذا أفضل شراء كريمات تحتوي على مبيضات للبشرة، مثل غسول الوجه ومرطبات البشرة، وهي مواد تكون في أشد الحاجة لها إن كنت أشقرا”.

 

وتصف مينديولا نفسها على أنها مثل مورينا، ليست بالشقراء ولا القاتمة، وقالت إن لون بشرتها يعود بسرعة إلى طبيعته عندما تستخدم الحبوب: “يمنحني امتلاك بشرة متناغمة وصحية ومتوهجة الثقة في النفس عندما ألقى أناسا آخرين في العمل. لما لا؟ ألسنا جميعا نرغب في أن نكون في أبهى حلة”.

 

وتحتوي الحبوب التي تتناولها على غلوتاثيون، المضاد الطبيعي للأكسدة وينتجه الكبد من أجل حماية الجلد من الأشعة فوق البنفسجية والجذور الحرة، التي تساهم في إتلاف الجلد وفي الاصطباغ. وفي هذا الصدد، قال الطبيب سوجاتا شانداربا “عندما يتوقف المريض عن استخدام الكريمات، يتفاعل الجلد سلبا من خلال بروز الطفح الجلدي، فتتكرر دورة الحاجة الملحة للكريمات من جديد”. أما العلاج المباشر فيكون عبر حقن غلوتاثيون، بهدف مقاومة الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي، مثل الغثيان وفقدان الشعر وصعوبة التنفس، ولكن تنامي شعبيته في تفتيح البشرة قد تسبب في جعله قبلة المهتمين.

 

ولكن، في سنة 2011، حذرت إدارة التغذية والأدوية الفليبينية من “الاستخدام المفرط والسيئ للغلوتاثيون المادة التي تحقن عبر الأوردة”، مسلطة الضوء على التأثيرات السلبية مثل الطفح الجلدي ومرض الغدة الدرقية والاختلال الوظيفي للكلى، وحتى متلازمة ستيفن أند جونسن، التي يتقشر فيها الجلد من الجسم كأنه أصيب بحرق.

 

في هذا السياق، حذرت إدارة التغذية والأدوية الأمريكية في سنة 2015 من الخطر المحتمل على الصحة مبينة، “أنتم تحقنون مادة غير معلومة في أجسامكم، لا تعلمون ما تحتويه أو مما صنعت”. رغم ذلك، هناك طلب متنامي من قبل الزبائن، فمنديولا مثلا حقنت نفسها مرتين بمادة الغلوتاثيون، إلا أنها تعتمد في الأساس على الحبوب.

 

خلافا ذلك، رفضت الدكتورة موكتا ساتشداف، الأخصائية في الأمراض الجلدية والتجميل في بنغالورو، حقن هذه المادة لمرضاها، على الرغم من كثرة إلحاحها عليها، قائلة “أمارس مهنتي وفق المعمول به في علاجات الأمراض الجلدية، خاصة أنه لا توجد الكثير من الدراسات التي تدعم حقن الغلوتاثيون”، غير أن شبكة الإنترنت بها الكثير من مقاطع الفيديو التي تشرح كيف يمكن أن تحقن نفسك بتلك المادة.

 

وفي شأن ذي صلة، قالت الدكتورة ساتشداف “من وجهة نظر طبية لا يمكن تفتيح البشرة بعلاج واحد طول العمر”. في الحقيقة، يبحث العديد من مرضاها الآن عن حلول لإشكاليات علاجات تفتيح البشرة، خاصة بعد استخدامهم لكريمات تنشيط الجلد.

 

بينما أثبتت منظمة إعداد المستحضرات الصيدلانية بالهند وجود 18 نوعا مختلفا من كورتيكوستيرويدات بحسب موضع العلاج الجلدي، وتتراوح في مجملها بين المعتدل والقوي جدا، ولا تتجاوز تكلفة الواحد منها 1.5 جنيه إسترليني للأنبوب الواحد، كما أن غالبية الصيدليات في البلاد توزعها حتى من دون وصفة الطبيب.

 

وقد قال الدكتور شيمانتا باروا أن الناس يستخدمونها بشكل عشوائي من أجل معالجة البثور أو من أجل جعل الجلد أكثر بياضا، ولكن الكريمات المنشطة تتخلص من الطبقة الوقائية الخارجية، فتتعرض لأشعة الشمس فوق البنفسجية والتلوث البيئي مثل الضباب الدخاني ودخان السجائر. والأكثر خطورة أنها قد تسبب الإدمان”.

 

وقال الطبيب أيضا، “عندما يتوقف المريض عن استخدام تلك الكريمات، يتفاعل الجلد مباشرة ويضطرب فينتج الطفح الجلدي. فيعود المريض مرة أخرى لاستخدامها من جديد، وتتكرر الحلقة المفرغة، ويصبح المريض من المدمنين على الكريمات”، لذا يعتقد أنه على مستخدمي الكريمات استشارة المختصين إن أصابهم الإدمان لعلاجات التجميل أو الكحول.

 

وأسوأ ما في الأمر أن تلك الوصفة الطبية، التي تمزج غالبا بين المنشطات والمضادات الحيوية والفطرية، تمنح الجلد مناعة ضد العلاجات الطبيعية. وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة راجتا داميسيتي، أخصائية علاج الأمراض الجلدية التجميلية في حيدر أباد، في حديثها عن الخليط الذي يحتوي على الكلوبيتاسول، أكثر المنشطات شهرة ويستخدم في حالات التهاب الجلد مثل الإكزيما، ممزوجا بمادتين مضادتين حيويتين وفطريتين: “لا توجد مثل هذه الخلطات المجنونة إلا في الهند”، مؤكدة أن النتيجة حتما كارثية.

 

وفي سياق متصل، أفادت أخصائية الأمراض الجلدية، “كان بين 70 و90 بالمائة من هؤلاء المصابين بالتلوث الفطري يشفون بمجرد تناول علاج التنشيط الموضعي، ثم سرعان ما تبدو عليهم بوادر العلاج خلال أسبوعين. ولكن، الآن علينا أن نقدم جرعة تساوي أربعة أضعاف جرعات الماضي لمدة لا تقل عن 8 أسابيع إلى 12 أسبوعا. وهذا أمر شائع في كل البلاد”.

 

تغيير المواقف

لا تقف حملات معارضة الانحياز العالمي للبشرة البيضاء حجر عثرة ضد استخدام العلاجات الطبية السيئة وسلوكيات المستهلك فقط، ولكنها تحارب أيضا العقلية القديمة للألفية الماضية حول تمييز ذوي البشرة البيضاء. وتشعر مؤسسة منظمة “نساء الاستحقاق” بالتفاؤل وتؤمن بأن الأفراد قد بدأوا يدركون هذه الإشكالية أكثر من قبل، وتأمل أن يرى الجيل القادم هذه الأشياء بشكل مختلف في الهند وحول العالم.

 

وفي سنة 2016، بدأت مجموعة من ثلاثة طلبة من جامعة تكساس بأوستن حملة على الإنستغرام تدعى “غير أشقر ومحبوب – أنفير أند لافلي”، في تعديل واضح لاسم أشهر كريم هندي. كما حثت هذه الحملة أصحاب البشرة السمراء على نشر صورهم تحت هاشتاغ “غير أشقر ومحبوب”.

 

وفي سنة 2013، أطلقت شابة باكستانية تدعى فطيمة لوذي أول حملة مناهضة “للتلون” شعارها “القاتم مقدس”. وتحدثت فيها عن الأفكار المسبقة التي واجهتها عندما كانت صغيرة، فقالت: “لم أحصل أبدا على فرصة لعب دور الجنية في المسرحيات المدرسية، لأن الجنيات من المفترض أن يكن من ذوي البشرة الشقراء”، وهي الآن تعقد جلسات في المدارس لتنشر بين الطلبة الوعي بالتمييز العنصري المقترن بلون البشرة.

 

وقد بدأت المواقف تتغير بين النساء مع اكتسابهن الثقة اللازمة من خلال الاستقلال الدراسي والمهني والمادي. وقد تحدثت إيمانويل كثيرا خلال جلسة “السمار جميل” أمام فتيات من المدرسة الوسطى في مدينة شيناي جنوب الهند. فتقدمت إليها فتاة “قاتمة اللون وجميلة ولكنها تعاني من أزمة عميقة حول تقدير الذات”، وكانت تبكي لأنها في ذلك الصباح قد تعرضت للسخرية من قبل أخيها بسبب لون بشرتها.

 

فكانت علامات الدهشة واضحة على وجه إيمانويل، عندما وقفت فتاة أخرى بيضاء البشرة، وقالت إنها كانت تؤمن أن السواد بشع حتى تلك اللحظة، ثم اعتذرت عن مشاعرها تلك ووعدت زميلاتها في القسم بأن تعاملهن بالحسنى. فبدأ الحضور بالتصفيق لها، كما ذكرت إيمانويل: “كانت تلك حركة رائعة من طفلة صغيرة. لقد كان وراء هذا الكلام الجميل قلب كبير”.

 

تقرير مترجم من الانجليزية مجلة ميم
الرابط: https://www.theguardian.com/inequality/2017/sep/04/dark-is-beautiful-battle-to-end-worlds-obsession-with-lighter-skin?CMP=Share_iOSApp_Other

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد