مجتمع

الموريتانيات والتسمين القسري

مجتمع

 

مجلة ميم- يامنة القابسي

إذا كان هاجس النساء في العالم الجسم النحيف، فإن النساء في موريتانيا يخضعن الى سلطة التسمين خوفا من العنوسة، حيث تسعى النساء الى البدانة والجسم الممتلئ عبر اتباع نظام غذائي قاس يعرف محليا ب “التبلاح” وهو اصطلاح يعني تسمين الفتاة لتظهر بجسد لائق تكون به محل احترام داخل مجتمعها.

 

وتعد الفتاة النحيفة في موريتانيا رمزا للفقر والحرمان والسقم، لذلك يسعى الشباب الى الزواج من فتاة ممتلئة مكتنزة توحي بالثراء والرفاه وسعة ذات اليد.

 

تتلخص ظاهرة التسمين القسري للفتيات في موريتانيا في إعطاء البنت قبل إكمال عقدها الأول كميات كبيرة من حليب الأبقار والضأن والدهون والنشويات ولحم الجدي تحت الإكراه البدني والضغط النفسي للإسراع بعملية التسمين.

 

معسكرات التسمين 

يعود ارتباط الجمال بالسمنة إلى البيئة والعادات السائدة سابقا حيث تقضي التقاليد القبلية في البلاد بألا تتزوج المرأة إلا إذا اكتمل جسمها وبرزت أعضاؤه ومفاتنه. والبيت الذي تقطن فيه الفتاة النحيلة لا يعد بيت عز وخير، لأنه لم يوفر للفتاة ما تحتاجه، لذلك فإن عيوب الأسرة تبقى مكشوفة للآخرين، ما دامت بناتها نحيفات.

 

تشرف “المسمنة” على كل مواعيد الأكل باتباع نظام غذائي خاص يبدأ بإيقاظ الفتاة عند الفجر لتشرب حليب الإبل وتتناول الوجبات الدسمة مثل لحم الإبل المشوي والكسكس المجفف وبعض الوجبات المحلية كالعيش والنشأ مع السعي لتجنب الشمس واشعتها اللافحة لابقائها فاتحة قدر الامكان.

 

وتعد المشرفة شرابا من الأعشاب يساعد على تنظيف الأمعاء وتوسيع الجهاز الهضمي ليستطيع احتواء المزيد من الأطعمة، وهذا البرنامج يمتد إلى 40 يوما أو شهرين، وتكتسب الفتاة من خلاله الوزن الذي ترغب به والذي تعول عليه أسرتها وتعلق عليه آمالا كبيرة.

 

كما تعمد المسمنة إلى استعمال جميع الوسائل لجعل الفتاة تأكل ما يتوجب عليها من ترغيب ووعيد، وتضرب بعيدان رقيقة في مناطق معينة كالساقين والساعدين والردفين، وذلك بغية انفصال الجلد عن العظام وتوسيع الفراغ بينهما.

 

38 % من البنات تم تسمينهن قسرا

وفقا لدراسة أعدتها الباحثة الموريتانية سكينة اصنيب فإن 38 % من البنات تم تسمينهن قسرا في مدة تراوحت بين 12 و24 شهرا. وأن السواد الأعظم من النساء الموريتانيات خضعن بشكل أو بآخر للتسمين القسري.

 

وتضيف الدراسة أن التقاليد القبلية في موريتانيا لا تزال تقضي بألا تتزوج المرأة إلا إذا كانت بدينة، وتلجأ بعض العائلات إلى إرسال بناتها إلى “معسكرات التسمين القسري” منذ ربيع عمرهن، حيث تنتشر ببوادي البلاد تجمعات لقرويين تمتهن نساؤهم مهنة التسمين.

 

وتؤكد دراسة الباحثة سكينة اصنيب أن النحيفات اللاتي يتم إهمالهن نادرا ما يحصلن على زوج مناسب، ويلجأن لكل الحيل التي يمكن أن تحقق حلمهن.

 

وعرف “التبلاح” طرقا جديدة تتمثل في استعمال أدوية فاتحة للشهية بشكل عشوائي ومبالغ فيه أحيانا وتناول وصفات لا تخلو من مضرة، كل هذا من أجل ربح الوقت والحصول على نتائج سريعة دون مشقة وبدون الاضطرار إلى تحمل الصعوبات التي تتخلل عملية التسمين.

 

تأثيرات صحية ونفسية

تحت اشراف سيدات طاعنات في السن، تتعرض الفتيات الى الإكراه تارة والإهانة تارة أخرى وحتى الضرب بآلة خشبية يطلق عليها اسم “أزيار” صنعت خصيصا لهذه الحالة. عمليات التسمين هذه تلجؤ اليها حتى المتزوجات خوفا من أن يتخلى عنهن الزوج ويستبدلهن بأخرى سمينة تستجيب لتطلعاته.

 

وتمنع المرأة خلال هذه الفترة الفتاة من الشعور بالجوع وتخضعها لأوامر صارمة، كما تجبرها أحيانا على تتناول حبوب تسمين تجعل من جسمها منتفخا.

 

التسمين والزواج المبكر

معسكرات التسمين تعد من أسباب انتشار الزواج المبكر، ترسل اليها البنات منذ سن مبكرة لا تتجتوز الثامنة احيانا فتستدير اجسامهن بشكل غير طبيعي وتنمو لتكتسي مظهرا من النضج المفتعل وتغدو أقرب الى أجسام النساء منها الى الأطفال.

 

 

وقد أشارت نتائج مسح ديمغرافي حول الأوضاع الصحية للسكان في موريتانيا أجراها المكتب الوطني للإحصاء بتمويل من منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة، إلى الآثار السلبية المترتبة على ظاهرة التسمين القسري للبنات، وخلص الى أن أن واحدة من كل خمس بنات خضعت لعملية تسمين قسري أو بصدد التسمين حاليا.

 

 

كما تنطوي الأساليب الجديدة التي عرفها برنامج ”التبلاح” والمتمثلة في استعمال الأدوية الطبية والأعشاب الشعبية، إضافة الى الغذاء الدسم والأكل الكثير، على مخاطر كبيرة تهدد صحة الفتيات، يكون الأطفال بفعلها عرضة لأمراض الجهاز التنفسي، ومرض السكر، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة الكوليسترول وأمراض القلب.

 

عادة التسمين القسري  قد تبدو طريفة للبعض من خارج موريتانيا، ولكنها في الحقيقة لا تخلو من التعسف والتسلط على الفتيات وأجسامهن، تماما كما تفرص الثقافة الغربية ومعاييرها الشغوفة بالنحافة على النساء انقاص أوزانهن لاكتساب جسد رشيق مهما كان الثمن. الضغط على المرأة للتسمين والتنحيف شكلان من الاستعباد لجسمها والتحكم فيه، كما لو كان ملكا للمجتمع والأسرة والرجل خاضعا لمعاييره وذوقه ورغبته وشهوته وليس ملكا لها هي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق