ثقافة

الفنّانة معلومة بنت الميداح مهدّدة بالسجن

فساد مالي أم اضطهاد سياسي؟

مجلّة ميم – مهدي الغانمي

 

لقد صدقت نبوءة أبيها الفنّان الموريتاني مختار ولد الميداح عندما قال لابنته الفنّانة المعلومة بنت الميداح: “لقد صَنَعتِ شيئًا جديدًا لامس روحي. لكن يؤسفني أنّي لن أعيش طويلًا لأحميكِ”.

وذلك على خلفيّة خضوع هذه الفنّانة للمراقبة القضائيّة الآن، بعد اتّهامها من طرف السلطات بتلقّي رشاوي من طرف رجل الأعمال المعارض محمد ولد بوعماتو، فى إطار التحقيقات الّتي تقوم بها السلطات القضائيّة في ما يُعرف بملفّ عضو مجلس الشيوخ محمد ولد غده.

وهي مهدّدة بالإيداع في سجن السبخة في النساء، لاحتمال قبول الاستئناف شكلًا ومضمونًا، في الجلسة المزمع عقدها يوم الاثنين القادم وبالتالي.

 

تنوع الروافد الموسيقية

وُلدت معلومة بنت الميداح في منطقة المذرذرة جنوب غرب موريتانيا، يوم 1 أكتوبر 1960. وقد ورثت فنّ الغناء عن أسرتها، فقد كان أبوها مختار ولد الميداح فنّانًا وعازفًا مشهورًا، فيما كان جدّها كاتبًا موهوبًا وعازفًا بارعًا على  آلة تيدينيت (Xalam). أمّا أمّها فهي الّتي علّمتها العزف على  آلة “آردين”.

 

كتبت معلومة أغنيتها الأولى “حبيبي حبّيتو”، وهي لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها. وعارضت فيها عادة الرجل في موطنها، المتمثّلة في طرد زوجته، للزواج من أخرى تصغرها سنّا. انتشرت الأغنية واشتهرت معلومة على إثرها فورًا، لكنّها لاقت ردّ فعلٍ عنيف في وسطها القرويّ وصل حدّ الاعتداء. فانتقلت مع عائلتها للعاصمة نواكشوط، بعد كتابتها للأغنية بفترة قصيرة، كي تنطلق في نحت مسيرتها الفنّية. لكنّ ضغوط العادات والتقاليد المجتمعيّة، أجبرت معلومة على الزواج. ولذلك انقطعت عن الغناء حتّى نهاية ثمانينيّات القرن العشرين.

 

لكنّها طُلّقت من زوجها الأوّل الّذي أُكرهت على الزواج منه، ومن زوجها الثاني ابن أحد العائلات النبيلة الّذي لم يسمح لها بالغناء. ونتيجة لرسالتها التحرّريّة وحبّها للفنّ، اُتّهمت معلومة بعد ذلك بالإساءة لسمعة والدها، لنقدها الصارخ للعادات والتقاليد في أغانيها.

 

وما يميّز شخصيّة معلومة بنت الميداح أنّها تشبّعت بالموسيقى الصحراويّة والإيقاعات الإفريقيّة بالتوازي مع الموسيقى العربيّة الأصيلة والموسيقى السنفونيّة الأوروبيّة. وفي مرحلة متقدّمة، انتبهت إلى موسيقى البلوز والجاز والصول، فكانت موسيقاها صحراويّة في جوهرها، تتداخل مع مقامات الموسيقى العربيّة أو الغربيّة، وتمتزج بالإيقاعات الإفريقيّة المتنوّعة.

 

 

 

 

وبعد هذه المسيرة الطويلة المتمثّلة في إبداع عشرات الأغنيات كتابة وتلحينًا وتصوّرًا، وعشرات المهرجانات الّتي أحيتها في العالم العربي والغربي، منذ مهرجان قرطاج 1988، نجد المعلومة بنت الميداح مهدّدة بالسجن اليوم عوض مكافأتها عن كلّ الّذي قدّمته طيلة مسيرتها الفنيّة.

 

اتّهام بالفساد أم اضطهاد سياسي؟

ونقلًا عن صحيفة الشروق الموريتانيّة، أحالت النيابة العامّة المتّهمينَ، في مرحلة أولى، إلى قاضي التحقيق بقطب الجرائم الاقتصاديّة والماليّة، وطلبت منه إصدار مذكّرات اعتقال في حقّهم، وهؤلاء المتّهمين هم رجل الأعمال محمد ولد بو عماتو، ومدير أعماله محمد ولد الدباغ، و11 عضوا من  أعضاء مجلس الشيوخ الموريتاني من بينهم الفنّانة المعلومة بنت الميداح في السجن.

 

لكنّ قاضي التحقيق في قطب الجرائم الاقتصاديّة والماليّة بولاية نواكشوط الغربيّة، رفض طلب النيابة بإيداع الفنّانة المعلومة بنت الميداح السجن، فيما وافق على طلبها بإحالة زميليها في مجلس الشيوخ محمد ولد غده والعسكري السابق محمد ولد محمد امبارك إلى السجن.

 

وفي مرحلة ثانية، تشبّث وكيل الجمهوريّة بمحكمة ولاية نواكشوط الغربيّة، ورئيس قطب النيابة المكلّف بمحاربة الفساد استئناف قرار قطب التحقيق القاضي بالامتناع عن سجن المعلومة بنت الميداح، وإحالته إلى غرفة الاتّهام بمحكمة استئناف نواكشوط من أجل إلغائه وإصدار أمر بالإيداع في السجن في حقّ الفنّانة الموريتانيّة الشهيرة.

 

هذا ما يُثير بعض الشكوك والتحفّظات لأنّ القضيّة ذات طابع سياسي، فمن المحتمل أن يكون إصرار النيابة العامّة على إيداع المعلومة في السجن عقابًا سياسيًّا لعلاقتها برجل الأعمال المعارض، خاصّة بعد امتناع قاضي التحقيق عن سجنها بعد إخضاعها للاستجواب طيلة أيّام العيد.

 

وقد أهدى رجل الأعمال الموريتاني المعارض، والمتّهم في نفس القضيّة، محمد ولد بو عماتو فيلا في منطقة “تفرغ زينه” لمعلومة بنت الميداح، بمجرّد علمه باستدعائها من طرف القضاء في عيد الإضحى، مؤكّدا أنّ ذلك “لا يليق بابنة المختار ولد الميداح”، على حدّ قوله.

 

وربّما هي إشارة منه إلى أنّ العلاقة بينه وبين معلومة ليست علاقة رشوة مُتستّر عنها، بل هي علاقة إنسانيّة علنيّة، وإنّ هديّته هذه يمكن أن تصنّف رشوة هي الأخرى؟ وهو ما يوحي بسخريّته من تلفيق نظام الحكم للتهم الواهية في محاربة الخصوم السياسيّين، وربّما يقصد به أيضًا أنّ معلومة بنت الميداح فنّانة كبيرة بنت فنّان كبير، وهي أكبر من أن تكون مجرّد سياسيّة مرتشية، هي الّتي نحتت في ذاكرتنا الجماعيّة أغانٍ تتغنّى بالإنسان وحقوق المرأة مثل “حبيبي حبّيتو”.

 

 

 

 

تشهد موريطانيا منذ عشريّتين عدّة مشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة عميقة كالأميّة والفقر وانتشار العبوديّة، إضافة إلى غياب البنية التحتيّة، وكلها حواجز في طريق حاجزًا التنمية.

وعلى صعيد آخر، تعاني من كثرة الانقلابات العسكريّة، وهو ما أدّى إلى تدهور الوضع السياسي، وضعف المنظومة القانونيّة، والاستبداد المتمثّل في المحاكمات الصوريّة لمعارضين سياسيّين وناشطين حقوقيّين وصحفيّين لعلّ أبرزهم المدوّن محمّد الشيخ ولد امخيطير المحكوم عليه بالإعدام بتهمة الردّة، في انتظار نتيجة الطعن المقدّم للمحكمة.

 

كلّ هذا يدعونا للشكّ في صحّة الاتّهامات الموجّهة للفنّانة الكبيرة المعلومة بنت الميداح، ويدعونا للمطالبة بمعاملتها بعدل وإنصاف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد