دين وحياة

دوران مع الروح: الرقص و العبادة

هو لا يرقص بل دمه فقط يهتز من الشوق و حمامة في صدره تطير بالجسد نحو الخالق، يطوف حول نفسه كطوفان الكواكب في المجرات لينصهر مع الروح و الكون، إنه الراقص الصوفي ذلك المتأمل المنعزل عن العالم، الخاشع الساكن..

عندما تشاهد راقصا صوفيا لن يسعك إلا أن تبتسم ملء شفتيك و تنسجم معه في رؤياه للكون و مهما كانت محاولتك لفهم هذا النمط من التعبير الجسماني في العبادة فإنك لن تستطيع خدش سطح الجليد مادمت لا تنتمي إلى عالم التصوف المليء بالأسرار وما أكثر كلمة الأسرار إغراءا و غموضا.

ربما لهذا السبب  يساء فهم راقصي التصوف، فالكثيرون يرون أن الرقص لا يمت للعبادة بصلة.. و لكن مع جولة في تاريخ الأديان و الرقص يتبين لنا عكس ذلك..

الإنسان القديم  و طقوس العبادة 

حاجة الإنسان إلى الدين و الروحانيات ضرورية لتحقيق التوازن بين الجسد و الروح، فهو مجبول على التوق للارتقاء  بالروح و تزكيتها و التزهد عن الغرائز الجسدية.   فإذا مابحثنا في تاريخ الأديان القديمة، وجدنا أن الإنسان طالما بحث عن الخالق  و طلبه في حياته ليبعد عنه الشر و يقدم له الخير ويمنحه الطمأنينة،  ويسعى ليتقرب منه بعدة طرق، منها الاحتفالات التي اتسم بعضها بالرقص و الحركات الجسدية.

كان الرقص في التاريخ البعيد مقترنا بالعقائد البدائية والمعتقدات والطقوس الوثنية، لشعوب مختلفة كالهنود الحمر والمصريين القدامى، فتجد رقصات مخصصة لشكر الآلهة واُخرى لطرد الأرواح الشريرة والرقص الجنائزي الذي تقوم به الراقصات أمام مائدة القرابين، أو في الطريق إلى المقبرة، لتسلية روح المتوفي.

هناك أيضا الرقصات التي تعبر عن حاجات ومتطلبات حياتية وإنسانية، كالتي مارسها سكان أفريقيا مثلاً ولا يزالون، كرقصات جلب المطر وطلب المساعدة في الحفاظ على المنطقة أو القبيلة من شر يحدق بها. وتقدم رقصة “الدحة” المشهورة في شمال الجزيرة العربية نموذجا لذلك، فهي تعود لتاريخ طويل مرتبط بحياة البادية والصحراء وكانت من أهم رقصات الحرب التي تهدف الى بث الرعب في قلوب الأعداء بإطلاق أصوات مدوية مستوحاة من الطبيعة تذكرك بزئير الأسود وهدير الجمال وعواء الذئاب

الرقص و التصوف

هناك عدة أنواع من الرقص الصوفي و لكن من أكثرها انتشارا عند العرب و المسلمين الرقصة المولوية والتي تسمى أحياناً رقص السماع. وتتم بالدوران حول النفس والتأمل الذي يستغرق فيه “الدراويش” بهدف الوصول إلى مرحلة الكمال. وجل ممارسي هذه الطقوس من أتباع الطريقة المولوية، التي تسعى إلى كبح شهوات النفس ورغباتها عبر منجاة الله والتفكر في الخالق والدوران حول النفس المستوحى من دوران الكواكب حول الشمس.

مؤسس الطريقة هو محمد جلال الدين بن حسين بهاء الدين البلخى القونوى، الذي أسس  دعوته بهدف الحفاظ على الإسلام في النفوس، وحث المسلمين على التماسك والحفاظ على وحدتهم.  وقد تتلمذ على يد العارف العالم شمس الدين التبريزى الذي درب الرومي على أصول التوحيد مع الاحتفاظ بالثقافة الشرعي وحول مساره من “علم القال إلى علم الحال” والخلوة والذكر.

وانتشرت المولوية أيام الدولة العثمانية عندما تصاهر الحكام العثمانيون مع المولويين لما تزوج السلطان بايزيد من دولة حاتوم، حفيدة سلطان ولد ابن جلال الدين، وأنجبت محمد شلبي الذي تبوأ السلطنة بعد أبيه، وأقام للطريقة وقفا لدعم أعمالها، وكذلك  فعل من أعقبه من السلاطين.

الرقص الدائري

اليد اليمنى منبسطة نحو السماء لجلب الطاقة الإيجابية و اليسرى منخفضة إلى  الأرض، العينان مغمضتان و القلب خاشع. بعد تلاوة الذكر و القرآن و مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ينهض الدراويش ويبدؤون بالدوران بطريقة فنية خاصة. ينزعون عنهم العباءات فتظهر ألبستهم البيضاء الفضفاضة التي تشبه النواقيس، وتكون في بعض البلدان ملونة أيضا. ثم يشرعون في الدوران على ايقاعات الإنشاد الديني، ويكون الدوران سريعاً فتنفرد ألبستهم الفضفاضة وتاخذ شكل الناقوس. ويضع الدراويش على رؤوسهم اللبادة أو القلبق ويحركون أيديهم بطرق لها معان صوفية ويشكلون لفظ الجلالة (الله)، كما يشترط أثناء الدوران ألا تتلامس أرديتهم الواسعة الأطراف.

 

من دون الحب.. كُل المُوسيقى ضجيج.. كل الرقص جنون.. كل العبادات عبء. – جلال الدين الرومي

الإنشاد المرافق للرقص فيه ذكر لرسول الله 

أما الإنشاد المرافق للمولوية فيبدأ بنشيد (يا امام الرسل ياسندي/أنت باب الله معتمدي/وبدنيايا وآخرتي/يا امام الرسل خذ بيدي). ثم يردد المنشدون عبارة (مدد مدد يارسول الله/مدد مدد ياحبيب الله..) وتتزايد سرعة الراقصين في الدوران بشكل مذهل حتى تصل إلى قمتها مع ترديد المنشدين لعبارة (يارسول الله مدد/ياحبيب الله مدد) وتتخللها من رئيس الزاوية عبارة (حي) وتختم وصلة الدوران بعبارة (الله الله..الله الله..الله الله يا الله)‏‏ التي تتردد مرات عديدة قبل أن تختم وصلة الدوران.

أين تمارس هذا الرقصات؟

تركيا

بدأت المولوية بعهد السلجوقيين في قونيا. وانطلاقتها من هناك اثرت في الفن والتدين التركيين، ومنها انتشرت في أماكن أخرى من العالم الإسلامي.

وقد اعتمدت الموسيقى التركية الصوفية الكثير من أشعار وقصائد كتابي “مثنوي” و”ديوان الكبير” للرومي. ويقول ناصر عبد الباقي ده ده بأن الفضل في الموسيقى الصوفية التركية القديمة يرجع للمولوية، وإن أغلب مشاهير الموسيقى التركية كانوا مريدين في زوايا المولوية. ومنهم مصطفى أفندي، ومحمد زكائي، ونيزن صالح، وحسين فخر الدين، وأحمد عوني كونوك.

ومن المشاهير في فن الموسيقى الدينية الصوفية درويش عمر أفندي الذي عاش في القرن السادس عشر وتعرف على سلاطين مثل سليم الثاني وسليمان القانوني، وهو الذي اشتهر بالغناء عبر نوعين من الموسيقى الصوفية هما “بَشرو” (Peşrev)، وهو عبارة عن المقطع الموسيقي المكون من أربعة أجزاء والذي يأتي بعد المقدمة الموسيقية في موسيقى الشرق، و”أوج” (Evc) وهو عبارة عن مقام موسيقي مُركب.

سوريا

انتقلت المولوية إلى بلاد الشام مع العثمانيين، وكان أهل الشام يلفظون اسهم كـ”مِلَوِيين”. اشتهرت المولوبة في مدينة حلب وكان لها جوامع وزوايا، منها جامع المولوية في باب الفرج بحلب، وجامع المولوية بدمشق في أول شارع النصر مقابل محطة الحجاز، والجامعان لا يزالان موجودين الى اليوم.

مصر

كان يدعى اتباع المولويين في مصر الدراويش أوالجلاليين، نسبة إلى جلال الدين الرومي. كما عرفوا بدراويش البكتاشية نسبة لاصلهم  التركي. وكان مكان تجمع المولويين يسمى التكية المولوية أو تكية الدراويش أو السمعخانة (أي مكان الإنصات).

وتعد التكية المولوية بالقاهرة أول مسرح بمصر والشرق وربما بالعالم كله، إذ ترجع عروض فرقة الدراويش المولوية إلى العصر العثماني ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي- العاشر الهجري- وترجع المباني الأثرية بمبنى التكية إلى عام 1315م[7]. وكان الهدف الأول للتكية إيواء وإطعام الدراويش المنقطعين للعبادة والفقراء من العامة. وتتألف «التكية» من عدة أجنحة، منها المسجد والأضرحة والمدرسة المخصصة لتعليم الأولاد القرآن والخط.

العبادة و الجسد

يستخدم الجسد في عديد العبادات الاسلامية للتقرب من الخالق، ومنها الصلاة أين يكون الجسد منغمسا في عبادة الخالق كالروح تماما. و يقول ابن سينا:

“لقد هبطت النفس إلى هذا العالم وسكنت الجسد فلابد ان تحن وتضطرب وتخلع عنها سلطان البدن وتنسلخ عن الدنيا لتصعد إلى العالم الأعلى وتعرج إلى المحل الارفع”

وإذا ما نظرنا فى العلاقة التى تربط الإنسان بالرقص وجدنا أنها لم يأت من فراغ، فالإنسان العادى يتعامل مع الرقص باعتباره فطريا يعبر من خلاله عن حالات الحزن والفرح والانتشاء وغيرها الكثير من المشاعربشكل تلقائي عفوي. وقد يعجز الإنسان عن التعبير بالكلمات وتعوزه الألفاظ ليصف ما يختلج بداخله، فيلجأ لحركات تجسد ما يجيش بصده.

ربما رد بعض المؤاخذين بأن الرغبات الجنسية وفورات الغضب أيضا من فطرة الانسان، وهذا صحيح، لكن الله تعالى أمرنا بتأطير هذه الفطرة التي جُبلنا عليها وتوجيهها بالموجهات والقيم والضوابط التي جاءت بها الرسالات السماوية.   ان الموسيقى التي تتناهى لأسماعنا  في أرجاء الكون، من زقزقة العصافير أو وقع قطرات المطر، تحدث في النفس وقعا بهيا ترن لها الروح و يتمايل معه الجسد وهذا الرقص المصحوب بالحب الإلاهي يعلي من نقاء الانسان وقربه من الخالق.  ومن أجمل ما قيل في الرقص الصوفي نجد هذه القولة لجلال الدين الرومي

الرقص ليس قفزاً في الهواء .. !
ولا رفع الألم في الهواء كالغبار 
الرقص هو الارتفاع عن العالمين ..
الرقص هو الدم لألمك ..
الرقص هو التخلي عن حياتك ..

رحاب الخترشي

الوسوم

اترك رد