مجتمعمدونات

المرأة عدوة المرأة ؟

مجتمع

مجلة ميم- رحاب الخترشي

 

“كلما قام في البلاد خطيب موقظ شعبه يريد صلاحه

  أخمدوا صوته الإلهي بالعسف أماتو صداحه و نواحه “

أبو القاسم الشابي 

 

يمكن أن تصف هذه الأبيات حالة الإحباط و اليأس الشديدن التي أصبيت بها طالبات برنامج دراسات المرأة (الماجستير) في الجامعة الاردنية مؤخرا بسبب نائبة في مجلس النواب تناست أن  سبب صعودها  إلى برلمان المملكة هو استخدام  “براشوت الكوتا النسائية”. أعلنت بلا تردد أن  “لا قضية للمرأة في الأردن”، مؤكدة على رفض حق المرأة في خلع زوجها، حرصا منها على صون أخلاق الامة من ممارسات الفحش والرذيلة، التي سيشجع عليها الخلع. وساندتها نائبة أخرى في البرلمان في رأيها هذا واستعملت احداهما تفسيراتهما الخاصة لما جاء في القرآن الكريم من ان الرجال قوامون على النساء.

 

نجد لنموذج هذه المرأة المستميتة في الدفاع عن الرجل نسخة في أغلب المجتمعات، لا سيما المجتمعات العربية. وقد وصفت أحدى النسويات  هذا التصرف الموالي للرجل محقا كان أو مخطئا بنوع من خيانة النساء لبنات جنسهن و سببا من أسباب تدهور حقوق النساء. فنحن لا نجد في الأغلب نموذجا مماثلا بين الرجال، مستميتا في عدم انحيازه لابناء جنسه و تبنيه لحقوق المرأة، مقارنة بما تفعله النساء ببعضهن البعض.

 

و يفسر البعض هذا بعدة أقوال كالمرأة عدوة نفسها أو المرأة عدوة المرأة، فيما يرى آخرون أنه يجب احترام آراء هؤلاء النسوة.

من مظاهر عداوة المرأة للمرأة 

من مظاهر عداوة النساء لبنات جنسهن، أيضاً، مواقف عامة تتخذها جماعات نسائية ضد قضية من قضايا النساء. لنا في ذلك في لبنان مثلٌ غير بعيد في الزمن، حين تظاهرت نساء ضد مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، وحين رفع تجمّعٌ من جمعيات نسائية مذكَّرة إلى مجلس النواب تبدو فيها المرأة المعنّفة مسؤولة عن العنف الذي تتعرض له، ومسؤولة، أيضاً، عن تداعياته على الرجل وعلى الأولاد.

 

المرأة أنثى و لكنها تريد إنجاب الذكر

عندما تتصفح المجلات النسائية، أو أثناء قيامك بجولة في الأنترنت حول مواضيع المرأة، تجد موضوعا يكثر تدواله، و غالبا ما يكون تحت هذا العنوان ” كيف تنجحين في انجاب ذكر؟”

 

نحن نعلم جمبعا ان مجمتعاتنها العربية تطمح الى انجاب ذكر بمجرد أن تعلم ان المرأة حامل، و يمكن أن يفسر هذا بحب الرجال لمن ينقل اللقب العائلي الى الجيل الموالي.

 

لكن بما يمكن أن نفسر هذا الاهتمام الشديد بانجاب الأنثى لذكر رغم أنه لن يحمل لقبها؟ اذا فكرت في الأمر مليا، ستستحضر حتما أمثلة من محيطك العائلي  المقرب أو الموسع لنساء ما ان يعلمن بحملهن حتى يتمنين سرا أو جهرا أن يكون جنس المولود ذكرا. فان علمن أن القادم أنثى مثلهن، تململن وتكدرن بعض الشيء وأسررن لأزواجهن بأسفهن على ما كتب لهن، كما لو كن مذنبات، خاصة اذا تكررت القصة وحملت بأنثى كرات متكررة..

 

ورغم اننا نصادف هذه التصرفات عند غالبية من المسلمين، لا نجد اي صدى لها في الدين فليس للدين علاقة بتشبت المرأة بانجاب الذكر، حتى أن الله منح أم مريم انثى حين دعته أن يهبها ذكرا، و لهذه القصة دلالة عميقة على عدم تفضيل الذكر على الانثى عند الله. الاشكال في الأنثى نفسها، وهذا ما يفسره البعض بعدة أسباب بسيكولجية و اجتماعية سنتطرق إليها لاحقا.

 

 أوجه هذه العداوة المخفية و الظاهرة بين النساء، هل من مقابل لها لدى الرجال؟

نجد الكثير من الامهات في الوطن العربي يبدين رفضا مطلقا لا جدال فيه إذا ما أراد أحد أبنائها الزواج من فتاة تفوقه ببضعة أعوام. ومن حيث لا تدري تساهم في تكريس هذا النوع من التفكير الذي قد تشاء الأقدار ويفشل علاقة حب بين  ابنتها و شخص يصغرها سنا..

 

بل انك تجد المطلقة التي تأبى أن تمنح موافقتها لاقتران ابنها بمطلقة مثلها..

 

أو تلك التي تحث ابنها على تعنيف زوجته وتكيل السباب للنساء الائي لا يفهمن الا لغة الضرب.. حتى اذا جاءتها ابنتها وقد عنفها زوجه، جزعت وحزنت وأقامت الدنيا ولم تقعدها..

 

الأم التي عانت من كونها أنثى في مجتمعات وثقافات أبوية تميّز ضدّ النساء، هذه الأمّ تمارس التمييز نفسه ضد ابنتها وبشراسة تفوق أحياناً شراسة أبيها، أو وليّ أمرها الذكر. بل هي تعمل على تربية ابنتها على قبول ذلك التمييز وعلى تربية أخيها على ممارسته ضدّها. تبدو المرأة- الأم في ممارساتها هذه كارهة لإبنتها ولنفسها ولكل بنات جنسها أيضا

 

مظاهر عدواة المرأة هذه مثيرة للحيرة. تتكرر بأشكال مختلفة، فترى جماعات نسائية تقف ضد قضية من قضايا المرأة، وتصر على منح صوتها للرجل في الانتخابات وتستهزىء بالنسوة المرشحات، وترفض رفضا تاما دعمهن، حتى دون الاطلاع على برامجهن، كاية فيهن.

 

و حسب الباحثة في شؤون الجندر الأستاذة “عزة شرارة بيضون

“في مجتمعنا تشعر الفئات النسائية الواقعة في مصنّفات اجتماعية أقلّوية، بأن النساء في الفئة الأكثرية- أي أولئك اللواتي تزوجن وأنجبن ولا يزلن في علاقة زواجية- يتجهن لإقصاء العازبات الدائمات والمطلّقات والأرامل، ناهيك بذوات الإعاقة والكهلات والمريضات نفسياً..

 

الفئة الثانية تشعر بأن النساء من الفئة الأولى تقصيهن عن الدوائر الاجتماعية التي يتحركن فيها. هذا الإقصاء ذو وقعٍ سلبي عليهن ويُعاش بوصفه كرهاً وعداءً لهن، يُحلْنه على الكره إياه ويفترضْنه- أي الإقصاء- من بعض تجليّاته”.

 

من مظاهر ذلك الكره أيضاَ ما يرشح من العلاقة بين الأم وابنتها. فالأم التي عانت من كونها أنثى في مجتمعات وثقافات أبوية تميّز ضدّ النساء، هذه الأمّ تمارس التمييز نفسه ضد ابنتها وبشراسة تفوق أحياناً شراسة أبيها، أو وليّ أمرها الذكر. بل هي تعمل على تربية ابنتها على قبول ذلك التمييز وعلى تربية أخيها على ممارسته ضدّها. تبدو المرأة- الأم في ممارساتها هذه كارهة لإبنتها ولنفسها ولكل بنات جنسها أيضا

 

التحليل النفسي للظاهرة

حسب المحلل النفسي سيغموند فرويد، تكمن أصول هذا العداء في كره الفتاة الصغيرة لذاتها الناقصة تحت وطأة مقارنة لاواعية تقوم بها حول اختلاف بنيتها الجسدية عن بنية الذكر، ثم تسقطه (بشكل لا إرادي) على أشباهها من الإناث في الصغر (والنساء في الكبر)، رفقاً بتلك الذات واقتصاداً في شحنة المشاعر السلبية المرافقة لكره للذات الدفين في الاوعي، حسب رأيه.

هو كره تستمر وطأته ثقيلة على مشاعر الإناث حتى في حياتهن الراشدة. لكن الكثير من النساء يبقين مسجونات نسبياً، في طفولتهن. وهي “طفولة” تستقرّ في الرشد وتكاد لا تفارقه، لأنها تلقى تعزيزاً من المنظومة الجندرية الأبوية التي تضع النساء في ذلك الموقع تسهيلاً للتحكم فيهن..

 

ماذا عن الرجال؟

لسائل أن يسأل: لم توصم النساء  بهذه المقولة رغم أن العداء بين الرجال عبر العصور أسطوري نجد صداه في الحروب القائمة منذ الازل و الاقتتالات و المعارك منذ ظهور الرجل البدائي؟

 

تجيب النسويات عن هذا السؤال بأن الرجل لم يقف أبدا أمام وجه الرجل إذا ما تعلقت الأمور بحقوقه الذكورية، و أن الرجال المدافعين عن النساء و المنحازين لهم ضد بني جنسهم قلة قليلة مقارنة بما تفعله النساء.. لا يمكن ان تلقى للنساء المستميتات في الدفاع عن الرجال مثيلا بين الذكور، فبعضهن يدن بالولاء التام للرجل ويخدمنه بكل حب و تفان و يطعن أمره، ظالما أو مظلوما..

 

من هو عدو المرأة الحقيقي؟

عدو المرأة الحقيقي هو الجهل و التنشئة الاجتماعية الخاطئة، و صديق المرأة الحقيقي هو الوعي والمعرفة.

فرغم أن مسألة عداء الأم لابنتها تستحق المراجعة، لأن الأم عادة لا تملك  إلا العمل على تهيئة ابنائها للتأقلم مع الواقع الموجود و ليس  التمرد عليه، فهي مجبولة على مراعاة مصالح ابنائها، و ليست معنية باحداث ثورات اجتماعية، إلا أن التعليم الصحيح للأبناء و العدل بين الذكور و الإناث من شأنه أن يحدث فرقا على المدى الطويل، وكما يقال، التعليم في الصغر كالنقش على الحجر..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد