مجتمع

السفر إلى آخر الدنيا: قصص رحالة مصريات

مجتمع

مجلة ميم- القاهرة- نادية محمد

بينما ينصب البعض المقصلة للفتاة التي تسافر وحدها خارج الحدود، مدَّعين أن السفر دون محرم مكروه، خفَّف مفتي مصر، شوقي علام، الفتوى إلى السماح بها “إذا توفّر الأمن”.

من القاهرة إلى آخر الدنيا: بسنت عراقي

التقطت بسنت عراقي الفتوى لتحوّل حياتها إلى مغامرة تستحق أن تروى، فانطلقت إلى إسبانيا لتتعلم لغة جديدة إلى جانب الفرنسية التي درستها بالقاهرة، وفي جنائن برشلونة، قررت أن “تلفّ العالم”. تقول لـ”ميم”: “عدت من إسبانيا محمَّلة بالذكريات والتجارب، وقررت الاطلاع على عادات وتقاليد وثقافات دول أخرى لأبدأ رحلة جديدة”.

التعامل المباشر مع بشر من جنسيات مختلفة أتاح لبسنت أن تفهم أكثر، وتفكر بوجهات نظر متعدّدة، فالسفر، وفق رأيها، “يوسّع الروح”.

واجهت بسنت صعوبات في السفر لأنها بنت فلم تستسلمْ لها، تجاهلت ما يقوله الجيران عن “قلة الأدب” في أن تبيت بعيدًا عن بيت أهلها ليلة واحدة، أهملت الكلام عن حرمة السفر دون محرم.

 

 

خلال رحلاتها، مرَّت بسنت، الملقبة في أوساط السوشيال ميديا بـ”بنت بطوطة” نسبة إلى الرحالة العربي ابن بطوطة، بإسبانيا والولايات المتحدة وأستراليا والنمسا وسويسرا وفرنسا والبرتغال وقبرص ورودس وتركيا وفنلندا والنرويج وسنغافورة ولبنان والسعودية والأردن والإمارات وألمانيا وبلجيكا والسويد والدنمارك.

28 دولة وطأتها قدما “بنت بطوطة” المصرية..

 

“السرّ في كثرة عدد الدول أنني كنت أنتقل من واحدة للتي تجاورها، فالرحلة تشمل 5 دول أحيانًا، وفي كل بلد عشت حكاية مختلفة، عرفت ناس جديدة وتعرّفت على قصصهم”.

 

بعدما تعلّمت بسنت 5 لغات من خلال التعامل مع أصحاب اللغات الأصليين، تجهّز الآن لرحلة جديدة إلى أمريكا الجنوبية.

 

يا مسافرة وحدك: إيمان الأمير

بوحيٍ من مغامرات بنت بطوطة، أقدم رحالة مصرية، انطلقت مبادرات على السوشيال ميديا لتشجيع البنات على السفر بمفردهنّ وكسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تقف أمام رغبتهنّ في اكتشاف العالم، وفي مقدمتها رابطة “الرحالة المصريون”، التي تنظم رحلات وتقيم ندوات ونوادي قراءة وتحضر مؤتمرات وورش عمل لنشر ثقافة السفر الرخيص وجلسات حكي تجارب، مع تشجيع أعضائها على تدوين رحلاتهم.

من مؤسسي الرابطة إيمان الأمير، مدوّنة الرحلات التي سافرت إلى أكثر من 200 مدينة حول العالم، وأصدرت كتاب “يا مسافر وحدك” قررت فيه أن تتصالح مع نفسها، وتسافر معها فقط.

 

 

حاولت إيمان أن تكتب أدب رحلات بلغة شبابية، وركزت في كتابها على حرمانها – في سن مبكرة – من السفر بمفردها إلى بلاد بعيدة حتى خرجت بنتيجة.

“السفر متعة حقيقية تستحق أن يخوضها كل إنسان بشكل عام، وكل فترة بشكل خاص، لتعيد ترتيب أفكارك وتتصالح مع نفسك”.

 

“يا مسافر وحدك” رحلة إلى باريس، جمعت فيه إيمان تفاصيل عن المكان والزمان والبشر في عاصمة النور، وأضافت إليه حكايات من قابلتهم في الطريق إلى فرنسا، وقالت في مقدمة الكتاب: “كثيراً ما فكرت في السفر وحدي، تملكني الخوف كلما جالت الفكرة بخاطري. خوف لم أعهده من قبل، يختال أمام عيني ثم ينزوي. تيسرت أمور السفر فجأة لتبدأ الرحلة دون أي مقدمات. أدركت أنه حان وقت خوض التجربة، أعيد اكتشاف علاقتي بنفسي، أتصالح معها، وأتعلم أن أسافر برفقتها”.

كان على إيمان أن تستثمر رحلاتها، ورغم انه سفر رخيص إلا إنه مكلف، فقدّمت ورشة كتابة بعنوان “الأماكن حواديت” علّمت المشاركين بها كيف يروون رحلاتهم، وكان أول إنتاج الورشة كتاب بعنوان “السفر والترحال”.

تروبيكال

الكتاب الثاني لإيمان كان “تروبيكال”، الذي تروي فيه تجربة سفرها إلى البرازيل وكينيا وتايلاند. ستستغرب ما الذي يجمع الدول الثلاث معًا؟.. تجيب إيمان لـ”ميم”: “كل واحدة في قارة، إلا أن الثلاثة بلاد إستوائية، كلهم تروبيكال، لكن لكل واحدة طبيعة مختلفة”.

تضع إيمان للفتيات معادلة: “تقليل المصروفات وزيادة الدخل ومتابعة رحلات الطيران الرخيصة تساوي قدرة على السفر”. ولدى إيمان، التي تعدّ أمًا روحية لبعض المسافرات تجربة في قيادة “جروب” سافر إلى جورجيا بنهاية 2016.

على صفحتها بموقع فيسبوك، اقترحت إيمان أن تخطط رحلة جماعية لمن تريد السفر، فوصل العدد إلى عشرة اخترن جورجيا لقلة تكاليف السفر إليها، وقدّمت بهن برنامجًا وحجزت التذاكر، والفيزا، وبدأت الرحلة، وانتهت بنجاح: “كنت سعيدة لمساعدة أكبر عدد من البنات في تحقيق حلم السفر”.

الرحلة التي كانت إيمان “مرشدًا سياحيًا” لها استمرّت أسبوعًا، وضمّت عشر مصريات تتراوح أعمارهنّ ما بين 18 و45 عاما في بلاد غريبة.

“هي تسافر”: منة شاهين

في نشرة حديثة، أوضحت مبادرة “نوت تريز” Not Trees “التحديات التي تقف في طريق سفر البنت المصرية”.

حدَّدت المبادرة 4 تحديات: “نظرة المجتمع وعدم موافقة الأهل المبدئية وموروثات فكرية والخوف المبني على احتمالات مجهولة”، فالسفر إلى بلاد بعيدة تحوم حوله عشرات الخرافات والأساطير صدّرتها أفلام الأكشن والمافيا والحوادث والأخبار اليومية عن الخطف، ويروّجها من لم يسافروا، ويصدّقها من يرفضون السفر، خاصة مع الفتيات، فهناك من يقول إنها “مطمع للتحرش والاغتصاب وتجارة الأعضاء”.. لكن أين الحقيقة؟

 

 

لمحو تلك الأفكار الوهمية، ظهرت مبادرة “هي تسافر” على يد الرحالة المصرية منة شاهين، التي بدأت مغامراتها في أكثر من 20 دولة حتى الآن، بحلم السفر إلى إيطاليا حين شاهدت فيلمًا في التيفزيون: “كنت أتخيّل الأماكن التي سأذهب إليها مستقبلًا ولديّ يقين بتحقيق الحلم”، وفق قولها لـ”ميم”.

 

 

بعد التخرج من كلية الصيدلة، وجدت منة الإشارة خضراء إلى أوروبا وأقنعت أهلها بالسفر وحدها بـ”الزن”، وهناك مثل شعبي مصري يقول: “الزنّ على الأذن أمر من السحر”، وبدأت التحدي الثاني: “كيف أحصل على المال اللازم؟”، فشاركت في جمعية خصّصت جميع أموالها للسفر، واستهدفت أولى رحلات منة سبع دول أوروبية.

“فرصة العمر، وقررت ألا أدعها تفلت من يدي”.. واجهت منة الانتقادات والاتهامات (“ليه تسافري لوحدك؟ ما تحوّشي فلوسك”) بهذا الرد.

طافت أوروبا “باريس، بروكسل، أمستردام، روما، فيينا، برشلونة”، وبعد نهاية جولة أوروبا، زارت خمس دول أخرى دفعة واحدة.

بعد عودة منة، أنشأت صفحة على فيسبوك ونشرت عليها صورها لتشجيع البنات على السفر، وتقديم النصائح.

مع الوقت، تحوّلت الصفحة إلى مبادرة “هي تسافر” أو She Travels وصلت إلى 200 ألف متابع، وساعدت من خلالها عددًا من البنات على السفر الرخيص بعدّة طرق.

قدّمت نصائح ومعلومات عن السفر للسياحة والدراسة بالخارج والمنح وفرص العمل، إلى جانب نقل ثقافة البلاد التي زارتها بفيديوهات ومقالات وتدوينات سريعة. محاولات منة ليست للسفر فقط، إنما لتغيير فلسفة السفر، فهو ليس “فسحة” إنما “أسلوب حياة”.

“حواديت فرفورة”: هايدي سهدي

هايدي سهدي تدوّن رحلاتها إلى آسيا وأوروبا، لتجمعها يومًا ما في كتاب بعنوان “حواديت فرفورة”. “فرفورة” بالعاميّة المصرية تعني خائفة، فقد كانت هايدي يومًا ما خائفة من السفر، رغم أنه بدأ معها في رحلة مدرسية إلى باريس، لكنها لا تعتبره مغامرة. المغامرة كانت السفر بمفردها بعد شد وجذب مع الأهل والمجتمع، وذلك حدث قبل 5 سنوات فقط حين سافرت بمفردها إلى تركيا.

لدى هايدي 218 ألف متابع على فيسبوك، زاروا معها – عبر صفحتها “أنا أسافر” – 16 دولة منها خمسة بلاد أوروبية: “أردت تغيير فكرة أن بلاد أوروبا غير آمنة بالنسبة للمحجبات وأنه يتم اضطهادهنّ، فأنا لا أحب الترهيب والتخويف من التجارب، فسافرت والتقطت صورًا بالحجاب في شوارع المدن المتهمة بالعنصرية”.

 

 

وفي أغلب تدويناتها تحاول هايدي الإجابة على سؤال.. لماذا نسافر؟.. وتخرج بإجابة مفادها أن حب السفر يسهّل أي شيء، ومشاركة متابعي الصفحة الخاصة بي، وفق قولها لـ”ميم” يجعل الأمور أجمل وأكثر متعة، ولذلك لا أندم في صرف أي مبالغ مالية على الرحلات، لأنهي في النهاية “أستثمر في نفسي”.

 

راكبة الفيل: بسمة محمود

لدى راكبة الفيل الأشهر على فيسبوك تجربة في السفر شبيهة بما تدعو إليه هايدي، فرغم عمرها الذي لا يتجاوز الواحد وعشرين عاما زارت تايلاند وماليزيا، الاثنين معًا في رحلة واحدة، ومرّت قبل أي شيء بالتجربة الأصعب للرحالة المصريات وهي “إقناع بابا وماما”.

 

تقول بسمة محمود لـ”ميم”

“مهَّدت لأهلي رغبتي في السفر بعدة رحلات داخل مصر، واعتمدت على نفسي في حجز التذاكر والإقامة بالفنادق ولم ألجأ لهم خلال أي رحلة. سوّقت لقدرتي على السفر خارج مصري بمفردي بالرحلات الداخلية، وفعلا وافقوا لكن بعد شد وجذب طويل بعدما دبّرت المبلغ المطلوب بالاعتماد على نفسي أيضًا”.

وتوضح بسمة: “نظرة أهلي لي تغيّرت حين أثبت قدرتي على التصرف”. وبدأت رحلة عمل ستتوسّع فيها خلال الفترة المقبلة، وهي تنظيم الرحلات داخل مصر بأقل تكاليف، وأصبح لها جمهور خاص لأنها “تخطط الرحلة وتنهي الإجراءات بأسعار أقل كثيرًا من شركات السياحة”. تستهدف بسمة إنشاء شركة لتخطيط رحلات السفر بعد التخرّج، وتضيف ضاحكة: “الهدف أن أسافر مجانا”.

 

“الكل غريب وقريب”: شرين عادل

لخبرة أطول، وتجارب أكثر، كان السفر بالنسبة إلى شيرين عادل أسهل من بسمة محمود، لكن لماذا؟

جابت شيرين جميع محافظات مصر على ظهر موتوسيكل، ومن مضايقات الناس، والتحرش، وكثرة السهر والتعب، اكتسبت طاقة نفسية تؤهلها للتجول في 3 دول أوروبية، سويسرا والسويد وإيطاليا، ودوَّنت كل ما لديها في كتابها الجديد “هوستل”.

و”الهوستل” هو فندق بتكاليف قليلة يجمع في الغرفة الواحدة أكثر من شخص معًا، وتصفه شيرين بقولها:

“في الهوستل الكل غريب وقريب في الوقت نفسه. أنتَ تشارك غرفة نومك، وربما فراشك، مع شخص ليس فقط غريباً عنك، بل غريب عن بلدك ولغتك وعاداتك وعقيدتك. الشيء الوحيد المشترك بينكما أنكما بشر”.

وتذكر شيرين في كتابها أن أحد الهوستيلات، التي نزلت بها كان سجنًا تحول إلى فندق اقتصادي.

وانطلقت شيرين بحقيبة ظهرها في رحلة جريئة، وصفت خلالها المدن التي تجوّلت فيها بشكلٍ فج مغاير لما تحاول السينما وماكينات الدعاية أن تظهره، ففي روما – مثلا – محطة القطارات تغلب عليها الضوضاء والزحام والطوابير، وهتك الخصوصية، ومطاردات النصابين، الذين يشبهون “الخرتية” في مصر، ما دفعها للتساؤل: أين إيطاليا الفاتنة؟، لتفاجأ عند ركوبها القطار من روما إلى نابولي ببائعة مشروبات في جردل، وشحاذين، وباعة جائلين لا يختلفون عما تراه بالقاهرة..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق