الرئيسيسياسة

ستير حكيم: أشعر بالفخر حين أنقل معاناة المدنيين في الحروب

هي من أبرز الأسماء التي لمعت في سماء الاعلام السوري منذ اندلاع الثورة ثم انزلاق البلد في أتون الحرب الأهلية. اختارت الصحفية الشابة أن تقترب من آلام شعبها وتسلط الضوء على معاناته تحت القصف وبين أكوام الدمار وفي مخيمات الشتات بين النازحين والمغتربين تشاركهم أفراحهم وأحزانهم وأحلامهم..

إنّها الصحفيّة السوريّة المتميزة ستير حكيم، الّتي حدّثتنا عن وضع المرأة السوريّة بعد الثورة، وعن تجربتها في تغطية الحرب وأوضاع اللاجئين بالمخيّمات. وقد كان لنا معها هذا الحوار الشيّق:

في البداية، من هي ستير حكيم؟

إسمي ستير حكيم، إعلامية سوريّة من منطقة عفرين الخضراء الواقعة شمال حلب، ترعرعت في ناحية اسمها جنديرس المكسوّة والمحاطة بكثافة بأشجار الزيتون. وقد درست المرحلة الابتدائيّة والإعداديّة هناك، ثمّ انتقلت في الثانويّة إلى حلب.

ولأنّ الأعمال الروتينيّة الّتي يحكمها نسق واحد لا تجذبني، فقد فكّرت بدراسة تخصّص مشوّق. وبما أنّي كنت متأثّرة في طفولتي بشخصيّات إعلاميّة (لا أفضّل ذكر أسمائهم الآن، لأنّهم خيّبوا ظنّي باتّخاذهم مواقف معادية للربيع العربي)، فقد قرّرت دراسة الإعلام في جامعة دمشق. وتزامنًا مع دراستي، كنت أكتب في عدّة مجلّات وجرائد ومواقع الكترونيّة، إضافة إلى تعاملي مع بعض القنوات التلفزيونيّة المحليّة.

هلّا حدّثتنا عن تجربتك خلال الثورة السوريّة:

سنة 2012، كانت الثورة السوريّة في بداياتها، وكنت أعمل مديرة تحرير لموقع إخباري، وكلّ أسبوعيْن، كنت أكتب ملفًّا بعنوان الخطّ الساخن، أُناقش فيه مواضيع الفساد والدعارة والتزوير. وعندما بدأت الأمور في التوتّر، قرّرت ألا أترك دمشق ظنًّا منّي بأنّ الأمور ستتحسّن، لكنّها ازدادت سوء إلى حدِّ وجدنا جثثًا وقتلى في حيّنا وأمام منزلنا. عندها، قرّرت الرحيل مؤقّتًا عن دمشق الحبيبة.

عُدتُ إلى عفرين لفترة، لكنّي وجدت أنّ الأمور تتّجه إلى الأسوأ، فقرّرت الرحيل إلى اقليم كردستان. وقد عملت، في البداية، مسؤولة عن العلاقات العامّة بشركة إعلان، ثمّ انتقلت إلى قناة رودا الكرديّة، لأعمل معدّة برامج اجتماعيّة ومقدّمة لها. فبقيت في وظيفتي هذه سنة ونصف تقريبًا، إلى أن قدّمت قناة الجزيرة لي عرضًا، ومنذ ذلك الوقت، وأنا أعمل معهم مراسلة. لا أعرف إن كنت محظوظة وقتها أم العكس، فبمجرّد أن انطلقت في عملي، بَدَأَت الانتخابات العراقيّة، ثمّ دخل تنظيم الدولة مناطق واسعة من العراق واحتلّوها. وهذا ما جعلني أدخل تجربة التغطيات المكثّفة، فقد كنّا نعمل ليلا نهارا على تغطية ملفّ الجبهات والملفّ الإنساني للنازحين بالمخيّمات، واضطررنا إلى المبيت في جبهات القتال أيّامًا عديدة. لقد كانت تجربة صعبة جدًّا، لكنّها أضافت إليّ الكثير، هذا بالإضافة إلى عملي في تغطية الحرب السوريّة، وهي تجربة ثريّة أيضًا.

تمّ تَدَاوُل مصطلح “المواطن الصحفي” و”الصحفي المواطن” أثناء الثورة، فلو أخبرتنا عن ستير المواطنة، خاصّة أنّك تتنقّلين بين اللاجئين والنازحين بالموصل وتشاركينهم معاناتهم:

إنّ ستير المواطنة مثلها مثل أيّ سوري مغترب، فرغم أنّ كردستان العراق هي بمثابة وطني الثاني، لكنّ حسرة الفراق والرغبة في العودة إلى الوطن لا يفارقاني. ولا أبالغ عندما أقول إنّي أحاول باستمرار إيجاد زاوية في الغربة أقوم بتلوينها ببعض من ألوان الوطن، وتراني أبحث دائما عمّا يشبه تفاصيل دمشق الّتي ما زالت تعيش داخلي، لأعيش بها.

وقد كانت تجربتي مع اللاجئين والنازحين تجربة أكثر من رائعة، فرغم كلّ أوجه المعاناة والمأساة، أشعر فعلا بأنّني أنقل أمانة كلّما تطرقّت لقصّة لاجئ أو نازح. وحسب رأيي، فالعمل في تغطية شؤون النازحين واللاجئين أصعب بكثير من تغطية الحروب ومخاطرها.

يعتبر الملفّ الإنساني بالنسبة إليّ أكثر صعوبة وتعقيدًا من تغطية معركة الموصل. فلا أخفيك أنّي أعود إلى البيت في ليالٍ عديدة كي أنام، فلا أستطيع ذلك، لأنّ الصور الّتي علقت في ذاكرتي تأبى أن تغيب، صور لحسرة تتغلغل في عيون الأطفال المحرومين، ودموع الأمّهات الثكالى، وصوت مناجاة زوجة فقدت زوجها، ومسنّ يذرف الدموع كالأطفال على ما حلّ به في أيّامه الأخيرة…. إنّها صور قاسية جدًّا، خاصّة، وأنّه يتوجّب عَليَّ أن أظهر صلبة ومتماسكة أمام الكاميرا. ومن طبعي، أن لا أُظهر عواطفي كثيرا، وهذا ما يتعبني خلال تغطيتي للملفّات الإنسانيّة، لكنّي في الوقت نفسه أشعر بفخر كبير، عندما أنجح في نقل جانب ممّا يتعرّض إليه المدنيّون جرّاء المعارك والحروب.

هنا أتذكّر قصّة أودّ أن أحكيها، لأنّ تداعياتها كبيرة جدًّا، وتحمل في أحداثها جانبًا مبكيا وآخر مفرحا في الوقت عينه. فخلال وجودي، في إحدى مخيّمات النازحين، في الموصل، كنت أتنقّل بين الخيام للاطلّاع على أوضاع الناس عن كثب. فمرّت امرأة مغطّاة الوجه بجانبي، وهي تناجي الله. وحين التفتّ إليها، وجدت وجهها محترقا بنسبة كبيرة، فحدّثتني عمّا حلّ بأسرتها عندما حاولوا الهروب من لهيب المعارك إلى مناطق أكثر أمنا. فبعد أن تجمّعوا في منزل في انتظار أن تهدأ الأمور، انفجرت سيّارة مفخّخة قربه، لتخرج إلى الشارع فيما جسدها يلتهب. زمن ثمَّ، تعرف بعد ذلك أنّ 11 شخصا من أسرتها بما فيهم زوجها وأولادها وأحفادها وزوجات أبنائها، ماتوا في ذلك المنزل.

لم تتوقّف عن المناجاة فيما تسيل الدموع على وجنتيْها المحترقتيْن، فتزيدها من آلام الحروق الّتي لم تشفى بعدُ، ولكن بدا لي أنّ آلام الحرمان كانت أقوى. فهي لم يبق لها غير ابنها الّذي لم يتجاوز الخامسة عشر وابنتها الّتي تبلغ من العمر 11 سنة، ورغم نجاتهم من هذه الحادثة، فقد احترقوا حروقا بليغة جدًّا.

تم نقلهم إلى إحدى المشافي وعرض التقرير الذي أعددته، إحدى بناتها شاهدت التقرير فعلمت أين هي الأم، لأن الاتصالات في الموصل ممنوعة وعندما احترقوا نُقلوا إلى المخيم دون أن يعلم أحد ماذا حل بالآخرين لكن الأم سمعت فيما بعد أن جميع من في المنزل مات. ابنتها في الموصل تواصلت مع بعض الأشخاص الذين اتصلوا بي وأخبروني أن أحد أبنائها الذي تظن انه مات لازال على قيد الحياة.

هذا الموضوع فاجأني جدا لكني خفت أن أنقل لها هذا الخبر ولا يكون صحيحا طلبت علامة أو اشارة وبالفعل أعطاني اشارتين ونقلتهما للسيدة الأم التي كانت تخضع للعلاج في أحد مشافي اربيل زرتها وأخبرتها فكانت فرحتها كبيرة جدا. عادت تبكي وتقول هل أفرح أم أحزن. بعدها تحسن وضعها وعادت للمخيم. كنت أزورهم باستمرار والتقيت فيما بعد بابنها، وكانت فعلا لحظات صعبة وجميلة.

هذه القصة أشعرتني بأن العمل الصحفي ليس مجرد نقل للواقع، والمعاناة قد تحمل أحيانا جوانب أخرى. الصحافة سيف ذو حدين والإعلامي يقرر كيف يستخدمها وأين.

كيف تقيمين وضع المرأة السورية بعد الثورة؟

المرأة السورية لطالما كان موقعها محفوظا وأثبتت نفسها في مجالات عديدة سياسة مجتمع فن إعلام الى جانب كونها أما وربة منزل مجتهدة وناجحة. المرأة السورية عانت الكثير في الثورة لكنها لازالت صبورة وقائمة واقفة على قدميها تحارب من أجل الحياة.

الثورة السورية وما حل بالبلاد من دمار وتغيرات وعمليات اللجوء أضافت الكثير لنا زادت من قوتنا ومن تفهمنا لأمور الحياة وزادت من تصميمنا وإرادتنا في القتال في سبيل آمالنا وطموحنا. ست سنوات وأنا في الغربة أملي الوحيد العودة، لم أفكر بالهجرة كما العديد فضلت البقاء في كردستان لأني قريبة من وطني وهكذا يتجدد أملي في العودة كل يوم، لولا هذا الأمل لما استطعت الاستمرار كل هذه السنوات. عفرين قلبي وجزء كبير من روحي هو في دمشق فكيف أتناسى القلب والروح.

 

بين نظام بشار ونظام الدولة الإسلامية هل تعتقدين أنه من الممكن بناء قوة ثالثة ديمقراطية تحقق بعضا من الأهداف التي قامت من أجلها الثورة السورية؟

لا أظن أنه من الممكن بناء قوة ثالثة ديمقراطية وسط هذه الصراعات والتجاذبات.

هناك مطالب اليوم بغلق قناة  الجزيرة التي تعملين بها فما هو ردك؟

لا يمكن المطالبة بإسكات صوت الحق فدور الإعلام هو نقل الواقع والحقيقة. والجميع يعلم ان الصحافة هي السلطة الرابعة. اذن لم هذه المطالبات، لولا خوفهم من دورها الكبير في اظهار الحقيقة؟

لو كان من يدعو لاغلاق الجزيرة فعلا صادقا لعمل العكس، لفتح الأفق أمام الإعلام بغض النظر عن سياسته وتوجهاته. يمكن أن يتعقب الصحفيين ويحاكمهم وينكل بهم على خبر أو معلومة، لكنهم لا يستطيعون إسكات صوت الحق. باختصار الجزيرة مستمرة لأنها بنت ثورة في الإعلام العربي، ولا يمكن الوقوف في وجهها.

في الختام ماهي الرسالة التي تود أن تبلغها ستير الحكيم كامرأة وصحافية وناشطة

رسالتي لكل امرأة “انهضي انت قوية ما تملكينه لا يملكه الرجل”.

المرأة تضم جوانب عديدة من القوة والجبروت وبنفس الوقت الحب والحنان. هذا ليس بالأمر السهل أن يجمع في شخص واحد.

أقول لكل أم وأخت وزوجة في سورية الحبيبة ضحت ولا تزال “قاومي فالحق عائد ونحن عائدون”.

أرفع القبعة لكل إمرأة لازالت داخل الوطن تقاوم وأقول لكل إمرأة خارج الوطن اعملي إكسبي خزني العلم والمعرفة وقدميه للوطن وان شاء الله نعود إلى قلب الوطن الحبيب قريبا.

حاورتها مروى وشير

الوسوم

اترك رد