بيت وأسرة

دفء وراحة وأناقة

تراث عربي: كيف يستخدم فرو الخروف بعد العيد؟

جلد الخروف، يعد رمزا تراثيا وثقافيا أصيلا ومميزا، ارتبط بالأضاحي، التي تنحر يوم العيد وتُحوّله أنامل سحرية إلى مفروشات وأغطية وسجادات للصلاة، بعد أن كان يحمي الحيوان من الرياح العاتية والأمطار الغزيرة وحرارة الشمس المرتفعة.

غير أن عامة الناس غفلوا اليوم عن أهميته فتراه عشية عيد النحر، مُكدّسًّا في مصبَّات القمامة.

 

مختلف تسميات جلد الخروف عند المجتمعات العربية

تختلف تسميات جلد الخروف بين الشعوب العربية، فيسمى في العراق ب”الجزة” وفي الأردن ب”جاعد” ويعرف في مصر بالفرو، وفي تونس ب”الجلد” بينما يسمى في المغرب والجزائر ب”الهيدورة”.

المجتمع العربي القديم والاهتمام بجلد الخروف

كان من عادة نساء العرب، في القديم، الاهتمام  بجلد الكبش أو الخروف،  نظرا لخصائصه الطبيعية المتعددة، فحولنه من جلد بال، الى مكون يُستخدم في الحياة اليومية. فقد اتخذنه بعد تمليحه وغسله وتجفيفه ومشطه وتنعيمه سجادا يفرش صيفا لإضفاء الرطوبة والبرودة وشتاء للتدفئة و بساطا للصلاة. ومن صوفه حكن الأغطية والمفروشات والبطانيات التي تقي قر البرد. واستعملنه لحشو وسائد العروس، لما توفره من راحة أثناء النوم.

وفي تونس تصنع من الصوف الطبيعي ” فراشية قلعة الأندلس”، التونسية، وهو لباس تقليدي، في شكل غطاء، تلبسه النسوة عند الخروج للتبضع وقضاء “شورها”، التي جاء به الأندلسيون سنة 1608 ميلادي، حين قدموا فرارا من بطش الأسبان وحاكمهم.

 

جلد الخروف رمز للضيافة الجزائرية

يعد جلد الخروف أو “الهيدورة”   في مناطق الجنوب الجزائري، رمزا للضيافة والترحيب بالضيف، منذ القديم،  فقد كان  يفرش بمجالس الضيافة وغرف الجلوس كفراش مريح للزوار أو تحت أقدامهم علامة على الحفاوة والترحيب.

 

فن الدباغة

ارتبط فن الدباغة بالجلود، وبجلد الخروف خاصة، حيث اشتهر في مصر القديمة، التي ترجع أصول الدباغة فيها إلى العصر العثماني. كما تعرف بلدان المغرب العربي بهذا الفن منها تونس التي توجد فيها أكبر مدبغة في إفريقيا. وكذلك المغرب التي تنتعش فيها هذه الصناعة في مدينتي مراكش وفاس.

والدباغة هي عملية تحويل الجلد بعد سلخه وغسله في مياه البحر ورشه بالملح و تجفيفه تحت الشمس ثم نزع الصوف حتى لا يتعفن وغزله وتحويله الى خيوط تحاك منها أغطية وألبسة تستخدم يوميا.

وقد تصبغ  الجلود المدبوغة وتلمع لتصير سجادا لامعا بأشكال وألوان مختلفة تعلق على الجدران وتفرش على الأرض وتكسوها فتدفئها شتاءا وتجملها.

جلد الخروف والصناعات اليدوية

استعمل جلد الخروف في صناعة الغرابيل، التي تعتمد في مواسم عولة الكسكسي في المغرب العربي وفي تصفية القمح في الشرق في موسم الحصاد. حيث يملح الجلد بعد نزع صوفه ثم يطوى ويحفظ لمدة أسبوع أو يزيد، ثم يغسل ويجفف تحت أشعة الشمس الحارقة، ليصبح بعد ذلك جاهزا للاستعمال.

كما يستعمل في صناعة الدفوف والطبول التي تضفي نغمة على الأفراح والمناسبات الاجتماعية.

مختلف استخدامات الجلد المدبوغ

تختلف استخدامات الجلد، بعد عملية دبغه، حيث تصنع منه الأحذية والأحزمة والقفازات والمعاطف والقبعات والألبسة وحقائب اليد. إضافة إلى كرات اليد وكرات السلة والكريكيت. كما يستخدم في بعض صناعات السيور المتحركة.

يستعمل الجلد كذلك كعازل طبيعي للحرارة ومقاوم لها، بوضعه في السترات المقاومة للاشتعال، ويستخدم في الطبقة العازلة للمباني المقاومة للحرائق.

 

جلود الأضاحي في مكبّات القمامة

بسبب تأثرهم البالغ  بثقافة استهلاك كل ماهو جاهز، تخلى العرب في السنوات الأخيرة، عن الاعتناء بجلد خروف العيد، وتركوا استعمال الصوف رغم انه موروث تقليدي وثقافي. هكذا، تتحول مكبات القمامة عشية النحر إلى مصب عفن للجلود التي تخلّص منها أصحابها بعد عملية السلخ وتجمع الذباب والقطط والكلاب الضالة خاصة في المدن والأحياء الشعبية.

هذا الرمي العشوائي للجلود، اضافة الى تشويه مشهد المدن والأحياء وتحويله إلى خلية للجراثيم المخلّفة للأمراض المعدية والخطيرة، يعد تصرفا مخلا بالأخلاق ومخالفا للدين والشرع والسنة النبوية، حيث اتفق علماء المسلمين، على وجوب الانتفاع بالجلد ونهوا عن بيعه لأنه جزء من الأضحية التي لا تقتصر على اللحم فقط. لك أن  قوله : “ولا يبيع جلدها” بعد الذبح؛ لأنها تعينت لله بجميع أجزائها ، وما تعين لله فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه.

فكيف يجوز أن ترمى في القمامة وتحول من مصدر للنفع والفائدة إلى ملوث للبيئة؟

لا تقتصر أهمية الأضحية على الاهتمام بعنصر اللحم، فحسب، بل من الضروري الاهتمام بجلد الخروف الذي يمكن ان يحول الى تحفة فنية تضفي طابعا جماليا في كل بيت عربي وتستفيد منها أجيالا متعاقبة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.