سياسة

مصر: أي عيد لأهالي المعتقلين؟

سياسة

مجلة ميم- القاهرة

تأتي أيام العيد فيتجهز الأطفال بملابسهم الجديدة يستعدون للخروج صباحا الى صلاة العيد، لينطلقوا مع أبائهم وأمهاتهم بعدها إلى
الحدائق أو زيارات الأهل صلة للرحم وتوثيقا لأواصر العلاقات الإنسانية ، يعدون العدة لشراء الألعاب بالعيدية المقدمة لهم من أبائهم الذين ينتظرون تفرغهم في تلك الأيام لقضاء الوقت معهم فهي أيام خاصة تمتلئ بالبهجة والسعادة..

إلا أن هناك عددا غير بسيط من الأسر التي تأتيهم أيام العيد  بفرحة مشوبة بالحزن والافتقاد للمغيبين خلف الأسوار. فبين فرحة اللقاء وقسوة الإعتقال ومنع الزيارة والصعوبات التي تقابلهم في أيام العيد، جاءت كلماتهم المحملة بالألم والشوق لعيد مختلف خارج أسوار السجن ..

“لا عيد في العقرب”

تتعدد السجون في مصر وتختلف كل زيارة عن الأخرى باختلاف المكان والمعتقلين بداخله، ويأتي سجن العقرب (شديد الحراسة) على رأس السجون المصرية ذات الإنتهاكات الشديدة ضد المعتقلين.

 

وعنه تقول ( م . أ ) ابنة أحد المعتقلين بسجن العقرب: “مرت 4 سنوات ولم أحضر عيدا مع أبي لا خارج السجن ولا داخله، فسجن العقرب شديد الحراسة، ممنوعة فيه الزيارة ولا استثناء حتى في المناسبات.  ويوم العيد بالنسبة لي هو اليوم الذي سأرى فيه والدي دون حواجز وأطمئن عليه وأستطيع لمسه واحتضانه، لكن هذا لا يحدث أبدا في العقرب.

 

وتضيف ( إ . ش ) “لا يأتي العيد أصلا فكل عيد في العقرب لا معنى له. مصر كلها أصبحت سجنا أما العقرب فهو مقبرة.”

وتحكي ( آ . ر ) قائلة .. :” رابع سنة على التوالي ولا تفتح لنا زيارة العيد في العقرب، وخلال الأربع سنوات فتحت مرة واحدة فقط لـ 20 فردا صادف يوم العيد زيارتهم الشهرية وللأسف لم أكن منهم، أربع سنوات دون عيد أو زيارة نرتوي فيها من آبائنا في العقرب”.

“العيد هو الزيارة”

الوضع أفضل في سجون اخرى، حيث تفتح الزيارة يوم العيد. وعن العيد وزيارة السجن في أول أيامه تقول ( ر.ح )

“نذهب إلى أبي في العيد ويحاول أن يدخل البهجة إلينا فيقوم بشراء كل ما أحب من “الكانتين” – مكان مخصص لبيع الحاجيات للمعتقلين داخل السجن-  ويهديه لي في زيارة العيد، وأحيانا يهديني صورة أو برواز لصورة صنعها بيديه ، وكل عيد يقول لي أن العيد القادم سيكون معي خارج السجن. لكن كل عيد يمر ولا يعود أبي معنا إلى البيت”

 

وتحكي ( إ . س ) عن أخيها المعتقل قائلة  “العيد القادم سيكون الثالث لأخي في السجن، ونذهب إليه صباحا بعد صلاة العيد مباشرة
نرتدي ملابسنا الجديدة النظيفة، لكن بعد الوقوف طويلا في طابور الزيارة بأعداد كبيرة للغاية من الزائرين، نصل إليه بحال لا تسر. لكنه يستقبلنا مبتسما فيهون علينا الوقت السيء الذي انتظرنا فيه أمام البوابات لرؤيته ومشاركته فرحة العيد ولو كان خلف الأسوار”

 

“لا يأتي العيد أصلا فكل عيد في العقرب لا معنى له. مصر كلها أصبحت سجنا أما العقرب فهو مقبرة..”

 

أما ( أ . د ) فتقول “حضرنا حتى الان عيدين في السجن، وتكون الزيارة حسب مزاج الأمن. فقد تكون أول يوم  او تؤجل لليوم الثاني، وتكون خمس دقائق فقط يعطينا أبي فيها هدية العيد، والتي تكون عبارة عن أطباق مكتوب عليها اسم كل واحد منا أنا واخوتي بالمناديل الورقية يحاول بها إدخال السعادة إلى قلوبنا في العيد”.

 

وتحكي ( ي . ع ) قائلة، “تعودنا أن نصلي العيد ثم نتجهز للزيارة فنأخذ معنا الشيكولاتة ونكتب لأبي أشياءا جميلة في أوراق صغيرة
نعطيها له حين نراه”.

 

“وحين نصل يكون أبي ومن معه قد جهزوا المكان  حاولوا تجميله بتعليق بعض الزينات التي يصنعونها، ليشعرونا ببهجة العيد الناقص من دونهم.  المرة الماضية كنت أعطي لأبي نوعا من الحلوى يحبه فجاء إلىّ الضابط وقال لي “وأنا ماليش نصيب.؟!”

 

“يدخل إلينا أبي وصحبه مهللين ومكبرين مبتسمين فنشعر بفرح كبير وننسى تعب الانتظار، والعيد الماضي أهداني أبي بوكيه ورد كبير مصنوع من الورق أشعرني بسعادة حقيقية لأنه كان خاصا لي فقط من دون اخوتي”.

 

وتقول ( أ . س )  “زوجي في العيد يجتهد لجمع البالونات بألواننا المفضلة أنا والأولاد، ويهدينا إياها حين نذهب لزيارته، ومعه بعض الشيكولاتة  يوزعها علينا وعلى الأطفال الموجودين في المكان. الزيارة يوم العيد تختلف  عن الزيارات العادية بتفاصيلها الصغيرة التي تُشعرنا بقليل من البهجة حتى لو في السجن.

 

وتشاركها الحديث ( ف . ب ) قائلة  “العيد هو الزيارة، وهي مختلفة عن الزيارات الأخرى، حين يحين دورنا وندخل، نفاجؤ بأن المساجين قاموا بتزيين المكان وعلقوا البالونات وأعدوا الهدايا البسيطة للأطفال، ويحرصون على إعطائنا العيدية كما لو كانوا معنا بالخارج، وتلك الدقائق البسيطة بينهم هي التي تهون علينا كثيرا وحشة العيد في الخارج من دونهم”.

“نذهب فجرا وندخل عشاءا”

وعن معاناة الزيارة تحكي ( ا . ر ) قائلة  “خرجت من بيتي مع أطفالي في الثالثة فجرا، ولم أدخل إلى الزيارة إلا في التاسعة مساءا
بعد صلاة العشاء يوم العيد، فضاع اليوم في الإنتظار ناهيك عن التعب والإجهاد الشديد الذي شعر به أطفالي المرات الماضية، قررت أن أتركهم في زيارة العيد مع أمي اشفاقا عليهم مما واجههوه المرة الماضية ،يعني عيد بدن ما او بابا”!

 

وتكمل قائلة ..:” الشئ الوحيد الذي يهوّن علينا هو شعور السعادة التي رأيتها في وجه زوجي حينما رآنا في العيد، وقد أحضر هدايا بسيطة للأطفال مع العيدية، وخرج هو والمعتقلين الى قاعة الزيارة وهم يكبرون ويهللون فشعرنا بالعيد فقط في تلك اللحظة”.

 

أما ( ر . ج ) فتضحك قائلة  “بابا يصنع أشكالا وحيوانات وأزهارا من البالونات لكل واحدة منا، نأخذها أثناء رحيلنا من الزيارة،
ويحرص على إعطائنا العيدية، ويخرج إلنا وهو يرتدي جلابية بيضاء كما كان يفعل تماما وهو خارج المعتقل، ونذهب نحن بملابس العيد لكي يراها علينا حتى لو أصبحت في غاية الفوضى بعد الإنتظار طويلا للدخول إليه .”

 

وتختم ( أ . هـ ) الحديث قائلة  “زيارة العيد تكون مزدحمة بشكل غير طبيعي، نذهب فجرا وندخل عشاءا. حين يغلق الباب علينا بعد
دخولنا لقاعة الزيارة يسود الصمت في المكان، والكل يجلس يترقب لحظة خروج المعتقلين إلينا، وتكون لحظة مؤثرة للغاية. حين يفتح الباب يتدافعون إلينا فتدمع اعيننا ونحاول جاهدين ان نخفي تأثرنا، وقتها نشعر ببهجة العيد، لكنها لحظات تمر بسرعة ويطلب منا السجان الخروج صائحا: “الزيارة انتهت!”

 

غيض من فيض من قصص أهالي المعتقلين التي لا تنتهي، رصدنا بعضها والبعض الاخر لازال لم يُقص، لكنه يخفي وراءه معاناة الآلاف من المعتقلين وأهاليهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.