الرئيسيثقافة

كسوة الكعبة.. قصّة عشق

جولة في تاريخ المسلمين مع كسوة بيت الله الحرام

يأتي موسم الحج كل عام فتتعلق أبصار الملايين حول العالم ببيت الله العتيق، ينتظرون بشغف يوم التاسع من ذي الحجة مهللين ومكبرين ليشهدوا مراسم تبديل كسوة الكعبة المشرفة التي تتجدد كل عام بواحدة جديدة تحمل في طياتها الحرير وتزينها خيوط الذهب التي تنقش عليها الآيات القرآنيةالكريمة.

البعد التاريخي لكسوة الكعبة

 

كسوة الكعبة في الجاهلية

تختلف الروايات حول أول شخص كسا الكعبة قبل الإسلام، يعتقد البعض أن نبي الله إسماعيل نجل أبو الأنبياء إبراهيم “عليهما السلام” هو أول من كسا الكعبة لكن تبقى هذه المعلومة محل شك، في حين يرجح الأغلبية أن الملك اليمني أسعد تبع أبي كرب ملك حمير، هو أول من كسا الكعبة المشرفة بشكل كامل في عهد الجاهلية تحديدا عام 220 قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقال أنه كان يكسوها بالخصف وهي ثياب غليظة ثم كساها المعافي ثم الملاء والوصائل. ثم أخذ خلفاء الحميري من ملوك اليمن بعد ذلك يكسون الكعبة بالجلد.

 

 

وكانت الكسوة توضع الواحدة فوق الأخرى حتى إذا ما ثقل وزنها أو بليت تم إزالتها وتقسيمها أو دفنها. واستمر الأمر هكذا حتى آل الأمر لـ”قصي بن كلاب” الجد الرابع للنبي والذي قام بتنظيم أمر كسوة الكعبة، وذلك 

في أعقاب جمعه لقبائل قومه تحت لواء واحد. لتتحول كسوة الكعبة لما يسمى “ثمرة الرفادة”. ثم ظهر أبو ربيعة عبدالله بن عمرو المخزومي، وباتت الكسوة تكسى بالتناوب بينه وبين ال قريش سنة بسنة.

واستمر موضوع كسوة الكعبة دائمًا في قريش حتى إلى ما بعد ظهور الإسلام.

 

 

 

كسوة الكعبة مع الإسلام

بعدالإسلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول من كساها بالثياب اليمانية بعد أن احترقت كسوة المشركين على يد امرأة كانت تريد تبخيرها.

ثم اهتم بها الخلفاء الراشدون من بعده، حيث كساها ابو بكر وعمر رضي الله عنهما بالقباطي والبرود اليمانية. وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه أول من قرر أن تكون للكعبة كسوتان الأولى كانت من الديباج يوم التروية، والثانية كانت يوم 27 رمضان وكانت من القباطي. كما كساها الحجاج في عهد الملك بن مروان بالديباج. منذ ذلك الحين تحولت نفقات الكسوة بشكل دائم على الحكومة إلا في بعض السنوات فقد كان يكسوها بعض الموسرين أو بعض ذوي المناصب الرفيعة أو حكام بعض الدول الإسلامية.

وكانت تحاك في مصر بما تيسر للناس من قطع الثياب المتفرقة مختلفة الألوان. 

في عهد بني أمية تغير موعد كسوة الكعبة، فكانت المرة الأولى يوم عاشوراء، والمرة الثانية كانت في آخر رمضان، وظل الأمر مستمرًا بنفس الطريقة خلال حكم العباسيين حتى فترة حكم الخليفة المأمون الذي قرر كسوة الكعبة ثلاثة مرات في السنة، الأولى بالديباج الأحمر يوم التروية، والثانية بالقباطي يوم غرة رجب، والثالثة بالديباج الأبيض يوم 27 رمضان.

أما بداية كسوة الكعبة بالديباج الأسود كانت في عهد الخليفة العباسي الناصر لدين الله أبو العباس أحمد، لتستمر على هذا اللون حتى يومنا هذا.

 

محمل كسوة الكعبة

المحمل هو الموكب الذي كان يخرج من مصر كل عام حاملا كسوة الكعبة وظل هذا المحمل يخرج منذ عهد شجر الدر وعهد المماليك حتى بداية عهد جمال عبد الناصر.

وقد كان ثاني خلفاء المسلمين الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يوصي بكسوة الكعبة بالقماش المصري المعروف بالقباطي الذي اشتهرت بتصنيعه محافظة الفيوم بمصر.

وكان المحمل يطوف شوارع مصر قبل الخروج إلى الحجاز، و يصاحب طوفانه العديد من الاحتفالات كتزيين المحلات التجارية والرقص بالخيول. وكان الوالي أو نائب عنه يحضر بنفسه خروج المحمل.

والموكب كان عبارة عن جمل يحمل المحمل ويمر في شوارع القاهرة، ويخرج خلفه الجمال التي تحمل المياه وأمتعة الحجاج ومن بعدهم الجنود الذين يحرسون الموكب حتى الحجاز، وخلفهم رجال الطرق الصوفية الذين يدقون الطبول ويرفعون الرايات.

أما المحمل فكان عبارة عن هودج فارغ يقال أنه كان هودج شجرة الدر أما الكسوة نفسها فكانت توضع في صناديق مغلقة وتحملها الجمال.

 

 

وبعد الحج يعود المحمل ومعه الكسوة القديمة للكعبة بعد استبدالها 

بالكسوة الجديدة، فيما تقطع الكسوة القديمة إلى قطع وتوزع على الأعيان وكبار الضيوف موضوعة في اطارات. وما زالت هذه القطع موجودة في متحف كسوة الكعبة، وبعضها في قبور العائلة الملكية في مصر حيث زينوا بها أضرحتهم كنوع من التبرك.

وقد تفردت مصر بتحضير وارسال كسوة الكعبة من مال الوقف الذي قام بوقفه الملك الناصر بن قلاوون منذ عام 750 للهجرة.

 

وفي عام 1345 للهجرة امتنعت الحكومة المصرية عن إرسال الكسوة إبان حكم الملك عبد العزيز ليصدر أمر ملكي في غرة شهر ذي الحجة بعمل الكسوة بأسرع ما يمكن قبل مجيء اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو ما تم. ومع بداية العام الهجري التالي صدر أمر ملكي بإنشاء دار خاصة لصناعة الكسوة في منطقة أجياد في مكة المكرمة لتصبح الحكومة السعودية هي المسؤولة عن الكسوة منذ ذلك الحين.

 

كسوة الكعبة مع المملكة العربية السعودية

سنة 1346 هجري تسلمت المملكة العربية السعودية مهمة تحضير كسوة الكعبة. من خلال دار خاصة بمحلة أجياد بمكة المكرمة، والتي تعتبر أول دار خصصت لحياكة الكسوة بالحجاز.

 

السدين أو لمار أو راما، كلها أسماء تطلق على كسوة الكعبة المشرفة التي تُحرِم مع الحجاج كل عام، وتحمل تاريخا طويلا منذ بناء بيت الله الحرام وهي قطعة من الحرير الأسود المخصص للكعبة منقوش عليها آيات من القرآن الكريم ويتم تغطية الأربع جوانب الكعبة المشرفة بها.

 

ويتم رفع أطرافها ليظهر الجزء الأبيض من الكسوة في تقليد متبع كل عام حال اقتراب موسم الحج ، ويأتي رفع تلك الأجزاء من كسوة الكعبة حفاظا عليها من الحجاج الذين يقومون بقطعها بالأمواس والمقصات للحصول على قطع منها للذكرى أو للتبرك بها.

وفي تصريح منشور لمدير عام مصنع كسوة الكعبة المشرفة بمكة المكرمة صرّح فيه قائلا.. : “المطاف يشهد أعدادًا كبيرة من الحجاج تحرص على لمس ثوب الكعبة، وعلى الرغم مما في ذلك من بعض الاعتقادات غير الصحيحة، إلا أن كسوة الكعبة تتعرض جرّاء ذلك لبعض الضرر، كما يُقدم بعض الحجاج على قطع بعض أجزاء من ثوب الكعبة، ومنهم من يتبرك بالكسوة ويعتقد فيها ما يعتقد، ولأجل ذلك تم رفع كسوة الكعبة المشرفة إلى مسافة أكثر من مترين، ووضع قطع من القماش الأبيض بمحيط 47 مترًا”.

مكونات الكسوة

وتتكون الكسوة من خمس قطع تغطي كل منها أحد وجوه الكعبة المشرفة، بينما توضع القطعة الخامسة على باب الكعبة ويطلق عليها اسم “البرقع” وتكون مصنوعة من الحرير الخالص بارتفاع يبلغ 6 أمتار ونصف، وبعرض 3 أمتار ونصف، وقد كتبت عليها آيات قرآنية وتمت زخرفتها بزخارف إسلامية مطرزة تطريزا بارزا مغطى بأسلاك الفضة المطلية بالذهب.

وتستهلك الكسوة ما يقرب من الـ 700 كيلو جرام من الحرير الطبيعي، بالإضافة إلى 150 كيلو جرام من سلك الذهب والفضة الذي يتم نقش الآيات القرآنية بهما، إضافة إلى الكسوة البيضاء التي يتم تبطين كامل الكسوة بها من الداخل

 

وتبلغ مساحة الكسوة الإجمالية 758 متر مربع ، بإرتفاع يبلغ 14 متر، وفي الثلث الأعلى من الكسوة يقع الحزام البالغ عرضه 95 سنتيمترا وبطول 47 مترا وهو مكون من 16 قطعة محاطة بشكل مربع بالزخارف الإسلامية المميزة لكسوة الكعبة المشرفة.

وتحت الحزام تنقش الآيات القرآنية مكتوبة داخل إطار منفصل ، ويوجد في الفواصل التي بينها شكل قنديل مكتوب عليه (يا حي يا قيوم)، (يا رحمن يا رحيم)، (الحمد لله رب العالمين)، وقد تم تطريز الحزام بتطريز بارز مغطى بسلك فضي مطلي بالذهب ويحيط بالكعبة المشرفة بكاملها.

ومن الخارج يتم نقش الأطراف بخيوط النسيج الأسود بتقنية تسمى “طريقة الجاكارد” مكتوب عليها “لا إله إلا الله” وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم” و “يا حنان يا منان يا الله” وتكرر هذا الذكر على جميع قطع القماش على ارتفاع 9 أمتار بعرض 95 سنتيمترا، وتصل التكلفة الإجمالية للكسوة حوالي 22 مليون ريال سعودي.

 

ويتوافد أهل مكة المكرمة لبيت الله الحرام بعد توجه الحجاج إلى صعيد عرفات ليشهدوا مراسم تغيير كسوة الكعبة القديمة بالكسوة الجديدة فيطوفون ببيت الله الحرام ويؤدون الصلاة، لتبدأ مراسم التغيير استعدادا لاستقبال الحجيج في صباح اليوم التالي بأول أيام عيد الأضحى المبارك.

 

 

 

 

وتبدأ المراسم الفعلية للتغيير منذ منتصف شهر ذي القعدة حيث يتسلّم سدنة الكعبة (وهم أحفاد قصي بن كلاب كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهم المسؤولون عن القيام بشؤون الكعبة من فتح وغلق وتنظيف وغسيل وكسوة واستقبال الزوار) من الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام في قاعة المناسبات الرئيسية بمصنع الكسوة بمكة المكرمة.

 

وفي يوم التاسع من ذي الحجة ( يوم عرفة ) يتم إحضار الكسوة الجديدة ليقوم المشاركون بتغييرها، فيتم تثبيت الثوب الجديد على الواجهات الأربعة للكعبة فوق الكسوة القديمة على التوالي ويتم تثبيتها في دوائر معدنية خاصة يبلغ عددها 47 حلقة مثبتة بسطح الكعبة ، ثم يتم فك الحبال الخاصة بالكسوة القديمة لتقع ، وتنسدل الكسوة الجديدة على الواجهات الأربعة للكعبة المشرفة.

 

 

أما الكسوة القديمة فيتم تخزينها بشكل متقن وخاص وإعادتها إلى مستودع المصنع للاحتفاظ بها 

 

 

 

 

إنّ الكعبة الشريفة هي معشوقة المسلمين وحبيبتهم الأغلى. إنّهم يهبونها الغالي والنفيس، كي تتزيّن بالحرير والذهب وتخرج في أبهى حلّة، إنّها معشوقتهم الّتي يقطعون من أجلها مسافات طويلة جوًّا وبرًّا وبحرًا، ليصلوا اليها من كلّ أنحاء الأرض ويكحّلوا عيونهم بحسن مرآها، ويقبّلوا جدرانها المكسوّة بأجمل الأثواب وأثمنها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد