دين وحياة

الحج عرفة

 

إن الوقوف بجبل عرفة يعد من أهم أركان الحج وشرطا أساسيا لصحته، لأن “الحج عرفة” كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم الذي تفتح فيه أبواب السماء لتعتق الرقاب من النار،  فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة”

 (رواه مسلم في الصحيح)

 

ويبدأ الوقوف بعرفة من زوال شمس التاسع من ذي الحجة، إلى فجر يوم عيد الأضحى، حيث ينحر الحجاج الأضاحي و ينهون بقية مناسك الحج وصولا إلى طواف الوداع.

فضائل يوم عرفة

تتعدد فضائل هذا اليوم العظيم، الشبيه بيوم الحشر، حيث تختلط جميع الأجناس والأعراق البشرية بمختلف لغاتها وألوانها، متحدة في راية بيضاء ناصعة وفي قلب رجل واحد مطمئن ومؤمن بالله وحده لا شريك له وسط التهليل والتكبير والحمد المتصاعد إلى عنان السماء طالبا وراجيا العفو والغفران. ” الله أكبر، الله أكبر، لا اله الا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد”.

وفي هذا اليوم المشهود يباهي المولى عز وجل  بأهل عرفة أهل السماء، حيث ورد عن  النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء.  رواه أحمد وصحح إسناده الألباني

 

 

ومن فضائله، أنه  أحد أيام الأشهر الحرم و هي ذو القعدة  وذو الحجة  ومحرم  ورجب و ذي الحجة. التي  قال عنها الله عز وجل: “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ”. [سورة التوبة : 39].

فضلا على أنه أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله  عز سلطانه عليها “وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ”. وأقسم بها في كتابه الكريم، مبينا عظم فضلها وعلو قدرها، “والفجر وَلَيَالٍ عَشْرٍ”. سورة الفجر2

وهو أحد الأيام العشرة المفضلة في أعمالها على غيرها من أيام السنة، و قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم : ما من عمل أزكى عند الله – عز وجل- ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل: ولا الجهاد في سبيل الله – عز وجل- ؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله – عز وجل- إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء. رواه الدارمي وحسن إسناده الشيخ محمد الألباني في كتابه إرواء الغليل.

شعراء تغنوا بفضل هذا اليوم العظيم

ولعظمة هذا اليوم ووقعه في قلوب المسلمين، كتب عنه الأدباء والشعراء، أبياتا وقصائد تتغنى بهذا المقام المهول والحاشد الذي يأسر  القلوب وتدمع له العيون. ونستعرض في هذا المقال أبيات من أروع ماقيل عن الوقوف بعرفة.

 

 

 

يقول ابن القيم رحمه الله

فلله كـــم مـــن عـــبــــــرةٍ مـهــراقـــــةٍ *** وأخـــــرى عــلـــى آثــارهــا لا تـقـــدمُ وقــد شَــرقَــتْ عـيـنُ المحـبَّ بدمعِهـــا *** فــيـنــظـرُ مـن بين الدمــوع ويُسجــمُ وراحــــوا إلـى التعــريف يرجـونَ رحمــة *** ومغـفـــرةً مـمـــن يـجــــودَ ويــكــــــرمُ فللـه ذاك الـمـــوقـــف الأعــظــم الــذي *** كمــوقـف يـــوم العـرض بل ذاك أعظـمُ

 

وقال عنه الدكتور عبد المعطي الدالاتي

 

اَلـراحـلــــونَ إلــى ديـار أحــبــتـــي *** عتَبـي عليكمْ..

قـد أخذتم مهجتــي وتـركـتـمُ جـسـدي غـريـبــاً هــاهنـا *** عجـَبـي لــه! يحيــا هـنــا في غربـةِ

كـم قـلـتـمُ مـا مِـن فـصــامٍ أو نــوى *** بـيــن الـفـؤاد وجسمـهِ.. يـا إخوتــي

وإذا بـجـســمـي في هـجـير بعــادهِ *** وإذا بــــروحــي فــي ظـلال الروضـــةِ

قلبي.. وأعـلـم أنــه فـي رحـلـكـــمْ *** كصُـواع يوسـفََ فـي رحــال الإخـــوةِ

قلبي.. ويُـحـرمُ بـالـسـجـود مـلبيــاً *** لـبـيـــكَ ربــــي.. يـا مـجيبَ الدعــوةِ

قلبي.. ويسعى بيـن مـروةَ والصفـا *** ويـطـــوفُ سبعــاً فــي مــدار الكعبــةِ

قلبـي ارتـوى مـــن زمزمٍ بعد النوى*** وأتــى إلــى عـــرفــات أرضِ التـــوبــةِ

هــو مــذنـبٌ مـتـنـصِّــل مـن ذنـبــه *** هــو مـحــــرمٌ يـــرنو لبـــاب الرحمــةِ

 

 

ومن أشهر ما كتب ابن الأمير الصنعاني، الذي نظم قصيدة طويلة تتحدث عن الحج وكامل أركانه وشعائره. ومن هذه القصيدة اقتطفنا ماقيل حول يوم عرفة

 

في يومنا سرنا إلى الجبـل الذي *** من الـبـعـد جـئـناه لما قـد وجدنــاه

فــلا حــج إلا أن نـكـــون بــأرضــه *** وقـوفـاً وهذا في الصحيــح روينـــــاه

إلـيــــه ابـتــدرنــا قاصـديــن إلهنـا *** فـــلــولاه مــا كــنـا لحـج سلـكـنـاه

وســرنا إلـيــه قاصـديــن وقـوفنـــا *** عـلـيـه ومن كــل الـجـهـات أتينـــاه

علــى عـلـميــه للوقـــوف جلالـة *** فلا زالتا تحـمى وتـحــرس أرجـــــاه

وبـيـنهـمــا جــزنــا إليــه بزحـمــة *** فيا طـيـبها لـيـت الزحـام رجـعـنـــاه

ولمــا رأيـنــاه تـعالــى عجـيجـنــا *** نـلبــي وبالـتـهـلـيــل مــنـا ملأنـــاه

وفيــه نـزلنــا بـكــرة بـذنـــــوبــنــا *** وما كان من ثقل المعاصي حملناه

سبب تسمية عرفات

اختلف العلماء في سبب تسمية جبل عرفات ، حيث يرى الضحّاك أنّ تسمية عرفة ترجع إلى بداية الخلق. وهي نقطة التقاء أبونا  آدم -عليه السلام- وأمنا حواء بعد نزولهما من السماء إلى أرض الدنيا.

وقد أخبر ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم عليهما السلام المناسك، فيقول:” عرفت، عرفت!” فسمي”عرفات”.

واتفق علماء آخرون إلى أنه  سمي عرفات  لأن  الناس يعترفون  فيها بالذنوب.

 

ما يستحب لغير الحاج

 

كثرة الدعاء

اعظم الدعاء يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة ) صححه الألباني في كتابه السلسة الصحيحة.

وقال الإمام النووي: “فهذا اليوم أفضل أيام السنة للدعاء، فينبغي أن يستفرغ الإنسان وُسْعَهُ في الذكر والدعاء وقراءة القرآن، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه ويذكر في كل مكان، ويدعو منفردًا، ومع جماعة، ويدعو لنفسه ووالديه وأقاربه ومشايخه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه وسائر من أحسن إليه وجميع المسلمين.

 

الصيام

 حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيام يوم عرف،  فعن هنيدة بن خالد-رضي الله عنه- عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر : أول اثنين من الشهر وخميسين) صححه الألباني في كتابه صحيح أبي داود.

كما جاء فضل خاص لصيام يوم عرفة دون هذه التسع قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن صيام يوم عرفة : “يكفر السنة الماضية والسنة القابلة” رواه مسلم في الصحيح

يوم عرفة، هذا اليوم الجليل والموقف العظيم، نبع صاف من الإيمان  وقلوب تهفو لخالق عظيم، غفار للذنوب ومجيب لدعوة المضطرين.

في هذا اليوم العظيم أتم فيه الرسول الكريم  هذا الدين العظيم ورضي لنا الإسلام دينا. “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا”. المائدة 5

فضلا على أنه يوم عيد للواقفين بعرفة، رافعين أكفهم وقلوبهم خاشعة همها نيل رضوان الله وجناته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام ” (رواه أبو داود وصححه الألباني)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.