دين وحياة

الحج: السعي أنثى

بقلم رحاب الخترشي

المشهد : أم تحمل رضيعا في الصحراء…

من هي؟ احترت في تقديم تعريف يفيها حقها، تلك التي اختزلت خطاها أكثر المعاني تعقيدا: الأمومة والإيمان المحفور باحرف من نور في القلب. إنها السيدة هاجر رضي الله عنها زوجة خليل الله إبراهيم، الأم الساعية و المسلمة لله كل التسليم

لي ان أدعي أن يقينها بالله تعالى يضاهي يقين الأنبياء و الصالحين، بل ان التحدي الذي إمتثلت اليه قد يكون أكثر صعوبة.. ذلك أن الأنبياء يتأتى يقينهم من مخاطبة الله لهم، لكن هذه المرأة لم تر انعكاس لله  إلا بقلبها وحسها وفطرتها. لهذا  تحديدا، لا بُدّا من الوقوف على هذه الشخصية الآسرة التي يسير  المسلمون على خطاها  في مناسك الحج.

في معنى السعي

رحاب الخترشي
رحاب الخترشي

يتجاوز لفظ السعي عند العرب و في القرآن معنى المشي و الهرولة، ففي كلام العرب نجد : (يسعى فلان على أهله) و (سعى الشخص أي جد و نشط و من ولي شيئا على قومه فهو ساع عليهم).

و يظهر لفظ السعي في القرآن في ثلاثين موضعا، و كأن في ذلك تأكيدا على قيمة السعي. فاستعمالات كلمة السعي تقع في الأفعال المحمودة و التي تتسم في الأغلب بمسحة من الإرادة و العزيمة، فيقول الله تعالى في الآية الكريمة ” و من آراد الآخرة سعى لها سعيا “.

ويبدو مثل السيدة هاجرا درسا في الإرادة و العزيمة، فهذه المرأة لم تظل في حالة ركود حين تركها إبراهيم في ذلك المكان المقفر، اذ لم تنتحب أو تتذمر، بل تحركت يمينا و شمالا، ذهابا و إيابا بين الصفا و المروى. ولعل هذه الحركة التي ربما بدت غير ذات جدوى في صحراء قاحلة موحشة، كانت سببا في إستجابة الله لها. فالله يحب سعي الإنسان في الارض ويمجد الحركة  ويبغض الركون والاستكانة، رغم ما قد يبدو من استحالة العثور على الماء، خاصة وأن هاجر قد جابت المكان سبع مرات فلم تعثر على شيء، لكنها لم تستسلم بل واصلت السعي والحركة، ولم يهدأ لها بال حتى تفجرت عين بالقرب من إبنها اسماعيل عليه أفضل الصلوات و السلام.

رمزية الأب تقابلها رمزية الأم في الحج

يطوف الحجاج بالكعبة إقتداءا بأبينا إبراهيم في حركة دائرية تشبه حركة الكواكب، وفي  المقابل يسعون بين نقطيتين أفقتين  إقتداءا بسعي السيدة هاجر و إن لفي هذا حضورا لرمز الذكر و الأنثى , الأب و الأم.

ينخرط  الرجال و النساء في هاتين المنظومتين دون تمييز واحدة عن أخرى، فتمشي النساء على خطى الذكر و يمشي الرجال على خطى الأنثى فيتساوى  الجنسان بشكل واضح و جميل أثناء الحج. و كما جعل الله من طواف أب الأنبياء أسا من أسس الحجج كان سعي هاجر بين الصفا و المروى كذلك أيضا.

حركة السعي حركة الأمومة

حركة الطواف حركة أبوية ارتبطت ببناء البيت و تشييده الذي يقوم الأب به في العادة، بينما تظهر حركة السعي مليئة بعاطفة الأمومة و الحنان، فالأم شخص دائم السعي و التضحية، باعتبارها تحمل الآخر معها (الإبن)  أينما ذهبت و حلت. لا يهدأ بال أم طالما يعيش إبنها العطش حتى تجد من ذلك مخرجا، تلك قيمة الأمومة التي يختزنها نموذج السيدة هاجر رمز الأمومة، فسعيها لا يمثل فقط سعيا ماديا بين جبلين، بل هو سعي بين الأنا و الآخر بين الأنانية و بين العطاء بين الراحة و الشقاء, الخمول و الفعل إذ يقول الله تعالى”وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”

الإيمان الخالي من الشك 

بعد أن أخبر خليل الله السيدة هاجر بأنه سيتركها هي و إبنها في واد مقفر قالت “يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي، الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟!

و عندما علمت أنه أمر الله قالت ” إذن لا يضيعنا..”

و لو تأملنا قليلا في هذا الكلام، بعيدا عن التأثر و العاطفة، أو التسليم بأن هذه طبيعة زوجات الأنبياء،  لنهلنا  من قصتها أبلغ معاني الطمأنينة وتسليم النفس للخالق عز وجل. فكيف لامرأة  مرضعة أن تمتثل لبلاء كهذا؟

نعم، هو بلاء ليس مثله بلاء أن تسمع أم بكاء ابنها الجائع واستغاثته وأنينه، وترى امكانية هلاكه أمام ناظريها، لكنها تسلم أمرها لله وتضع فيه ثقتها وتوقن برحمته وأنه لن يضيعها ووايدها وتضل تسعى كي يبارك الله سيعها ويتغمدها بفضله ويكلأها بنعمته وينقذها وفلذة كبدها من موت محقق.

يقول الله تعالى  «ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين»، وقد تجلدت هاجر وصبرت فلم يلتها الله  وفجر عين زمزم بالقرب من الوليد اسماعيل، فانبثقت الحياة مع دبيب خطاها ولهفة دعاها.

ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون“.

 

رحاب الخترشي محررة في مجلة ميم وباحثة تعد رسالة ماجستير في علم الاجتماع 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق