ثقافة

إبراهيم: من الرعب الوثني إلى السكينة الصوفيّة

ثنائيّة التقويض والتأسيس

 

في البدء أُلقي بالإنسان الأوّل في العالم، وكان خائفًا. فهو لا يعرف الأشياء الّتي تحوّطه من كلّ جانب معرفة دقيقة، وهو يجهل طبيعة هذه الكائنات الّتي ترتع في مجاله الحيويّ، تقاسمه الأرض والغذاء، وتهدّد سلامته.

وعندما دجّن في بداياته الحيوانات، بعد أن استقرأ ردود أفعالها وحيلها وأسلحتها، لم يفهم ماهيّتها جيّدًا وأسرارها الداخليّة، وهذا ما جعله يهابها ويعبدها رغم قدرته على اصطيادها.

ثمّ اكتشف النار، وتقدّم خطوة أخرى في الحضارة، بتطويعه هذا الوحش لإنتاج الدفء والنور والطعام الطيّب، لكنّه لم يفهم جوهرها الحارق، ولم يعرف من أين يأتي اللهب وأين يذهب، كما لم يعرف مكوّناته، فهابها وقدّسها.

ثمّ اكتشف النجوم، واستغلّها في معرفة الاتّجاهات، وبعد أن كان بلا دليل، خرج من المتاهة. لكنّ النجوم كانت بعيدة، فهو لم يلمسها ولم يشاهدها عن قرب، فألّهها لجهله بماهيّتها الحقيقيّة.

ورغم التطوّر الكبير الّتي شهدته حضارات الشرق قديمًا على مستوى الطبّ والهندسة والزراعة، سواءً في مصر الفرعونيّة أو في بلاد ما بين الرافدين الآشوريّة البابليّة، فقد كان ينقص ذلك الإيمان القاطع بما وراء الأشياء والظواهر، بأسبابها الخفيّة، وبالقوّة الّتي تحكمها جميعًا.

وعندما ندقّق النظر، نلاحظ بروز شخصيّة بارزة فذّة في مختلف الكتب السماويّة، من التوراة وصولًا إلى القرآن الكريم، وهذه الشخصيّة تجسّدت في النبيّ إبراهيم عليه السلام، الّذي كان علامة فارقة في الوعي الجمعي الإنساني. وسنركّز في هذا المقال على ثنائّيّة التقويض والبناء في سيرته، انطلاقًا من نصوص مقدّسة متنوّعة.

 

1) تقـــويـــض الآلـــهة الّـــتي تُـــلغي الإنســـان:

الخروج عن سلطة الأب: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين” (سورة الأنعام: الآية 74).

من هذه الآية القرآنيّة تتّضح بداية معارضة إبراهيم لأبيه، معارضة لا تحمل في داخلها إجابة واضحة، بل هو سؤال استنكاريّ، سؤال في مقتل تلك البداهة العمياء الأولى. وإن بدا لنا سؤالًا عاديًّا الآن، في هذه المرحلة من تطوّر الوعي البشري، فإنّه في تلك العصور، سؤال صادم بامتياز.

فكيف خطر لإبراهيم أن يحفر في أكثر الأمور بداهة وقِدَمًا، الأمور الّتي صنعها الأجداد وسمَّوْها، ثمّ حفظ أسماءها الأحفاد ونَسُوا ماهيّاتها؟ “إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم” (سورة النجم: الآية 23).

هذا هو المحرّك الأوّل لشخصيّة إبراهيم، السؤال وعدم الطمأنينة للأفكار والحقائق المؤبّدة، وهو درس خطير في عصور عرفت رعب الإنسان الأوّل من الظواهر الطبيعيّة والحيوانات. كان الإنسان الأوّل يبحث عن الطمأنينة، ولعلّ الجهل هو الّذي أرعبه حتّى صنع لنفسه خيالات وأساطير يسكنها وتشعره بالإطمئنان، أساطير كلّها أجوبة ورؤى خرافيّة، ولا أسئلة هناك. فالإنسان في ذلك الوقت يخاف أن يسأل. وهذا ما ميّز إبراهيم عن غيره. ولكنّ جواب أبيه آزر الّذي ينتمي إلى عالم البداهة، كان عنيفًا عنف المرعوب من خطر الهدم والتقويض والسؤال: “قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ” (سورة مريم: الآية 46). لو حدث الأمر مع رجل آخر، لاستكان أو هادن أباه، لكنّ إبراهيم واصل في تمرّده على أبيه وهجره، لأنّه ببساطة لم يجد إجابات شافية.

التمرّد على الحكم الإطلاقي: بعد حادثة التمرّد على أبيه آزر، صانع الأصنام، أثار إبراهيم جدلًا حادًّا بأن حطّم الأوثان الّتي كانت في معبد مدينته. وهنا يتحوّل التمرّد من تمرّد إبن على أبيه إلى تمرّد رجل على نظام برمّته، بتمظهراته الأخلاقيّة والاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة.

ولهذا السبب قُبض عليه، وحُمل إلى الملك/الإله، النمرود، كي يُعاقب على فعلته أو يُستتاب. ولكن هل يُستتاب من شرع في تأسيس وجوده وتتبّع سبيل الحقيقة؟

لقد كان ردّ إبراهيم قاسيًا على النمرود الّذي لا يُناقَش، فالملوك حينها كانوا يتميزون بخاصيتين أساسيتين: فمن جهة، كانوا يتستّرون ولا يُظهِرون أنفسهم إلّا لبعض الخاصّة من الكهنة أو الوزراء المقرّبين، وهذا ما جعل صورة الملك في المخيال الشعبي مجهولة، غامضة تمامًا مثل النجوم البعيدة أو السماء أو أعماق المحيطات والأنهار. لذلك عَبَدَته الرعيّة لجهلهم به وتوجّسهم منه.

ومن جهة أخرى، تميّز الملوك في تلك العصور باحتكارهم القراءة والكتابة، وبما أنّ للّغة قداستها خاصّة في بداياتها، فإنّ هذا الشرف كان دليلًا على التمايز والألوهيّة.

ونستنتج من هذا الأمر أنّ إبراهيم وقع في موقف آخر لا يُحسد عليه. ولكنّ المفاجأة هي هذه المقاومة الهادئة، الحكيمة والمصمّمة الّتي أبداها، في مشهد يسبق مشَاهِد محاكم التفتيش المسيحيّة في القرون الوسطى، ومحاكمات المفكّرين والكتّاب المسلمين في حكم خلفاء كثيرين.

لقد تمرّد إبراهيم على الملك/الإله إرضاءً لإنسانيّته، وعرّض نفسه للحرق، إنّها ملحمة سابقة لأوانها، سيكرّرها التاريخ مع العالم جوردان برونو لاحقًا. وليست النار الّتي أُلْقِيَ فيها إبراهيم إلّا نار الأسئلة الحارقة الّتي اختمرت في داخله، وما البرد الّذي أنزله الله إليه وهو بين ألسنة اللهب، إلّا برد اليقين.

القطع مع ذبح الإنسان باسم الإله: لقد كانت العلاقة بين الإنسان والمقدّس، في عصر الديانات الوثنيّة، علاقة براغماتيّة محضة. فلئن حاول الإنسان قديمًا أن يروّض الطبيعة ويتحكّم فيها، فإنّه لم يلبث في صراعه هذا حتّى ألّهها وعبدها للتقرّب من الظواهر الطبيعيّة في ذاتها، كي يحدّ من غضبها ويحصد فوائدها وخيراتها في ظلّ عجزه عن فعل ذلك عَمَليًّا. 

وبما أنّ هذه العلاقة تأسّست على ما هو نفعيّ بالأساس، فقد ضحّى العابد بأثمن ما يملك لينال رضا الطبيعة النفيس ويحصد خيراتها الثمينة، وهذا ما جعله يقدّم عطايا باهظة كالجواهر والأحجار الكريمة والذهب، بل وصل به الحدّ إلى تقديم قرابين بشريّة كتعبير عن حجم تضحيته ورضوخه اللا مشروط للآلهة.

وكمثال على ذلك، كان الفراعنة يقدّمون أجمل عذراء كقربان لنهر النيل سنويًّا، يلقون بها في مياهه تجنّبًا لفيضاناته المخيفة. وفي حضارات أخرى مثل الحضارة الآشوريّة والفينيقيّة والقرطاجيّة، كان الآباء يقدّمون أبناءهم كقرابين يذبحونها للتقرّب من الآلهة.

ويمكن أن نستخلص في ظلّ مناخ الرعب السائد حينها، أنّ قصّة النبيّ إبراهيم الّتي تعرّض فيها لاختبار النحر، ليست إلّا سببًا للقطع مع تقديم القرابين البشريّة باسم المعبود، فلا يجوز أن يُذبح إنسان تحت أيّ ظرف أو باسم أيّ مقدّس. وما هذه الخطوة إلّا قطيعة واضحة مع هذه العلاقة البراغماتيّة المبنيّة على الجهل والخوف، وبناء لإيمان جديد ملؤه التأمّل لإيجاد السلام الداخليّ والوصول إلى علاقة مع اللّه قوامها الحبّ.

 

2) بنــاء إيمـــان قوامه اكتشــاف الـــذات والعـــالم:

لقد كانت رحلة إبراهيم الإيمانيّة درسًا مهمًّا في الوعي الجمعي الإنساني، فحين شرع في هدم الإيمان الوثني المتوارث، كان يحاول، في الآن نفسه، بناء أفكاره وإيمانه ورؤيته الخاصّة للعالم انطلاقا من ذاته الخاوية وصولًا إلى ذاته الحيّة.

وقد وردت قصّة إبراهيم في القرآن الكريم، لتصوّر لنا بطريقة بديعة هذه الروح المحترقة بالسؤال، فهو كان يبحث عن القوّة الكونيّة الكبرى، عن سبب الأسباب الأزلي الخالد، لكنّه لم يقتنع بالأجرام السماويّة لأنّها كانت هي الأخرى تكمل دورتها المحدّدة مثلها مثل أيّ كائن آخر، يظهر ثمّ يغيب أو يزول.

ومن هنا يخرج هذا الاستنتاج التوحيديّ الأوّل من الفطرة الصرفة، من التأمّل الخارق في الذات: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا” (سورة الأنعام: الآية 79). هكذا كانت بداية الرحلة الإيمانيّة الإبراهيميّة الّتي كان محرّكها حبّ المعرفة، ووقودها الشكّ، ولكنّها رحلة لم تنتهي بطمأنينة مطلقة أو دغمائيّة جديدة، بل صاحبها الشكّ والتأمّل في كلّ مراحلها.

وهنا لا بدّ أن نُشير إلى سؤال إبراهيم عندما أصبح في خريف العمر، لربّه عن كيفيّة إحياء الموتى. وهو سؤال قابله سؤال إلهيّ استنكاريّ ذا دلالة عميقة: “أَوَلَمْ تُؤْمِن”، إذ كان يعرف الإله الواحد أنّ الشكّ طبع إنسانيّ بامتياز، لكنّه بسؤاله هذا كان يستدعي إجابة إبراهيم للتدليل على قيمة هذا الطبع وضرورته لتحقيق الإنساني فينا. وهذا ما أكّده إبراهيم: “بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”. تحيلنا هذه القصّة إلى أنّ الإيمان هو رحلة تأملّية فكريّة عميقة، حين يتوقّف الإنسان عنها يفقد بالضرورة تمايزه على بقيّة الكائنات الأخرى.

كما يجدر الإشارة إلى أنّ هذه الرحلة في أعماق الذات صحبتها رحلة أخرى في المكان. فقد انتقل إبراهيم من بلد إلى بلد، وخاض التجربة تلو الأخرى. وقد حقّق بالسفر معرفة مكّنته من أن يكون صديقًا للفرعون ومعلّمًا لكهنته حسب ما ورد في التوراة.

ولعلّ كلّ هذه الاستنتاجات الّتي استخلصناها من شخصيّة هذا النبيّ إلّا دليل واضح على أنّه مثّل قطيعة مع عصور الآلهة الّتي تُلغي الإنسان وتأسيسًا لإيمان جديد يقوم على الشكّ والنقد والحوار والتأمّل الذاتي العميق.

كما نلاحظ أنّ اللّه اعتبر إبراهيم خليله، وهذا ما يفسّر تغليب مفهوم العشق الإلهي على مفهوميْ الخوف والطمع، كما هو الحال في الديانات الوثنيّة. وقد أخبر عن ذلك في القرآن الكريم قائلًا: “واتّخذ اللّه إبراهيم خليلًا” (سورة النساء: الآية 125).

ونفهم قوّة هذه الصداقة العميقة من تشجيع الربّ لإبراهيم على المضيّ قُدُمًا في نحت كيانه الخاصّ، وبلوغ أعلى المراتب الإنسانيّة. فهو يخاطبه في التوراة قائلًا: “لا تخفْ يا أبرام. أنا تُرسٌ لك” (سفر التكوين: 1/15) بل ويدعوه إلى أن يكون كاملًا قويًّا بفكره وارتحاله في المعنى والذات والعالم المادّي “سرْ أمامي، وكُنْ كاملًا..” (سفر التكوين: 1/17)

 

مــــهــدي الغـــانمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.