مجتمعرائدات

ملك حفني ناصف: رائدة التحرر والاصلاح في مصر

رائدات

مجلة ميم القاهرة- أسماء شحاتة

تعد حفني ناصف واحدة من أهم أركان النهضة الأدبية في مصر، وممن أرسوا دعائمها على هدي من تراث الإسلام وثقافة العرب، عملت بالقضاء وأسهم في إنشاء الجامعة الأهلية التي أصبحت فيما بعد جامعة القاهرة، وختمت حياتها بكتابة المصحف على الرسم العثماني الذي كاد ينطمس واستغرق منها هذا العمل سبع سنوات حتى ضبطت كتابة المصحف على الصورة التي نراها عليه الآن.

نشأتها وتعليمها 

هي الإبنة الكبرى للأديب المعروف حفني ناصف أحد أعلام الأدب واللغة والقضاء في مصر، ولدت في 25 من شهر ديسمبر عام 1886، ليشاء القدر أن يكون يوم مولدها موافقا لزفاف الأميرة “ملك” إلى الأمير “حسين كامل” الذي صار سلطانًا بعد ذلك، فسمّاها أبوها باسم الأميرة تيمنا بالمناسبة التي صادفت يوم ميلادها.

نشأت ملك بين العلم والأدب، ووجدت من أبيها عناية بالغة في تنشئتها بعد ما رآه من ذكاء ونبوغ عليها ، فحفظت سورًا من القرآن، وألمّت بدروس اللغة العربية، ومبادئ الفرنسية، ثم التحقت بالمدرسة “السنية” بالقاهرة والتي كانت المدرَسَة الوحيدة المختصة بتعليم البنات.

برزت ملك في مجال دراستها حتى تمكنت من الحصول على الشهادة الابتدائية وهي في الرابعة عشرة من عمرها ، والتحقت بقسم المعلمات بذات المدرسة للتخرج بعد ثلاث سنوات من الدراسة، وتلقت تدريبا خاصا لمدة عامين أهلها للعمل في المدرسة السنية التي تخرجت فيها عام 1905.

باحثة البادية 

كان لدى ملك منذ نعومة أظافرها ميول ظاهر لكتابة الشعر والأدب. نظمت أول قصيدة لها في رثاء السيدة عائشة التيمورية التي توفيت عام 1902، لتكون أول قصيدة تنشر لها في الجرائد ويبدأ اسمها في التردد بالمحافل الأدبية.

تخرجت عام 1903 وعملت بالتدريس حتى عام 1907 أين تزوجت أحد أعيان الفيوم. وكانت فترة زواجها هي أغزر الفترات إنتاجا وفكرا ، بدأت خلالها تنشر مقالاتها وقصائدها الشعرية تحت اسم “باحثة البادية”، اللقب الذي عرفت به حينما أقامت في الفيوم بعد زواجها لتتعرف عن قرب على ظروف العيش السيئة للمرأة المصرية العادية، وتشرع في الدعوة إلى الإصلاح وتحرير المرأة بما لا يتعارض مع الدين والتقاليد.

قامت ملك ناصف بتأسيس “اتحاد النساء التهذيبي”، ليضم الكثير من السيدات المصريات والعربيات وبعض الأجنبيات، والذي يهدف إلى توجيه المرأة إلى ما فيه صلاحها، والاهتمام بشؤونها، كما كوَّنت جمعية لإغاثة المنكوبين المصريين والعرب، وكانت الأساس لما عُرِف فيما بعد ﺑـ ” الهلال الأحمر” وذلك إبان اعتداء إيطاليا على طرابلس، الأمر الذي جعل مصر تهبّ لنصرتها.

“إن قلبي ليتصدع من أحوال هذا المجتمع الفاسد

(ملك حفني ناصف)

وكان من مهمات الجمعيّة التي شكلتها إرسال المعونات من أغطية، وملابس، وأدوية،  لضحايا هذا العدوان ،وأقامت بمنزلها بالقاهرة مدرسة لتعليم الفتيات مهنة التمريض، وكفلت لهذه المدرسة كل احتياجاتها من مالها الخاص.

كما بدأت في إنشاء مشغل للفتيات وملجأ للمعوزات، وقررت أن توقف خمسة وثلاثين فدانا على انجاز المشروع، إلا أن موتها حال دون ذلك.

وكانت “باحثة البادية” من أوائل الداعيات إلي حقوق المرأة، وبدأت في الإعلان عن رأيها بصحيفة المؤيد ثم توالى نشر مقالاتها في “الجريدة” حتى جمعتها كلها في كتاب خاص تحت عنوان ( النسائيات ) .

تجربة مريرة تتحول كتابة ونشاطا 

تركت تجربة الزواج في نفس ملك ناصف أثرا سلبيا ظهر جليا في كتاباتها الأدبية التي حملت الكثير من الحزن والمرارة، فكانت الكتابة والنشاط الاجتماعي متنفسها. طفقت ملك ناصف تنشر بغزارة   في الصحف وتتردد على الأندية والمجامع، بعد أن أخفى زوجها عليها عليها خبر زواجه من ابنة عمه دون علمها.

كما اكتشفت أنه كان عقيمًا لا ينجب ونسب ذلك إليها لا إلى نفسه، فتعرضت لكثير من الضغط النفسي والمجتمعي والسخرية لعدم قدرتها على الإنجاب ، وحينما علمت بالمصادفة حقيقة الأمر زادت نفسيتها سوءا وظهر هذا بشكل واضح في رسائلها المتبادلة مع الشاعرة مي زيادة.

فكشفت في رسائلها الخاصة عن محنة شاعرة، أديبة، مع مأساتها العاطفية، فاحتوت رسائلها علي اعترافاتها الخاصة، ولوعتها في علاقتها بالرجل

 

آلامي أيتها السيدة شديدة، ولكني انقلها بتؤدة كأني أجر أحمال الحديد، فهل تدرين يا سيدتي ما هو لي؟ ليس لي بحمد الله ميت قريب ابكيه، ولا عزيز غائب أرتجيه، ولا أنا ممن تأسرهم زخارف هذه الحياة الدنيا، ويستولي عليهم غرورها، ولكن لي قلباً يكاد يذوب عطفاً، وإشفاقاً علي من يستحق الرحمة، ومن لا يستحقها، وهذه علة شقائي، ومبعث آلامي، إن قلبي يتصدع من أحوال هذا المجتمع الفاسد

وتقول في رسالة أخري إلى مي زيادة عن ذكرياتها مع زوجها

لماذا يا مي تدعين علي بالعذاب المعنوي، إنما العذاب البدني أخف منه وطأة، وأعفي أثراً، علي انني جربت كليهما وذقت الأمرين منهما معاً…تقررين انه النار التي تحيي، نعم يا مي، إنه أحيى روحي حتي أحرقها، لأنه كان كمصباح سيال كهربائي شديد

فلا شك أن تجربتها في الزواج قد جعلتها تمر بتجربة عاطفية ايجابية، ما لبثت أن تحولت إلي سلبية بعد طلاقها، ففي جملة واحدة وصفت البداية والمأساة، حين قالت:

أحيى روحي حتي أحرقها“،

حتي أن مي حين تعرضت لتجربة ملك الذاتية في كتابها “باحثة البادية” قالت معلقة

بل هو اضطراب قلب جالت فيه المرأة مكونة أنات.. إن هذه الفقرة لا يكتبها إلا قلب امرأة“.

 

الحجاب معركة لا تنتهي 

في أثناء هذه الفترة كانت تدور معركة قلمية حامية الوطيس بين دعاة السفور وأنصار الحجاب، وبلغ من حدة المعركة أن اشتبك فيها الكثيرون من رجال الأدب والفكر وكانت هذه المعارك من آثار الضجة التي أشعلها كتاب تحرير المرأة والمرأة الجديدة لقاسم أمين.

فكان من المنطقي أن تنزل باحثة البادية إلى الساحة متسلحة بثقافتها الواسعة وتنشئتها المعتدلة ومعرفتها بأحكام الشرح ومبادئه ، ففندت آراء الداعيين إلى خلع الحجاب والذين أرجعوا تأخر الشرق إليه فكان لها كلمة مأثورة قالت فيها : “ إن الأمم الأوروبية قد تساوت في السفور، ولم يكن تقدمها في مستوى واحد، فمنها الأمم القوية، ومنها الأمم الضعيفة، فلماذا لم يسوّ السفور بينها جميعا في مضمار التقدم، إذا كان هو الأساس للرقي الحضاري كما يزعم هؤلاء.

 

مقاومة وإصلاح 

كانت ملك ” باحثة البادية”  تخص صحيفة الجريدة التي كان يقوم عليها أحمد لطفي السيد بمقالاتها، التي كانت تدعو فيها إلى وجوب تعليم المرأة، باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحرير عقلها وتقويم أخلاقها، وقد جمعت هذه المقالات في كتاب من جزأين تحت عنوان “النسائيات”، ونشرته عام 1910 نشر الجزء الأول منه وكان يضم 24 مقالا، وخطبتين وقصيدة واحدة وظل الجزء الثاني محفوظا كمخطوطات لم تنشر حتى اليوم ، كما أن لها كتاب آخر بعنوان ( حقوق النساء ) حالت وفاتها دون إنجازه.

واتجهت باحثة البادية إلى الخطابة وإلقاء المحاضرات العامة على السيدات في دار الجريدة وفي الجامعة المصرية، وفي الجمعيات النسائية، وكانت خطيبة مطبوعة ذات تأثير في نفوس سامعيها، حتى إن “أحمد زكي باشا” الملقب بـ “شيخ العروبة” كان يُثني عليها، ويقول بأنها أعادت العصر الذهبي الذي كانت فيه ذوات العصائب يناضلن أرباب العمائم في ميدان الكتابة والخطابة.

من ناحية أخرى مثلت ” باحثة البادية ” المرأة المصرية في المؤتمر المصري الأول عام ١٩١١م لبحث وسائل الإصلاح، وقدَّمت فيه المطالب التي تراها ضرورية لإصلاح حال المرأة المصرية.

وتلخّصت اقتراحات “باحثة البادية” في عشر نقاط، رأت أن المطالب التي قُدِّمت إلى المؤتمر ليتوفر على درسها قد خلت منها، فسارعت إلى تقديمها، وتتلخص في:

  • تعليم البنات الدين الإسلامي الصحيح
  •  تعليم البنات التعليم الابتدائي والثانوي
  •  تعليم التدبير المنزلي والصحة وتربية الأطفال
  •  تخصيص عدد من البنات لتعلم الطب وفن التعليم حتى يقمن بكفاية النساء في مصر
  •  اتباع الطريقة الشرعية في الخِطْبة، والالتزام بالحجاب.

وفاة باحثة البادية 

هدى الشعراوي
هدى الشعراوي

توفيت ملك حفني ناصف في الحادي عشر من محرم عام 1337 هجريا الموافق يوم السابع عشر من أكتوبر من العام 1918 عن عمر يناهز الـ 32 عام بعد إصابتها بالحمى الإسبانية، فشيتعها إلى مثواها الأخير سيدات عصرها كان على رأسهن هدى شعراوي ، وكانت ملك حفني ناصف أول امرأة يتم إقامة حفل تأبين لها والذي أقيم في جامعة القاهرة واشترك في رثائها حافظ ابراهيم ومي زيادة ومصطفى عبد الرازق وهدى شعراوي وخليل مطران.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ملك حفني ناصف: رائدة التحرر والاصلاح في مصر”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق