مجتمعبيت وأسرة

العربية تُنجب والأجنبية تربي

تربية: ظاهرة الالتجاء الى المربيات الأجنبيات وآثارها الاجتماعية والثقافية

لم تعد ظاهرة تشغيل الخادمات الأجنبيات حكرًا على طبقة الأثرياء، فهي آفة شاعت حتى بين الطبقات المتوسطة الدخل في مختلف دول العالم العربي. خادمات يَحْمِلْن جنسيات إفريقية وآسيوية و يَتحدثن بلغاتٍ غير العربية ويمارسن طقوسا غير طقوسنا الدينية، تُوكل إليهن مسؤولية تربية الناشئة العربية.

2,4 مليون خادمة بمنطقة الشرق الأوسط

حسب منظمة العمل الدولية تشتغل حوالي 2,4 مليون خادمة بمنطقة الشرق الأوسط جلهن يستقدمن

  من الدول الأكثر فقرا في العالم مثل النيبال والفلبين وسريلانكا، إضافة إلى بعض الدول العربية.

وتعتبر المملكة العربية السعودية الأكثر استخداما للخدم المنزلي حيث تمثل الخادمات المنزليات أكثر من 12 بالمائة من نسبة المهاجرين في السعودية.

أما في لبنان  فيوجد ما يقارب 200 ألف عاملة أجنبية منهن 85 ألف عاملة سيرلانكية بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

فيما يتوافد على الامارات العربية المتحدة ما يزيد عن 146 ألف عاملة منزلية. وعمان نحو 130 ألف عاملة قادمات  من آسيا والفلبين وإندونيسيا وبنغلادش وسريلانكا و النيبال.

وتشير آخر إحصائيات  2014 لمنظمة العفو الدولية، أن 84 ألف عاملة منزلية مهاجرة في قطر يقع استقدامهن في الغالب من بلدان جنوب آسيا وجنوب شرقها.

تغيرات اجتماعية وراء اللجوء للمربية الأجنبية

وتؤكد جملة الدراسات  أن الأسباب الرئيسيّة لتعاظم حضور الخادمات الأجنبيات في المجتمعات العربية وخاصة الخليجية منها،  يعود إلى الطفرة الاقتصادية التي تشهدها والتغيرات الاجتماعية التي تمر بها، مع خروج المرأة المتزايد للفضاء العام وقضائها جزءا كبيرا من وقتها خارج المنزل بعيدا عن الأسرة والأبناء. اضافة الى انخفاض رواتب الخادمات المستقدمات مقارنة بمثيلاتهن المحليات. كل هذا أنتج اعتمادا متزايدا على العمالة الأجنبية في البيوت وحضورا متفاقما لها داخل الأسرة حتى غدت عنصرا ثابتا من عناصرها وجزءا لا يتجزأ منها.

الخادمات و مهمة تربية الأطفال

مع غياب الأم المتزايد عن البيت وانشغالها المطرد عنه،  تعاظم دور الخادمات وامتد ليشمل أدوارا كانت تعد من صميم وظائف ربة الاسرة. لم تعد مساهمة الخادمة في الحياة المنزلية تقتصر على الشؤون المنزلية من تنظيف وترتيب وطبخ،  بل تجاوزتها لتشمل العناية بالاطفال ورعاية شؤونهم من ملبس ومشرب ومأكل وتمريض، منذ يستيقظون صباحا الى ان يخلدوا للنوم مساءا.

بل إن “المربية” غدت المرافق الأول للطفل، يُمضي معها جل أوقاته، هي من تناغيه وتهدهده وتهدئه اذا بكى،  كي لا يزعج صوته والدته وضيوفها وهي من تلاعبه وتسلية إذا شعر بالملل.

السؤال الذي يُطرح إذا “هل المربية مؤهلة لملء الفراغ الذي تتركه الأم والقيام على مهمة التربية والتنشئة ورعاية الأبناء والعناية بشؤونهم؟

هل يمكن تقسيم حاجيات الطفل بين مادية وعاطفية؟

الجواب هو قطعا لا، فالأم تبث حنانها لطفلها وتطبعه بروحها في كل ما تقوم به من اجله، اذا ايقظته صباحا وأطعمته بيدها وغسلته واعدت ثيابه وساعدته على ارتدائها وعلمته كيف يعتمد على نفسه للقيام بهذه المهام بنفسه، وهي تحادثه وتداعبه وتمازحه وتوجهه وتعلمه الكلمات وتفسر له الظواهر والأشياء في الآن نفسه. فالعواطف والقيم مبثوثة في كل ما تقوم به الأم مع طفلها و لا فرق بين المادي والمعنوي في علاقة الأم بطفلها.

العواطف ومشاعر الأمومة تفيض تلقائيًا من قلب الأم إلى أبنائها وتنساب في كل مناحي تعاملها المباشر معهم واحتكاكها اللصيق بهم وتفاعلها الدائم معهم، تشعرهم بالأمان والانتماء لها والاستقرار والرعاية والثقة في أنفسهم وفِي العالم من حولهم.

حتى إذا غابت اختل عالمه واهتز وشعر بالتَصَحُّر العاطفي والضياع وانعدام القيمة والأهمية، مع أُمٍّ لا تمنحه الوقت الذي يشعر فطريا انه يستحقه ولا تضعه في مركز عالمها بشكل عملي ملموس في عاداتها وطريقة حياتها وتقسيمها ليومها.

كل هذا يولد شعورا بالاغتراب والتجاهل والحنق والتوتر،  الذي ينعكس في سلوكيات الطفل العدوانية مع من حوله وشعور بالاكتئاب والغضب والبكاء الزائد والرغبة في جلب الانتباه عبر الإفراط في الدلال والصخب أو السلوكات المتشنجة والعنيفة.

وعند بلوغ الطفل سن المراهقة مع التغيرات الهرمونية المصاحبة له تطفو هذه المشاعر المتراكمة طيلة سنوات الطفولة،  فتَتَخِّذ مَنْحًى انفجاريًّا ينعكس في تازم العلاقة مع الوالدين، الذين يشعر المراهق بالاغتراب عنهما بعد ان اخفقا في بناء جسور التواصل معه في سنواته الاولى ويشعر بالحنق تجاههما والنفور منهما والبحث عن الاشباع المعنوي والنفسي بعيدا عنهما.

زرع الثقافة الغريبة في عقلية الطفل

كيف توكل مهمة تربية الأبناء لغريب لا يشترك معك في اللغة ولا الثقافة ولا التاريخ والقيم؟ منها يتعلم كلماته الأولى وهي التي ترطن بلسان هجين كلماته خليط غريب من الجمل البسيطة المعوجة بلسان لا يتقن نطق حروف الضاد ولا مخارجها، ولا يفقه معانيها؟ ثم إن اللغة خزان للمعاني والقيم، فكيف تنقلها من هي حديثة عهد بها؟

إن الطفل يولد صفحة بيضاء تخط فيها الأم والأب ما يريدان من معرفة  وقيم ومعان وأخلاق وعادات وتقاليد، تشكل نظرته لنفسه وللعالم من حوله وتوجه سلوكه تجاه أسرته ومحيطه الأكبر وتحدد طبيعة علاقته بالناس والأشياء، وكما يقولون”التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”.

لا أحد يعوض دور الأم

 التنشئة من أولى وأخطر العمليات التربوية و التعليمية منذ الولادة، فهي الدعامة التي ترتكز عليها شخصية الطفل، ومصدره الأساسي للقيم والرموز الاجتماعية الصحيحةوالمهارات التي يواجه بها معترك الحياة وتمنحه الاستقرار والتوازن

كل هذه االوظائف الأساسية تمر عبر الأم  ولا يمكن للخادمة، أجنبية كانت أم محلية، أن تملأ الفراغ الذي تتركه لدى ابنها اذا غابت. لذلك، مهما باعدت ضغوط الحياة بين الأم وطفلها،  فلا بد لها من تعويض الوقت الذي تنشغل عنه خلاله بعملها  واجتماعاتها أو مواعيدها مع صديقاتها. فهي مركز عالمه الذي يمنحه الاستقرار والتوازن والتجذر وملجؤه العاطفي والنفسي ومدرسته الأولى للقيم والكلمات والمعاني. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد