مدوناتالرئيسيثقافة

الإِسلام والجنس

فكر

ثنائية الروح والجسد

يعتقد بعض الفلاسفة الثنائيين أن العقل والجسد غير متوائمين، بل متصارعان في احيان كثيرة.  وينزع بعض الفلاسفة كافلاطون، إلى تفسير  فلسفة الروح و الجسد على انها التخلي عن إرادة الحياة الإقبال على الموت والتوق الدائم إلى الانعتاق من سجن الجسد، بغية الالتحاق بعالم الروحانيات الخالص.

وتعتبر ثنائية “الروح والجسد” قطب رحى النظرية الأفلاطونية  والفلسفات الثنائية المتفرعة عنها. فالروح أو النفس تعود إلى عالم المثل بعد أن تغادر الجسد عند الموت، فهي مصدر الانفعالات والفكر والوعي”.  ويستدل على وجودها بتذكر المثل وتعقل المجردات، وتدبر البدن وضبط تصرفاتهما. اما الجسد فعتمة تقابل نورها.

وبما أن الجسد عاجز عن بلوغ أمهات الفضائل التي يطلبها الفيلسوف، فان روحه تحتقر هذا الجسد أعظم احتقار، تهرب منه وتبحث عن الانعزال عنه. وان كانت هذه النظرة الثنائية قد اثرت في المسيحية الوسيطة، فكيف الأمر بالنسبة للإسلام، ما فلسفة الجسد في القرآن الكريم، وهل نجد فيها صدى لفلسفة احتقار الجسد و إقصائه؟

بعد البحث والتحقيق نلاحظ حضورا كثيفا و غزيرا للجسد في القرآن الكريم، حضور لم يرافقه أن نوع من “التابوهات”، فالنصوص دقيقة الطرح و جريئة في عصرها. فماهي مظاهر حضور الجسد في القرآن الكريم؟

 الجسد ليس مصدرا للفساد

نلاحظ في القرأن أن الله لا يلوم الجسد و لا يجعله  المتهم  في الشر المكين في الإنسان، باعتباره مصدر الغرائز. فالآية الكريمة تقول “ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها ”

كذلك نجد هذه الآية

“إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي”

 فالنفس من المنظور الاسلامي،  بالرغم من ان المؤمن مطالب أن يزيكيها من الفواحش و الغرائز، إلا إنها لا تخرج من دائرة الاتهام. فالله يوجه  إليها الخطاب الذي وجهه للجسد أيضا و هي معنية من الزاوية  الإيمانية  بإرتكابها وإقترافها للمعاصي و الذنوب، بسبب فساد الروح التي تأمرالجوارح بإرتكاب المعاصي، و بالرغم من أن القران يرى الإنسان  مجبولا على الخطأ، الا انه لا يحمل الجسد مسؤولية الخطيئة ويعتبره مدنيا لهذا السبب.

الجسد و الجنس في الإسلام

قد يبدو من الغريب أن يتطرق رجال الدين الى هذه المواضيع المرتطبة بالجنس باعتبار أن  الجنس من المحرمات في الأديان و لكن نجد الكثير من العلماء و حتى الأئمة الذين تطرقوا لهذا الموضوع وأسهبوا فيه.

نجد من هؤلاء على سبيل المثال الإمام السيوطي قبل خمسمائة عام، الذي كتب  كتابًا حول “الحركات الجنسية”. ويقول علي غندور عن الإمام السيوطي “نعم، فقد كتب بالذات العديد من الأعمال حول موضوع الجنس. ومن بين هذه الأعمال كتابان يتناولان الوضعيات في الجنس – حتى بصورة أكثر إثارة للإعجاب مما يرد في الكاماسوترا. والإمام السيوطي تعامل أيضًا من الناحية اللغوية مع هذا الموضوع؛ ففي اللغة العربية يوجد نحو تسعمائة مصطلح للتعبير عن الممارسة الجنسية وحدها.”

كما تطرق عالم الاجتماع التونسي عبد الوهاب بوحديبة لهذا الموضوع الشائك وبرر عن أسباب شروعه في كتابه الجنس في الإسلام”  قائلا

“بالنسبة لي، يمثل هذا الكتاب عملا مهمّا للغاية، ذلك أني أردت منذ البداية ألا أتلاعب مع موضوع معقّد وخطير. موضوع تناوله العديد من الباحثين الأجانب، وعنه كتب الكثيرون في اللّغة الفرنسيّة، خصوصا من قبل الماركسيين الذين كانوا يضعون الديانات كلها في نفس السّلة. وبما أن المسيحية كانت لا تساند الغريزة الجنسية، فإنهم كانوا يزعمون أن الإسلام هو أيضا كذلك. وكان هدفي الأوّل هو إثبات أن نظرة الإسلام للجنس تختلف كثيرا عن النظرة المسيحية القديمة، وأيضا عن النظرة الماركسية التي يعتقد أنها نظرة تحررية”

ويرى عبد الوهاب بوحديبة ان الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته الخاصة وفي علاقته مع زوجاته يمثل نموذجا يجب أن يقتدي به كل مسلم.

إن السلوك الجنسي للرسول يجمع بين الدنيوي (المتعة الجسدية) والديني(المقدس) وهذا ما يجب على المسلم أن يعيه إشباع لذته وفي نفس الآن اعتبارها عملا تعبديا يرجى منه جزاء رباني.

 

والقرآن الكريم حافل بالعديد من المفردات ذات الحمولة الجنسية المباشرة أو المدلولات الرمزية الإيحائية من قبيل النكاح، الزنى، الفاحشة، الفرج، المني، المباشرة، اللمس، الرفث، البغاء، المعاشرة، البكارة. وقد وردت في سياقات أربع حسب الباحث سعيد مولاي تاج وهي

السياق العلمي: من خلال آيات الخلق والنشأة “أنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى” و نجد هذه الآية ايضا “قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا”

السياق اللغوي: عفة في اللفظ وانتقائية بالغة وتكثيف للمصطلح

“نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين”. هذه الآية مثلا جمعت كل فنون وضروب الجنس بأسلوب فيه كناية ومجاز في سياق عبادي، فقد شبهت عملية الجنس بالحرث الذي يتطلب مهارة وعلما ومتابعة وتعهدا، وأيضا ارتباطا عاطفيا ووجدانيا كما يرتبط الفلاح بالأرض، كما أنها جعلت العملية غير محددة لا بزمان ولا بمكان ولا بوضعيات معينة، وليس مثل جنس “الكوشر” عند بعض طوائف الأورثدوكس، “أنى شئتم” أي متى وكيف، “وقدموا لأنفسكم” أي حث على المداعبة

الجسد في مواضع أخرى

يحث الله المؤمن أيضا على خلق التوازن في حركات جسد المؤمن لا فقط في الجنس بل في حياته اليومية فيقول الله تعالى “وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا”

و نجد في موضع آخر  “واقصد في مشيك وأغضض من صوتك” والغاية من هذا هو كبح الغرور الذي يظهر في الجسد و الخشوع للخالق. ويصف الله المؤمنين في موضع آخرالَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ فخشوع الروح يتطلب خشوع الجسد لان التواصل مع الله ليس بمجرد كلمات و دعوات بل هو تواصل جسدي أيضا حين يستكين الجسد للخالق كما تستكين الروح.

يمثل الاسلام دين الواقعية بكل ماتحمله الكلمة من معنى. لم يقمع الجسد و لم يجعله مسؤؤولا عن الشر، بل خاطب النفس و امرها بتقنين رغبات الجسد، كرّه الرهبنة وقمع الشهوات التي وضعها الله فينا ولا يمثل هذا المقال إلا قطرة من بحر المعاني الشيقة  التي تطرق إليها القرآن في هذا المجال الواسع

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد