الرئيسيدين وحياة

الرحلة إِلـــــى الله: قافلة الحج

وأذن في الناس يأتوك من كل فج عميق

يَا رَاحِلِيــــنَ إِلَـــــى مِنًــى بِقِيَـــــادِي *** هَيَّجْتُمُو يَــــوْمَ الرَّحِيـــــلِ فُــــــــــؤَادِي
سِرْتُمْ وَسَارَ دَلِيلُكُمْ يَا وَحْشَتِـــــــــــي*** الشَّوْقُ أَقْلَقَنِي وَصَـــــــوْتُ الْحَــــــادِي
وَحَرَمْتُمُو جَفْنِي الْمَنَــامَ بِبُعْدِكُــــــــــمْ*** يَــــــا سَاكِنِيــــــنَ الْمُنْحَنَــى وَالْـــوَادِي
وَيَلُوحُ لِي مَا بَيْــنَ زَمْزَمَ وَالصَّـــــــفَا *** عِنْدَ الْمَقَـــــامِ سَمِـــعْتُ صَـــوْتَ مُنَــادِ
وَيَقُولُ لِي يَا نَـــائِمًا جِدَّ السُّـــــــــــرَى*** عَــــــرَفَاتُ تَجْلُــــو كُـــلَّ قَلْــــبٍ صَــادِ
مَنْ نَالَ مِنْ عَــــرَفَاتِ نَظْرَةَ سَـــــــاعَةٍ*** نَالَ السُّـــرُورَ وَنَــالَ كُــــــلَّ مُـــــــــــرَادِ

 

إنّ هذه الأبيات الّتي كتبها الشاعر عبد الرحيم البرعي، خلال رحلة حجّه، لَتعبير واضح عن عظمة هذه التجربة الإنسانيّة الخالدة. إنّها تجربة الحجّ الّذي يبدأ بالرحلة الماديّة إلى مكّة، لينتهي بالرحلة الروحيّة بالطواف حول الكعبة الشريفة. وهذه الرحلات الّتي تقطعها القوافل المقبلة من كلّ صوب وحدب إلى بيت الله، ليست إلّا الرحلة نفسها الّتي قطعتها هذه الشعوب زمنيّا كي تتّحد على قبلة واحدة ورسول واحد وإله واحد. إنّه مشهد مبهر يلخّص كلّ العذابات الّتي يعيشها الحجّاج وهم يسلكون رحلتهم، من قساوة الطبيعة إلى خطر اللصوص إلى متاهة الصحراء، من أجل لحظة يتجمّعون فيها كأصابع اليد الواحدة حين تُرفع للدعاء. هذا هو الحجّ، روح الإسلام القائم على سلك الطريق الصعب من أجل الوحدة ونبذ التمييز والعنصريّة والطبقيّة والشرور.

 

 

أول قافلة للحج في الإسلام

في السنة التاسعة للهجرة، قاد الخليفة والصّاحبي الجليل أبي بكر الصديق أول قافلة حج في الإسلام بعد فتح مكة، ضمّت نحو 300 حاج وحاجة، انطلقت من المدينة المنورة إلى مكة.

وبعد وفاة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ساهمت الفتوحات الإسلامية في انتشار الإسلام في بلاد الشام وبلاد الرافدين ومصر وبلدان المغرب العربي.  فضلا عن بروز قوافل الحج، التي  سلكت طرقا برية في قلب الصحراء العربية، قد تستغرق أشهرا ومدة زمنية طويلة للوصول إلى مكة المكرمة  وإتمام الركن الخامس للإسلام.

وقد كانت مهمة حماية موسم الحج، من أسمى المهام التي يتكفل بها سلاطين الدولة العثمانية.

 

السلطان العثماني “حامي الحرمين”

كانت حماية الحرمين الشريفين والعمل على تأمين سلامة الحجاج القادمين من كل بقاع الأرض، من أبرز مهام السلاطين والأمراء، لذلك يلقب كل من أخذ على عاتقه هذه المهام ب”حامي الحرمين”.

وأول من نال شرف هذا اللقب، هو الفاتح والقائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، ثم السلطان العثماني سليم الأول الذي نظم عدة  قوافل للحج، من أشهرها  قافلة الحج الشامي وقافلة الحج المصري وقافلة الحج العراقي واليمني .

 

قافلة الحج الشامي

كان لقافلة الحج الشامي دور هام في تاريخ بلاد الشام ودمشق. وقد ضمت وفودا هائلة من الحجيج تراوحت أعدادهم بين 20 و 40 ألف حاج، يصلون إلى دمشق قبل انطلاق القافلة بأربعة أو خمسة أشهر أو خلال شهر رمضان.

و يفد الحجيج للالتحاق بقافلة الحج الشامي من المناطق الشمالية والشرقية من داخل الدولة العثمانية وخارجها. فتهل آنذاك جماعات من بلاد الشام و الروم والعجم ليلتقوا في نقطة البدء “قبة الحاج”،  ويسلكوا  طريق دمشق البري ثم يتجهون  جنوباً إلى المدينة المنورة، وصولا إلى مكة.

 

قافلة الحج العراقي

تشمل هذه القافلة، حجاج بلاد الرافدين وبلاد فارس، الذين يتخذون اما من الطريق البري بين الكوفة ومكة أو طريق البصرة على الساحل معبرا.

ويعد طريق  الكوفه حلقة اتصال مهمة بين بغداد والحرمين الشريفين، ينسب إلى درب زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد التي امرت ببناء أبنية رفيعة المستوى للحجاج وأحواض المياه وحفر الآبار وإنشاء البرك وإقامة المنارات في هذه الطريق التي يسلكها الحجاج.

 

قافلة الحج اليمني

يتجمع حجاج اليمن والهند وماليزيا وأندونيسيا و حجاج الحبشة والصومال والأفارقة في اليمن، في منطقة تسمى “دار لاملك”،  فيمرون من إحدى الطرق الثلاث  إلى مكة، اما الطريق الساحلي أو الداخلي أو الأوسط،  ومن ثمة يتوجهون نحو الطريق الأعلى، مواصلين مسيرة رحلتهم البرية الشاقة إلى بلاد الحجاز و منطقة “يلملم”.

 

في هذا المكان القريب من مكة المكرمة، يلتقط الحاج أنفاسه ويأخذ قسطا من الراحة  ويحرم استعدادا للبدء في خوض مغامرة الحج.

 

قافلة الحج المصري

رسم لقافلة الحج في القاهرة مع المحمل

تعتبر قافلة الحج المصري من أهم القوافل خلال العصر العثماني، لأنها كانت تحمل كسوة الكعبة المشرفة الجديدة، في موكب خاص وضخم تحت حراسة “أمير الحج”، الذي يعينه السلطان العثماني.

وتضم قافلة الحج المصري الحجاج المصريين و الحجاج الوافدين من دول المغرب العربي وشمال أفريقيا وغربها وبلاد الأندلس. حيث تنطلق  هذه الجموع الغفيرة من الحجاج الميامين من القاهرة خلال الأسبوع الأخير من شوال من كل عام  في اتجاه  سيناء، ثم مكة المكرمة وسط احتفالات عظيمة، عابرة طريق “درب الحج المصري القديم”.

 

الطريق إلى الحج، لم تكن سهلة، فقد تتعرض القافلة إلى عدة مخاطر من قطاع الطرق والسراق والعصابات من البدو وحتى التغيرات المناخية المفاجئة. وهو ما استوجب تعيين حارس شخصي لقافلة الحج، الذي عرف آنذاك بـ “أمير الحج”.

 

أمير الحج

أسند السلطان العثماني هذه المهمة الصعبة إلى الولاة، وفق عدة شروط ومقاييس، منها القوة والقدرة على القيادة وتحمل  المسؤولية و المشاق والصعاب.

ومن أشهر أمراء الحج، تذكر كتب التاريخ والي دمشق،” أسعد باشا العظم”، الذي امتدت ولايته لأربعة عشر عاما واستطاع أن يؤدي مهمته بنجاح، حتى أنه قيل أن قوافل الحج لم تتعرض للخطر والعدوان طيلة فترة إمارته.

 

 

 

 

 

يسهر أمراء الحج على تيسير الرحلة وتوفير سبل الراحة لمختلف القوافل المتجهة إلى بيت الله، فيقومون قبل انطلاق موسم الحج بأشهر باستئجار الدواب من جمال وخيول لحمل متاع الحجيج ومؤونة القافلة وحماية الحجاج من خطر قطاع الطرق، اضافة الى حراسة المحمل والهودج الذي تحمل عليه كسوة الكعبة الشريفة.

 

المحمل في قافلة الحج

رسم لقافلة الحجيج من القاهرة مع المحمل زمن السلطان بيبرس

المحمل أوالهودج هو ركب يحمله جمل على شكل هيكل خشبي يعلوه هرم أو قبة مغطى بالحرير والحلي والنفائس. وكانت تحمل فيه  نسختان من القرآن الكريم وكسوة الكعبة الشريفة.

 

اضافة الى الرمزية الدينية ، يمثل المحمل رمزا للسلطة السياسية الحاكمة، التي تخرج بصحبة القافلة لأداء فريضة الحج. حيث تذهب بعض المصادر التاريخية إلى أن  أول محمل كان سنة 654 هجري، ركبته “شجرة الدر”،  زوجة السلطان الأيوبي الصالح أيوب إلى مكة حين خرجت لأداء فريضة الحج.

 

مشاق صعبة وطرق وعرة ومسافات طويلة، كان يشقها المسلم من مختلف بقاع الأرض لأداء فريضة الحج والوصول لقبر النبي، يحدوه الشوق لله والطمع في نيل رضاه ومغفرته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق