سياسة

لم لا تمنح المرأة جنسيتها لأبنائها؟

لا تزال القوانين التمييزية ضد المرأة سارية في جل المنطقة العربية،  ولعل أشد أنواع الظلم المسلط على المرأة هو عدم تمكّنها من منح جنسيتها لأبنائها إذا كان زوجها أجنبيا. فرغم ما تتحمله الأم من تعب الحمل والولادة والتربية لطفلها، إلا أنها لا تستطيع أن تمنحه هويتها، فيبقى في نظر القانون غريبا، رغم ان دماء أهل تلك الارض تجري في عروقه.

من جملة 22 بلدا عربيا، نجد بعض الاستثناءات المضيئة في هذا المجال، في مقدمتها تونس و السودان والمغرب و الجزائر  والصومال. اما في الامارات فيحصل أبناء الإماراتية على الجنسية شرط إقامتهم معها وبلوغهم الثامنة عشرة.

في العراق أيضا حصلت النساء على هذا الحق . لكن على أطفال العراقيين من آباء أجانب و المولودين خارج البلاد استيفاء شروط صارمة لطلب الجنسية، على عكس أطفال الرجال العراقيين.

وقد كانت تونس سباقة في منح النساء هذا الحق، رغم أن القانون مر بعدة مراحل تدريجية منذ بداية التسعينات إلى حدود سنة 2010. ففي عام 1993 تم إقرار إمكانية منح الجنسية التونسية بتصريح مزدوج من الأم والأب، ثم سنة  2002 تم تنقيح القانون حتى تتمكن الأم التونسية المتزوجة من أجنبي من منح الجنسية لأبنائها بتصريح لها فقط، في حالة عدم وجود الأب أو استحالة أخذ تصريح منه في حالة غيابه أو رفضه أو فقدانه للأهلية.

أما قانون 2010، فقد حقق المساواة المنشودة بين المرأة و الرجل كمواطنين  يتمتعون بنفس الحقوق في منح الجنسية لأبنائهم تبعاً لمنظومة حقوق الإنسان العالمية .

أما في مصر، فقد اقر قانون 2004 منح  الجنسية لأبناء المصريات باستثناء الفلسطينيين بتعلة الحفاظ على الهوية الفلسطينية من الاندثار  داخل  المجتمعات العربية، في سلوك تمييزي واضح. 

في لبنان ايضا لم تتمكن المنظمات الحقوقية، رغم الحملات المتكررة، من تغيير قانون الجنسية حيث لا يحق للبنانية المتزوجة من أجنبي منح جنسيتها لأبنائها. ومن أبرز هذه الحملات،  حملة “جنسيتي حق لي ولأولادي” التي انطلقت سنة 2002 في لبنان وفي عدد من الدول العربية الأخرى. ورغم نجاحها في كل من مصر و الجزائر و المغرب، إلا أن الأمور لا تزال على حالها في لبنان. وتعود أسباب  رفض منح الجنسية لأبناء اللبنانيات، حسب المحللين، إلى تخوف السلطات من الإضرار بالتوازن الطائفي الديموغرافي في البلاد.

اما في الأردن، فلا تستطيع المرأة الأردنية منح زوجها الجنسية أو أبنائها وبناتها إلا في حال ولادتهم على الأرض الأردنية من اب مجهول الجنسية أو اب عديم الجنسية أو لم تثبت نسبته لأبيه بصفة قانونية.

شروط تعجيزية

رغم أن كل بلدان الخليج لا تسمح بتمكين الأطفال من أب أجنبي من الجنسية، تعتبر قوانين الجنسية في المملكة العربية السعودية من أصعب القوانين و الأكثر  تمييزا ضد المرأة ، إذ يعتبر إبنها أجنبيا رغم ان أمه سعودية ابا عن جد. ورغم أن هؤلاء الأبناء يحصلون على شهادة معاملة كمواطنين سعوديين لكنهم يعانون من التمييز، فلا يعيّنون في وظائف حكومية ، ولا يتمتعون بإمكانية الدراسة في الخارج كسعودين، ولا يحق لهم الوكالة على أمهاتهم، أو الحصول على الضمان الاجتماعي .

ومن الشروط التعجيزية للمرأة السعودية اذا ارادت ان يحصل أبناؤها على الجنسية أنها مطالبة بان تُثبت أن جد الأم لأبيها سعودي . فماذا تفعل المرأة إذا كان جدّها توفي قبل تاريخ 1946، تاريخ بداية إصدار ما يُعرف بحفيظة النفوس السعودية؟! واذا لم تُثبت المراة ذلك فإنها لن تتمكن من الحصول على النقاط السبعة التي تمكّن طالب الجنسية من الحصول عليها. رغم أن تقارير إعلامية تؤكد أنه هناك من استوفى النقاط السبعة لكنه لم يحصل على الجنسية.

ويشير تقرير صادر عن عدد من الحقوقيات السعوديات تحت عنوان “وعود غير منجزة” الى  ان الأبناء الذكور من الأمهات السعوديات يمكنهم التقدم بطلب للحصول على الجنسية عند بلوغ 18 سنة من العمر وفق شروط محددة.

أما الإناث من الأمهات السعوديات،  فلا  يمكنهن التقدم للحصول على الجنسية السعودية إلا بعد الزواج من مواطن سعودي وإنجاب طفل منه.

ووفقا لإحصائيات رسمية حسب ” مدونة حقوق المرأة السعودية ” بلغ عدد السيدات السعوديات المتزوجات من غير سعوديين سنة 2013 ما يزيد عن 700 ألف، أي 10 بالمائة من عدد السعوديات.

في الكويت أيضا لا تمنح الجنسية لأبناء المرأة الكويتية إلا بقرار من وزير الداخلية و في حالات نادرة جدا، كأن يكون الطفل مقيما في البلاد حتى سن الرشد، و أن كان أبوه الأجنبي أسيرا أو طلّق أمه أو كان متوفيا. ويبلغ عدد الكويتيات المتزوجات من غير الكويتيين أكثر من 5 آلاف امرأة، من بينهن نحو ألفين متزوجات من أفراد ينتمون إلى فئة “البدون” أو عديمي الجنسية.

قطر تنقيحات ما بعد الحصار

قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” ان الحكومة القطرية وافقت مؤخرا على مشروع قانون يسمح بحصول أطفال النساء القطريات المتزوجات من غير القطريين، وكذلك المغتربين الذين “يقدمون خدمات جليلة” لقطر، على الإقامة الدائمة. وبالتالي يمكنهم الحصول على الرعاية الصحية والتعليم بصفة مجانية. لكنهم غير قادرين على الحصول على جواز سفر قطري  للتنقل بحرية .

يأتي هذا التنقيح  في أعقاب دعوات عاجلة  لقطر بتعديل قانون الجنسية للسماح لهؤلاء الأطفال بالحصول على الجنسية تلقائيا، حيث يواجه العديد منهم التشتت نتيجة قرار السعودية والبحرين والإمارات قطع العلاقات معها .

وينص  القانون القطري الصادر في 2005 على أنه يجوز للمقيمين لأكثر من 25 عاما في قطر، التقدم بطلب للحصول على الجنسية، مع إعطاء الأولوية لأبناء الأمهات القطريات، وفق شروط محددة.

وتجدر الإشارة انه نتيجة الأزمة الخليجية الأخيرة يواجه أطفال النساء القطريات الآن خطر التتبع من بعض دول الخليج لبقائهم في قطر. حيث يواجه أبناء السعوديين من أم قطرية عقوبة حظر السفر لمدة 3 سنوات وغرامة قدرها 10 آلاف ريال سعودي (2,600 دولار أمريكي) في حال زيارتهم لقطر. فيما وجهت وزارة الداخلية البحرينية  تهديدا لمواطنيها ممن بقوا في قطر بسحب جوازات سفرهم ورفض طلبات تجديدها.

وقد دعت منظمات حقوقية قطر إلى أخذ زمام المبادرة في إصلاح قانون الجنسية ، باعتبار أن القوانين الخليجية الحالية تتضمن انتهاكا لالتزامات هذه الدول في مجال حقوق الإنسان. واعتبرت الحصار فرصة حقوقية لقطر .

بمثل هذه القوانين تكرّس الكثير من الحكومات العربية تصنيف المرأة كمواطن من الدرجة الثانية، ليس لها الحق في منح ابنائها جنسية أجدادها، مفروض عليها ان تتزوج من بلدها حتى لا يُحرم ابناؤها من جنسيتها التي ورثتها عبر الأجيال ولَم تمنحها إياها دولة ولا حكومة بعينها.. فاذا شاءت الاقدار ومارست حقها في اختيار شريك حياتها، وان كان من دولة عربية مسلمة مجاورة، تعاقب وكانما ارتكبت جرما جسيما يُسقط عنها حقها في نقل جنسيتها للابناء الذين تسري دماؤها في عروقهم..

الوسوم

اترك رد