دين وحياة

على خطى هاجر

اقترن الحج بقصة امرأة عظيمة وضعت ثقتها في الله فلم يضيعها

شاءت حكمة الله تعالى، أن يكون ركن من العبادات والفرائض على خطى امرأة: السيدة هاجر أم العدنانيين عليها السلام التي علمت الناس معنى اليقين والتوحيد من خلال السعي بين الصفا والمروة 

ما هي الغاية الحقيقة من ترك أم ورضيع في صحراء قاحلة؟

يلجأ الباحثون دائما في أصل قصة السيدة هاجر أم نبي الله إسماعيل عليه السلام، إلى بيان أن الغيرة والصراع  بينها وبين السيدة سارة بعد أن رزقها المولى سبحانه في كبرها وبعد أن بلغت من العمر عتياً نبي الله إسحاق عليه السلام. هو السبب الرئيسي الذي من أجله أمر الله نبيه الخليل إبراهيم بالخروج بأهله إلى مكة.  وكأنما في ذلك تسليم مطلق بأن أصل البشرية ودين التوحيد قد بُني من أصل الصراع والتنافر والغيرة.

في حين أنه لا يخفى على عاقل أن الله سبحانه فعّالٌ لما يريد وهو لم يأمر خليله إبراهيم بالخروج بأهله إلى مكّة هباءً ولا اعتباطًا، ولكن لأنه اختار أن تكون مكة أول بيت للموحدين والمسلمين. وشاء الله أن تبنى عقيدة التوحيد على يد هذه الذرية الطاهرة، العائلة العدنانية الابراهيمية، ‏”إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ” (‏ آل عمران‏:96).‏

مكة الأرض الطاهرة، بداية التوحيد

في ذلك الزمان، كانت مكة مكانا قفرا، لا يوجد به سكان ولا زرع ولا طعام ولا حتى ماء. لذلك رق قلب نبي الله ابراهيم الزوج الشفيق والأب الحنون والنبي المرسل والموحد لله عز وجل و دعا ربه قائلا:  “رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”.   

وفي هذه الآية الكريمة من سورة إبراهيم، تلخيص بداية أهم رسالة سماوية وأسماها وهي رسالة الإيمان الخالص والتوحيد والتسليم لله وحده لا شريك الله.

وتأكيد على أن الله اختار من البشر ُرسُلاً وأنبياء لإيصال رسالة الإسلام والتوحيد، لكافة البشر. “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا” (110) الكهف

ويعد التوحيد هو بداية الإسلام الحنيف، الذي جاء به رسولنا الكريم، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه. وتركه البشر وابتعدوا عنه في جهل وانخداع وعادوا إلى عبادة الأحجار والأصنام منها صنمي “أساف” و”نائلة”. وظلت البشرية منغمسة في جهلها وفي ضَلالها إلى أن جاء الإسلام وجاءت الرسالة المحمدية التي خرجت بالناس من الظلمات إلى النور وأعادتهم إلى الأصل وإلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له.

وتتجلى هذه العبادة الخالصة خاصة في مناسك الحج، حيث ينزع الإنسان المسلم ثوب الدنيا ويترك ملذاتها، طاعة لله وتقربا منه في هذه البلد الطيب. الذي يعتبر الحج اليه الركن الخامس للإسلام بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والصلاة والصوم والزكاة.

فضائل الحج

من فضائل الحج، هو المغفرة التامة للمسلم الذي يحج حجا مبرورا،  فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: “من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجح كيوم ولدته أمه”. {البخاري 1424}.

كما أن الحج يعدل الجهاد في سبيل الله وهو عند الله عبادة عظيمة وأعظم درجة من الخروج جهادا في سبيل الله،  فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: “لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور”. {البخاري كتاب الحج حديث رقم 1423}.

الحجاج على خطى السيدة هاجر

يهل الحجاج الميامين إلى بيت الله لأداء فريضة الحج من كُل فَج عَمِيق، يخلعون ما عليهم من لباس الدنيا ويلتحفون بلباس موحد هو لباس الإحرام، الأبيض النقي. فهؤلاء الناس تجردوا من ملذات الدنيا ومافيها لعبادة الله وحده لا شريك الله،  عبادةً على منهاج الأنبياء والرسل الذين أمرنا الله سبحانه باتباعهم.

وقد اشتملت هذه الفريضة العظيمة على شعيرة السعي بين الصفا والمروة، التي كُرّمت من خلالها المرأة المسلمة والموحدة لدين الله. وجعلها المولى إماما ومعلما وموعظة وآية  للناس في عظمة الصبر والقوة الايمانية،  “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(158)سورة البقرة

لذلك تتوحد صورة البشرية جمعاء بمختلف أجناسهم وألوانهم وهم يؤدون هذه الشعيرة المميزة، التي كرّم من خلالها الخالق عز وجل المرأة فاستجاب لدعائها وأكرمها بماء زمزم، هي وولدها إسماعيل.

بسعيهم على خطى هاجر، يستحضر الحجاج صورتها وهي مبتلاة وولدها بالعطش والجوع وسط الصحراء القاحلة، لا ثالث لهما إلا الله سبحانه  ويشعرون بحقيقة القلب المؤمن السليم والخالص في حب الله عز وجل والتوكل عليه حق التوكل.  فهاجر، المرأة المتوكلة على الله،  آمنت بأن الله لن يتركها ولن يضيعها ورضيعها،  وأيقنت يقينا تاما أن الله وحده رازقها ومُنجيَها. وفعلا رزقها الله بما تريد،  فكان أن أفاض الله عين زمزم بضربة قدم إسماعيل للأرض.

السعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة ليست مجرد عبادة يقبل عليه الحاج  لإتمام فريضة الحج وإنما تعد قيمة روحية يتجلى فيها الإيمان المطلق والتسليم واليقين بوجود الله وقدرته.

 ماء زمزم ، رمزيته ودلالاته

حين أتمت السيدة هاجر، الشوط السابع من سعيها بين الجبلين وهي في أعلى درجات من اليقين بأن المولى جل جلاله سيستجيب لها ولن يتخلى عن عبديه الصالحين في هذا المكان القفر،  انفجرت باذنه تعالى “عين زمزم”،  من تحت قدم رضيعها اسماعيل. وفي ذلك دلالة على أن الماء مصدرا أساسيا للحياة والارتواء. وقد وردت آيات قرأنية عديدة تتحدث عن الماء وأهميته في استمرارية الحياة،”وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”. الأنبياء/30

وماء زمزم، لم يبعث الحياة في هاجر ورضيعها فحسب، بل أحيا هذه الأرض الطيبة، أرض مكة المكرمة التي ستكون مهدا لرسول الأمة وخاتم الأنبياء والرسل، محمد صلى الله عليه وسلم.

هاجر، أول معلمة للبشرية لمعنى التوحيد

السيدة هاجر عليها السلام، لم تذكر علنا في القرآن الكريم ولكن ذُكر اسمها ضمن نصوص الروايات والأحاديث النبوية وارتبط  بجبلي الصفا والمروة وبماء زمزم. وقد اختلفت هذه الروايات في أصلها ونسبها، فمنهم من قال انها جارية ومنها من أرجح أنها أميرة، ولكن ماهو أكيد أنها زوجة نبي الله العدناني ابراهيم الخليل وأم نبي الله إسماعيل عليهما السلام.

  • وكانت مثالا رائعا للصبر والطاعة والخشوع لله والإيمان المطلق بقضائه وقدره. وقد جزاها الله على ذلك ان خلد سيرتها في  ركن من أركان الحج وهو السعي بين الصفا والمروة. الحاج يمشي على خطاها وهي الآي قدمت أبلغ نموذج لليقين برحمة الله وفضله ووضعت ثقتها فيه وليقنت انه لن يخيبها فلم تستكن لمصيرها بعد ان تركت في صحراء قاحلة مقفرة، بل طفقت تسعى لإنقاذ رضيعها من العطش، تمشي ذهابا وإيابا وتنادي مولاها الذي لن يضيعها، فهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. السيدة هاجر تكون بهذا المثال الأنصع  للثقة في الله والتوكل عليه وهما صنوا الإيمان.  

مقالات ذات صلة

اترك رد