مجتمع

المرأة العربية والعقلية الاستهلاكية

“إنّ شكل المرأة التي تفكرّ في أن تكون جميلة ألطف من شكل تلك المرأة الجميلة التي لا تفكرّ في ذلك”، جملة وردت في إحدى الرسائل الباريسية للسيّدة دو جيراردان بعد ملاحظتها للمارّة في شوراع باريس وإفتتان النساء بآخر صيحات الموضة وبمستحضرات التجميل في عهد ملكية شهر تموز بعد أن تنحى نابيليون بونابرت عن الحكم سنة 1814، إذن الإفتتان بالموضة وبعقلية الإستهلاك لم يكن وليد عصر العولمة بل كان سابقا لعصرنا بقرون فقط لقد أصبح سمة القرن الواحد والعشرين بلا منازع.

نعيش لنستهلك

أصبح الإستهلاك عنصرا أساسيا في تركيبة المجتمعات الحديثة بل ويشكل مورد رزق لآلاف العمال في الشركات والمصانع وثقافة عالمية تجتمع حولها ألوان وأطياف وأعراف وأجناس مختلفة.  لقد وحدّهم الإستهلاك بل لقد إستعبدهم وسلب جيوبهم!

يقوم المجتمع الإستهلاكي على وهم إشباع الرغبات الإنسانية:  المادية والمعنوية والبيولوجية أيضا.  لكل رغبة منتجها الخاص بها، تتغيّر بعد وقت قليل ماركتها وثمنها ولكن لا يتغيّر الإقبال عليها، خاصة منتجات النساء أكثر الفئات التي تقبل على سوق الإستهلاك.

لنطرح السؤال من وجهة نظر نسائية: لماذا أستهلك بوعي ودون وعي منتجات السوق؟ سنجد الإجابة في الأغلب : لأكون أجمل وأفضل، فالإستهلاك مرتبط في العقلية الأنثوية بالجمال والرفاه وأيضا بالتطوّر والتقدّم.

لحقت المرأة المسلمة والعربية بركب المجتمع الإستهلاكي بل وأصبحت من أهمّ ركائزه، أغلب منتجات السوق موجهة إليها، فالرأسمالية لم تترك أحدا لم توجه إليه منتجاته بما يلائم خصوصياته الثقافية: حجاب حديث وملابس محجبات في عروض الفاشن، ملابس السباحة المخصصة لهن وغيرها من المنتجات التي كانت حكرا على السافرات فقط٠٠ إنّ الرأسمالية عادلة في نهب جيوب الجميع تحت شعار الجمال من حق الجميع!

جمال مُعلَّب

ساهمت العقلية الإستهلاكية في التخلّي عن الثوابت الجمالية المتوارثة وغيّرتها بأخرى، فالجميلة الحقيقية من كانت لا تضع الكحل
والحمرة لتظهر بوجهها مشرقا خاليا من المساحيق وتتباهى به. أمّا اليوم فهي خارج دائرة الجمال، فالمكياج، الكلمة السحرية التي اخترعها بودلير سنة 1859، أصبحت سرّ الجمال الحقيقي .. مكياج خفيف صباحي وآخر مسائي أو لسهرة صاخبة،..

الجميلة حقا من تتقن توزيع مساحات الظلال والألوان على وجهها، فهي تتصرّف في وجهها حسب ذوقها كما يبدو لها ولكنّها محكومة بألوان العلبة، لعبة جميلة وذكية من الرأسمالية الجديدة تحت مسمّى “دمقرطة الجمال”، هذا في الظاهر فقط، أما الباطن فلا تعلمه سوى من فتحت العلبة وبحثت عن لون آخر خارجها ولم تجده.

ركزّ المجتمع الإستهلاكي على المظهر أوّلا لذلك أغرق السوق بكلّ المنتجات التجميلية، فلم تعد الخياطة تلعب دورا مهما في إخفاء العيوب الجسدية، بل على المرأة أن تخفف وزنها إنطلاقا من الالات الرياضية والمراهم الطبية وإنهارت مقولة “الحلاوة حلاوة الروح” لتصبح مجرّد كليشهات رديئة لا تخدم معناها الحقيقي.

أسعار للجمال

لقد أصبح الجسد سيّد المكان والزمان والكلّ متجه إلى خدمته، إنّه السيّد عليهن ومن ترغب في الجمال عليها أن تدفع. لا وجود لجمال
مجاني، بل هناك جمال ذو درجات، درجة أولى لا تتمتع به سوى نساء الطبقة الثرية ماركات عالمية يصل إحدى منتجاتها الصغيرة إلى مئات الدولارات، مرتب موظف محترم، وجمال آخر متوسط للطبقة المتوسطة.. والمضحك أو المبكي في حقيقة الأمر أنّ المنتجات الصينية الرخيصة لم تحرم الفقيرات من الجمال، فبدولار واحد يمكن أن تتجمل الفقيرة، ولكنّها قد تصاب بعدها بأمراض وتشوهات..

لا تحزني يجب أن نحترم قوانين الرأسمالية!

من يستهلك ليصبح جميلا عليه أن يدفع أو يفلس أو يمرض بأسوء الأمراض.. وكي نحترم قوانين سوق الرأسمالية الحديثة علينا أن نتخلى عن الذكاء. كوني جميلة وكفى، أي غبيّة في حقيقة الأمر!

ثريات العرب

تتجه بعض النساء العربيات خاصة من الدول الغنية إلى التباهي بالماركات العالمية وبالإستهلاك المفرط كنوع من التمايز الإجتماعي عن بقية العربيات. نحن نستهلك، نحن أجمل ونحن أغنى ونحن أكثر تقدّما!

لذلك تجدهن في دول سياحية غربية، (كلندن وباريس واسطنبول في السنوات الاخيرة)  ترخز بتراث ثقافي عالمي هام ولكن لا يكترثن له ويقضين وقتهن بين المولات والمتاجر والمطاعم، يمضين العطل هناك عاما بعد عام دون بذل أدنى جهد للتعرف على ثقافة البلد وتاريخه وأهمّ معالمه.

تقتني نساء الطبقة الثرية ما يزيد عن حاجتها وترمي بالباقي في سلّة المهملات وهو ما يؤكد قول زيجمونت باومان “لا يمكن للمجتمع الإستهلاكي إلا أن يكون مجتمع الإسراف والتبذير ومن ثمّ مجتمع الفضلات والنفايات”.. نفايات غالية وباهضة الثمن يمكن أن تنقذ طفلا عربيا من طفولة معذبة أو شيخا مسنا من مصير تعيس..

لكن لا تفكر النساء كثيرا في الامر، فقد سلبهن الإستهلاك إنسانيتهن وإلتزامهن تجاه الآخر، ولم تعد مقولة الغفاري الشهيرة ” يا معشر الأغنياء وأسوأ الفقراء “تجد صدى في الأذهان.. لقد إنقلبت المفاهيم  وأصبح الفرد محط نظره الفردي الضيّق دون أن يمتد إلى غيره.

مجتمع الاستهلاك

 أثرت العقلية الإستهلاكية على الترابط الأسري أيضا.  الكل  يأكل ما يرغب ومتى يرغب، فالديلفري موجود والفرن الحديث
“المايكروويف” جاهز لتسخين الوجبات الباردة.  لم تعد طاولة العائلة عامرة بأفرادها، بل بالأكلات الشهيّة التي يتناولها كل فرد بمفرده. ولم تعد الأمّ تسعى إلى تحضير بعض الأكلات، خوفا على تقصف أظافرها وجمالها، فالأمّ ليست أمّا في العرف الإستهلاكي بل إمرأة عليها أن تحافظ بكل جهد على جمالها حتى لا تتقاعد من المجتمع، فالتخلي عن الإستهلاك هو إقرار بإعتزال الحياة وإعتراف بالشيخوخة المبكرة..

إنّ التدهور الأخلاقي الذي سببته العقلية الإستهلاكية لم يعد يخفى على أحد، لقد صرنا كائنات استهلاكية لا شغل لها الا اقتناء اخر ما طرح في السوق.. اما المنكوبات واللاجئات والفقيرات والهاربات من جحيم الحرب والفقر فلا يشغلن اي حيّز من اهتماماتنا. بكل بساطة، لقد سبلنا الإستهلاك أعزّ ما نملك: إنسانيتنا، إذن لنبتسم جميعا ونحتفي بغبائنا المعلب بأفخر ماركات الإستهلاك!

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

اترك رد