ثقافة

تراث:  الوشم، خطوط لا يمحوها الزمن

الوشم، خطوط وعلامات ورسوم، نراها محفورة بعمق، في وجوه جداتنا وفي أيديهن وأرجلهن، لم تمح رغم التجاعيد التي خلّفها الزمن.

أساليب ابتدعت قديما للتجمل والتميّز والتعبير عن الذات، بالرموز والأشكال التي تخط على الجسد، كانت تعترضك في شتى أنحاء المنطقة العربية، من شمال أفريقيا إلى الجزيرة العربية مرورا بالمشرق العربي.

الوشم ظاهرة إجتماعية عرفتها الشعوب قديما

قبل انتقاله إلى بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، عرف  الوشم  كظاهرة  قديمة في المجتمعات البشرية، ارتبطت بمجموعة من العقائد والعبادات والديانات القديمة،  لدى الشعوب القديمة، منها الهنود والأفارقة والفرس والفراعنة المصريون والرومان. وقد عرف عند المصريين القدامى وسيلة للعلاج وطرد الحسد والأرواح الشريرة و الوقاية من أضرار السحر.

الوشم عند الأمازيغ المغاربة

يعتبر الوشم من أهم وسائل زينة المرأة الأمازيغية في شمال افريقيا، فعند سن البلوغ تعلن عن دخولها مرحلة النضج عبر الأشكال والرموز والرسوم التي تدبغ على أجزاء من جسدها.

وتقوم “الكهّانة”، وهي امرأة تخضع لطقوس التكريس عند ضريح ولي متخصص، أو تستلهمه من إحدى الممارسات العريقات،  برسم علامات وخطوط ورموز في مختلف مناطق جسمها، كالوجه والذراع واليد والصدر والنهدين والرجلين، ليتحول إلى لوحة فنية تخاطب الآخر.

دلالات الوشم عند الأمازيغيات

تعتبر علامة زائد (+)، من أبرز الرسوم المنتشرة عند غالبية الأمازيغيات فترسم على الخد  والجبين وحتى اليدين

وتعني حرف تاء في الحروف الأمازيغية وهو اختصار لكلمة “تامطوت”، التي تعني الأنثى الجميلة. بينما تدل علامات الوشم على النهدين، على الخصوبة والنضج الجنسي.

من دلالات الوشم عند الأمازيغ، كذلك، الشفاء من الأمراض والحماية من الأوبئة وطلب الخصوبة للعاقر ودفع الحسد والعين. فالنقطة بجانب الأنف للحماية من أمراض الأسنان، و بجانب العين للوقاية من الأمراض التي تصيب العيون.

الوشم عند  الشاميات


تعرف عادة الوشم  في الشام ب”الدقّ”، وهو ما أكده الباحث السوري “غسان رمضان”، الذي تحدث عن الوشم قائلاً: “يسمى الوشم عندنا “الدق” ويعتبر من التقاليد التي توارثتها النساء الديريات وقد يشم بعض الرجال على زنودهم صوراً معينة ولكنه إجمالاً منتشر بين النساء”.

كما تتعدد أسماء الوشم ويعرف وفق المنطقة الموشومة وشكل الوشم،  ومنه “الرثمة” وهي وشم يكون في طرف الشفة، ومنتشرة كثيراً بين النساء  و “زلف ونقطة” وهو وشم على الخد،  ويكون “كحلة القطا” وشم على طرف العين، أما “الحجول”، فيوسم في أسفل الساق.

كما ترسم أشكال ورود على الزند، وأجزاء أخرى من الجسم منها الرقبة والبطن والفك والصدر ويمكن للمرأة ألا تكتفي بوشم واحد في مكان واحد من جسمها.

موسم الربيع، للوشم في العراق

يعتبر فصل الربيع،  موسم الوشم والوسم عند النساء العراقيات، حيث تحمل البنات، الزبد واللبن إلى”الدكَّاكة” أو “أم هرفي” وهي المرأة التي يتبركون بها، لتقوم بوشمهن. وأطلق بسببها المثل العراقي “دكاكة وتدك لبتها، كدلالة على اهتمامها بتجميل البنات بكل الطرق فما بالك بتجميلها لابنتها. أو كأن يقال:” “دك أم هرفي مثل حروف القرآن وإبرتها مثل قلم السلطان”.

وقد أخبر الباحث العراقي محمد عجاج الجميلي في كتابه “الوشم ظاهرة جمالية في ريف الشرقاط”، عن طقوس الوشم قائلا: “يكون للوشم موسم معين هو الربيع، حتى لا تقيح الجروح من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن في الربيع يكثر الخير من الزبد واللبن”.

دلالات الوشم

ترسم  المرأة الريفية في العراق وشم “مخدة ابن العم”، على ذراعيها في شكل خطوط مستقيمة،  اعتقادا

راسخا منها بأن ابن عمَّها سيتزوجها. وأنه سيزداد بها حباً وهيامًا بعد الزواج حين يتوسد ذراعها.

كما يمثل رسوم الهلال والهلال المنقوط وشكل رقم ٧ وفوقه نقطة وأسفله نقطة من أشهر الوشوم العراقية للنساء والرجال معاً.

الوشم عند القبائل الأردنية

تعرف نساء البادية والصحراء والقرى الأردنية، برسمهن للوشم، في شكل خطوط تحت الشفة السفلى من زاوية الفم اليمنى إلى  الزاوية اليسرى بشكل أفقي، و يسمى “الدبيب”. بينما يسمى الوشم المرسوم من منتصف الشفة السفلى إلى منتصف الذقن، “السياله”.

و “المشط” هو وشم يوضع  في شكل نقاط مثلثة ومربعة من منطقة نهاية الشفتين يمينا و يسارا. و”الردعة”، ترسم في أشكال مدورة من منطقة رأس الخد الأيمن والأيسر. وذات الأشكال الطولية تدعى “ضفدعة” وترسم بين منطقة التقاء الحاجبين “هلال” وفي منطقة الجبين ثلاث حبات تدعى “النجوم”تكون على شكل نجمة.

التاتو المستحدث يشوه جمال الوشم

اختفى الوشم القديم، البسيط اليوم  وظهر محله،  “التاتو ” الذي انتشر بشكل واسع بين الشباب في تقليد واضح لموضته الدارجة في أمريكا وبعض المجتمعات الغربية الأخرى، بلا وعي بدلالات الرسوم والخطوط، ولا بالمخاطر الممكنة لعملية دبغ الجلد المستحدثة.

إذ أن الوشم يمكن إذا اخترق الجلد أن يتسبب في الحساسية المفرطة، فينتج عنها التهابات وطفح جلدي وحكة شديدة بسبب الأصباغ االجديدة التي ادخلت في تصاميم الوشوم، خاصة الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق.

كما تعد الأمراض المنقولة بالدم، من أخطر مخلفات “التاتو”، إذا كانت المعدات المستخدمة لرسم الوشم  غير معقمة و ملوثة بالدم المصاب، فتعرض الموشوم إلى مختلف الأمراض المنقولة بالدم  بما في ذلك التهاب الكبد B والتهاب الكبد C وحتى نقص المناعة.

وفاء الحكيري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد