الرئيسيدين وحياة

“الصداق القيرواني”: حين تشترط المرأة على زوجها الا يتزوج عليها

عرف “الصداق القيرواني”، منذ القرن الثاني للهجرة، أي منذ قدوم عبد الله بن العباس الذي عرف بأبي جعفر المنصور إلى تونس، فارا من الأمويين بسبب الصراع على الخلافة. وقد كان له صدى كبير في المجتمع العربي القديم والحديث لتشريعه منع تعدد الزوجات.

بداية العقد وشروطه

“الصداق القيرواني” الذي كان نتيجة زواج الخليفة العبّاسي  أبي جعفر المنصور من أروى أمّ موسى القيروانية، عرف كأول وثيقة قانونية تشترط بأن لا يتزوج الرجل على المرأة التي يدخل عليها وأن لا يتسرّى إلا برضاها، وبذلك يعد أول عقد يلغي تعدد الزوجات.

ويقول المؤرخون أن هذا العقد أعتمد منذ القرن الثاني للهجرة، عندما انتقل عبد الله بن العباس من اليمن إلى القيروان سنة 110هـ/ 709م فارا من الأمويين بسبب الصراع على الخلافة، حيث قصد بيت منصور بن يزيد الحميري أحد كبار التجار بمدينة القيروان التونسية التي اتخذها مستقرا له، اين اعجب بابنته  أروى ايما اعجاب  فطلب يدها للزواج.

وذكر المؤرخ التونسي الشهير حسن حسني عبد الوهاب في كتابه “شهيرات التونسيات “، أن أبا جعفر المنصور اثناء اقامته عند ابن يزيد الحميري في القيروان رأى إبنته “أروى” فبهرت بصره وخلبت لبّه فخطبها من أبيها وتزوّجها وتعلق بها أكبر التعلّق طول حياته.

وقد اشترط أبوها في عقد زواجها “ألاّ يتزوّج أبو جعفر غيرها وألاّ يتخذ السّراري معها فإن تسرّى عليها كان طلاقها بيدها كما جرت بذلك عادة أهل القيروان من عهد قديم”. وبعد زواجه منها عادا سوية إلى الكوفة متخفيين.

سنة 136هـ آلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور بعد سقوط الدولة الأموية وبعد أن تولى شقيقه الأكبر عبد الله السفاح الخلافة سنة 132 ه.  وقد أنشأ مدينة بغداد التي عرفت في بداية تأسيسها ب” مدينة المنصور. وكان لزوجته “أروى”  القيروانية مكانة عظيمة لديه فلم يتزوج عليها واسكنها إلى جواره  في قصره الذي سمّاه “قصر الخلد”.

أعاد الصداق القيرواني الذي كان له صدى كبيرا في المجتمع العربي القديم والحديث_ للمرأة العربية المسلمة مكانتها واعتبارها داخل الأسرة وحررها من قيود العبودية التي فرضها في ذلك الزمن الفهم الخاطئ للدين الاسلامي. وساهم في رفع الظلم عنها وتغيير النظرة الدونية لها ومنحها رفعة داخل محيطها بعد الإقرار لها بحقوق كانت حكرا على الرجل.

 

وعزز هذا العقد _الذي عرف انتشارا واسعا في بلاد الأندلس قديما وبعض بلدان المغرب العربي خاصك تونس  مكانة المرأة وأكسبتها جملة من الحقوق،  أدرجت في شكل شروط مدرجة في عقد الزواج. ساهم في بروز وثائق قانونية جديدة للزواج، على غرار الصداق الأندلسي والصداق الموريتاني لتتطور في مرحلة لاحقة على شكل مجلة الأحوال الشخصية مثل التي تم اصدارها في تونس وهي عبارة عن جملة من النصوص القانونية التي تضمن هذه الحقوق والحريات والتي يمنع فيها تعدد الزوجات.

الصداق الأندلسي

الصداق الأندلسي كان دليلا على سرعة انتشار الصداق القيرواني  الذي استساغه المجتمع الأندلسي، الذي عرف بانفتاحه وتحرره، حتى تبوات فيه المرأة اعلى المراتب فكان منهن الشاعرات والعالمات و والفقيهات كعائشة القرطبية ونزهون بنت القلاعي الغرناطية.

شروطه

يذكر المؤرخ جاسر أبو صفية أن للصداق الأندلسي شروطا تفرض المعاملة باللطف والمودة بين الزوجين. يجيز الصداق الأندلسي للزوجة ان تشترط على زوجها الا يتزوج عليها أو يسيء معاملتها أو يغيب عنها أزيد من ستة أشهر إلا في أداء حجة الفريضة وألا يمنعها من زيارة أهلها، وإن فعل بطل زواجه وكان أمرها بيدها.

وأورد ابو صفية في كتابه (حقوق المرأة في البرديات العربية): “وطاع الناكح المذكور لزوجه المذكورة، بعد  أن ملك عصمتها،

استجلابا لمودتها، وطلبا لمسرتها، ألا يتزوج عليها، ولا يتسرى معها، فإن فعل شيئا من ذلك، فالداخلة عليها بنكاح أو مراجعة طالق، والسرية وأم الولد حرتان، وألا يضرها في نفسها، ولا في أخذ شيء من مالها، وألا يغيب عنها أزيد من ستة أشهر إلا في أداء حجة الفريضة، وألا يرحلها من موضع إلا برضاها، وألا يمنعها من زيارة أهلها، فإن فعل شيئا من ذلك فأمرها بيدها”.

صداق بلاد شنقيط

وكما هو الشأن في الأندلس، كان للعقد القيرواني أو الصداق القيرواني تأثير بالغ في المغرب العربي موريتانيا، حيث يشترط عقدها ” بأن لا سابقة ولا لاحقة وإلا فأمرها بيدها أو بيد وليها”.

فهو يقر وضع شرومن المرأة أو وليها على الزّوج، نجدها مكتوبة في الصداق القيرواني وهي :” طاع الزّوج المذكور لزوجه المذكورة بالجعل التحريمي على عادة نساء القيروان.”

في موريتانا او بلاد شنقيط، من شروط أهل الزوجة على الزوج أن لا يتزوج من أخرى.

تحتوي أغلب عقود زواج العرب بموريتانيا على جملة واحدة هي “لا سابقة ولا لاحقة” وهو شرط يعني حسب صيغته أن لا تكون على ذمة الزوج أي امرأة أخرى قبل العقد ولا بعد الزواج.

إن صادف وعلمت الزوجة بوجود ضرة، يمكنها أن تحصل على الطلاق إذا أرادت ذلك حفاظا على كرامتها وعلى كرامة أهلها عند علمهم بالأمر.

مجلة الأحوال الشخصية في تونس

صدرت مجلّة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس  سنة 1956 وسنت قوانين تمنع تعدد الزوجات في تونس. ويعد بذلك ثاني وثيقة مقننة في تاريخ البلاد التونسية، بعد عقد الصداق القيرواني، تحافظ على كرامة المرأة.

الاسلام كرَّم المرأة ورفَع شأنها

لقد كرم الاسلام المرأة ورفَع من شأنها، وأنصفَها، فأنزل الله أحكاما خاصّة بالنساء تحفظ حقوقهن، وأنزل سورةً باسمهن، وما ذاك إلا ليُعليَ مِن شأنِهن، ويرفعَ مكانتهن.

كما أن الزواج في الإسلام علاقة تقوم على الاحترام والتفاهم لا يجوز لاي طرف فيها الاستقواء على الاخر وقهره واذلاله. وإباحة زواج الرجل بأكثر من واحدة ، (أربع كحد أعلى ) ، تشريع مرتبط بضابط مهم، وشرط واضح وهو (القدرة على العدل) وقل ان تتوفر في اطار علاقة تقوم على العواطف الحميمة التي تميزها عن سائر العلاقات البشرية الاخرى, اذن حتى التعدد مشروط مقيد والا فواحدة، أي الصداق القيرواني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد