مجتمعمدونات

يوميات زوجة معتقل مصري

بقلم رضوى فتوح

الزيارة

عدت اليوم وأنا أجرّ قدمي من التعب، عدت وأنا أتذكر هذا المشهد الإنساني الذي يملؤه الألم والحزن، حشود كبيرة من الأطفال والأمهات والزوجات، حرارة الشمس الشديدة والغبار يملأ المكان، نجلس على الأرض جميعاً في انتظار النداء على أسماء معتقلينا لنأخذ دوراً للدخول من هذا الباب الخشبي العتيق الذي كُتب أعلاه “سجن الاستقبال والتهذيب”!

أنظر إلى هذه اللافتة وأتذكر كم من صديقاتي بذلن من الأفكار والمجهود لتزيين فكرة الاعتقال لأبنائهن، فتارة يسمينه “العمل” وتارة يسمينه “الزيارة ” وتارة أخرى “بابا يجلس مع أصدقائه” حتى كبر من كبر وتعلم القراءة، وأضاعت هذه اللافتة محاولاتنا لتبسيط الأمر على الأولاد أو تزيين الحقيقة المرة كما يقولون، وصاروا يهتجونها س ج ن ! نعم يا أحبائي، هو السجن ولكن بشرف وكرامة.

تنهي هذا المشهد لتدخل إلى غرفة كبيرة طُليت حديثاً في إطار الاهتمام بأهالي السجناء، ولكنها طليت باللون البني، حتى

رضوى أحمد فتوح

لا تزين لك نفسك أن تعبث بها، أو تكتب عليها كما فعل كثيرون من الشباب، وكتبوا عبارات أحياناً معارضة للنظام! وكأن الكتابة على جدران سجنهم قد تغير شيئاً مما يتحكمون به! ولكنه الرعب مما يفكرون فيه أو يغيرون!

في طريقك إلى هذه الغرفة، يتم العبث بكل ما أحضرت من المنزل من أغذية أو ملابس، حقيبتك الشخصية وحتى ما في داخل حافظتك، وما في جسدك أنت شخصياً بحجة تسمى “التفتيش”!

تقف صامتاً ويفضل أن تبتسم أيضاً! وقد تكون منهكاً فتصيح في هذا أو ذاك لتكف أذاهم عنك، نعم قد تفعل ذلك ولكن تحمل العواقب غير المتوقعة تماماً، بداية من أن يخافوا منك ويحترمونك، إلى أن يقرروا إيذاءك أكثر، أو إهانتك، أو القيام بأي شيء، هنا كل شيء متوقع، فلا قوانين للعبة، كلها اجتهادات شخصية منك ومنهم، وقواعد المكان مكتوبة بالطبع على لافتة كبيرة يعلوها التراب والصدأ ولم ولن ينظر إليها أحد، كلنا نحاول..

بعد الدخول إلى هذه الغرفة أو مكان الحشر، فيها يحومون بنظراتهم بينك وبين أصدقائك، يفترسونك ومن أتيت لزيارته بأعينهم، ويقتنصون ما يستطيعون من أموال أو سجائر، المهم هو مصلحتهم، وهم بالأصل سجانوك..

أكره نظراتهم بشدة وابتسامتهم الصفراء، بل أكره الافتعال، فما بالك إذا كان هنا في المكان الذي يأخذون فيه مني روحي ويغادرون بها أمامي، يا الله!

حبست دموعي في طريق العودة إلى المنزل.. أطفالي هنا، لم يعودوا يحتملون رؤية دموعي، سأسمع منهم الجملة الشهيرة “عشان خاطري ما تعيطيش يا ماما”..

هل خارت قواي بعد مرور عامين ونصف؟ لا أدري ولا أريد أن أسمع أحاديث طويلة عن الابتلاء وتناسب قدر الابتلاء طردياً مع قدر القوة، أدركه تماماً وعايشته، لن يمنعني ذلك من تذكر هذه اللحظات وآلامها.

كل التفاصيل محفورة في الوجدان والذاكرة، تلك اللحظة التي يرتمي فيها أطفال صغار في حضن أبيهم، تنساب دموعي دون تفكير، يشتاقون إليه وقد حرموا منه. كانوا رُضّعا والآن يمشون ويجرون ويتكلمون.. كانت أحاديث أمهم عن أي مدرسة ستختار لهم، واليوم تحتفل بدخولهم للصف الأول الابتدائي.

لا أكتب هذه الكلمات لأستجدي عطفاً أو لأرى دموعاً في عيون القارئ، ولكن لأدوّن في التاريخ أن هؤلاء الرجال دفعوا من أعمارهم ومن أعمار زوجاتهم وأبنائهم من أجل ما اعتقدوه حرية وطن

هذه الأم العجوز التي تنتظر ساعات لرؤية ابنها فلذة كبدها؛ ليرتمي هو أيضاً في حضنها، دموع الزوجة الصغيرة التي تنتظر لمسة يد زوجها أو حتى نظرة من عينيه..

كل هذه المشاهد اختلطت في غرفة واحدة كبيرة نفترش جميعاً أرضها أو نجلس على مصاطبها الإسمنتية، بنيت لنجلس عليها نتزاحم وننتظر من لنا ليطلوا علينا بوجوه باسمة، وقلوب مخلصة ليشدوا من أزرنا وهم من يحتاجوننا، جميلة هي الحرية!

تختنق أنفاسي وأشعر بهذا الألم في صدري، هل من كثرة الأعداد أم من شعور الحرمان من الحرية؟

لا أعلم، حتى قفز إلى عقلي سؤال: هل الموت أهون من كبت الحرية وفقدان الشعور بالأمان؟

أستند إلى الحائط وأفكر وأنا أنظر حولي لأجد صديق ابني يقول وهو متعب: “بابا جاي إمتى؟” ليبتسم ابني له ويشير برأسه ويديه: “جاي الساعة 6 راكب ولا ماشي؟” هذه الاغنية الشهيرة منذ الطفولة، ليتنزعا ابتسامة من قلبي، ووجدتني أقول: أنتم نسائم الابتلاء حقاً.

لا أكتب هذه الكلمات لأستجدي عطفاً أو لأرى دموعاً في عيون القارئ، ولكن لأدوّن في التاريخ أن هؤلاء الرجال دفعوا من أعمارهم ومن أعمار زوجاتهم وأبنائهم من أجل ما اعتقدوه حرية وطن.

للحديث بقية، أروي بها عن آلامي وآلام الكثيرين، عن أحلامنا بأوطان تكبر بنا وبأولادنا، عن خطوط رسمناها واجتهدنا في تلوينها بأرواحنا وعلمنا، عن تاريخ صار جزءاً منا فما كنا أبداً عالة على أوطاننا، وما حلمنا إلا بحياة كالحياة..

رضوى فتوح

تعمل رضوى في مجال التعليم الدولي والإدارة 
تعشق الكتابة وتؤمن أن عليها أن تشارك في تدوين التاريخ الذي تعيش منه سطورا كل يوم …
رضوى أم لثلاثة اطفال و زوجة لأحد المعتقلين منذ عامين و نصف، ينقل لنا قلمها فصولا من قصتها و قصص أخرى عن الأوطان و محبيها…

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق