ثقافة

فلسفة اللباس في الإسلام

ماهي طبيعة اللباس في المنظور الاسلامي، كيف تشكلت، لم تهدف وماهي ملامحها الاساسية؟

يقول العقاد “ملابسنا تحددنا” و تقول مصصمة الأزياء الشهيرة كوكو شانال “الملابس لا تغير فقط الشكل الملابس تغير الأخلاق “

و يعترض البعض حول هذه الأراء التي تمزج بين شخصية الإنسان و الشكل، متعللين بأن الأزياء و الملابس لا تعكس بالضرورة شخصية الإنسان، بل هي مجرد عنصر خارجي. و لكن إذا ما عدنا إلى ثقافتنا العربية سنجد  هذا التداخل بين الشكل و المضمون حتى في معنى كلمة لباس. فحتى اللغة تبين لنا أن اللباس جزء لا يتجزأ من طبائع المجتمعات، فمن الإشتقاقات الموجودة لمفردة لباس نجد “التبس”، و”التبس بعمل ما”  يعني خالطه و”التبس عليه الأمر” تشكل  واختلط  به.

من هنا نتسخلص أمرين مهمين الأول: وجود هذه الدلالات في مشتقات كلمة لباس التي تحيل الى  التماهي، والثاني أن المنظومة الثقافية العربية تكون فيها اللغة والعادات والحياة بصفة عامة كلعبة “البازل” “puzzle” حيث تكوّن فيها جميع القطع الصورة الكيبرة للمشهد الثقافي العربي.   من هذا المنطلق تُعَد الأزياء و الألبسة وليدة الواقع و اللغة و البيئة التي تنشأ بها و التي تنعكس بالضرورة على الفاعلين الاجتماعيين فيها و كما يحمل الاسلام فلسفة في كل مجال فهو كذلك يحمل فلسفة في اللباس تتماشى مع جوهره و رؤيته للإنسان و سنحاول في هذا المقال التطرق إلى مرتكزات هذه الفلسفة التي نلاحظ أنها تماشت مع الثقافة العربية في ذلك الوقت

كما يحمل الاسلام فلسفة في كل مجال فهو كذلك يحمل فلسفة في اللباس تتماشى مع جوهره و رؤيته للإنسان

الأصل في الإنسان اللباس

على عكس التطوريين الذين يعتقدون أن الإنسان البدائي عاش عاريا،  يرى الإسلام أن الأصل في الإنسان هو اللباس و يمكن أن نجد صدى لهذه الفكرة في القرآن الكريم في قصة “آدم و حواء”.  فحسب المفسرين، كان آدم و حواء مستوري العورة قبل وقوع الخطيئة و يستدلون بهذا بقول الله تعالى “فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما و طفقا بخصفان عليهما من ورق الجنة”  و كذلك “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا”. و يرى العلماء أن العري هو مرادف للتوحش و ليس للطبيعة و الفطرة  التي جُبل عليها الإنسان.

وحسب خبراء تاريخ الألبسة، فقد تطور  لباس الإنسان عبر ثلاث حقبات مهمة بالاعتماد على  الرسوم القديمة والنصوص الكتابية، و تتمثل هذه في العصور القديمة التي تمتد 5500 قبل الميلاد و500 بعد الميلاد و العصور الوسطى من 500 ميلادي إلى 1453 ثم العصور الحديثة.

العصور القديمة

عرفت بنمطين أثنين من الألبسة : نمط وجد في  الحضارة الفرعونية والحضارة الإغريقية أي تلك الأماكن المتسمة بالأحواض و الأنهار كالنيل، كانت الملابس فيها واسعة و فضفاضة، ونمط ترّكز في شعوب شمال أوروبا وارتبط بالرعاة و هو لباس مصنوع من جلد الحيوانات  وقع استعمال الابرة المصنوعة من العظم فيه و تمت خياطته بطريقة تكون ضيقة على الجسم للوقاية من البرد.  ومع مرور زمن نزل الرعاة إلى الجنوب فتمازج نمطا الألبسة .

الحضارة الإسلامية

عُرفت الملابس في الحضارة الإسلامية بالميل إلى أن تكون مريحة وتستجيب إلى حر الصحراء و قيضها. و للأسف الشديد لا توجد

بردة النبي صلى الله عليه وسلم

دراسة شافية و كافية عن رمزية الملابس في الحضارة الاسلامية القديمة، إلا أننا سنحاول تناول بعض الألبسة التي كانت موجودة قبل ظهور الإسلام والتي ترسخت مع ظهور الإسلام  الذي لا ينفي ما يتماشى مع تعاليمه ولقصص الرسول صلى الله عليه و سلم في الأزياء و الألبسة دلائل على أن الإسلام لم يخصص زيا واحدا يجب التعصب إليه و لم يميز بين الجنسين كما نتصور، بل كان يحمل فلسفة شاملة واحدة و لكنها تزخر بالتنوع

ملابس العرب قبل الإسلام

على الرغم من المصادر العديدة التاريخية والجغرافية للعرب في العصور الكلاسيكية، الا اننا نعثر فيها على معلومات متناثرة وضئيلة عن ملابسهم.

ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت أن العرب كانوا يرتدون رداءً يُعرف باسم زيرا Zeira وهو رداء طويل فضفاض يربط عليه من
الوسط بحزام. وما ذكره هيرودوت هو بالتأكيد الإزار، ويكتب أيضاً أزر Azr ومئزر Mi’zar، كما يكتب في النصوص العربية والدارجة في العصور الوسطى إزار Izar. والإزار رداء يُلبس كما تلبس العباءة لتغطية الجسم، أو يلف حول الخاصرة. ويؤكد ذلك ما ذكره المؤرخ سترابو عن العرب الأنباط من أنهم كانوا لا يرتدون المعطف، ويربطون الحزام حول الخاصرة، ويرتدون النعال في أقدامهم. إن طريقة ارتداء الحجاج المسلمين للإزار عند الإحرام توضح لنا جيداً الطريقة القديمة لارتداء الإزار.

إن أقدم دليل للملابس التي كان يرتديها العرب القدماء هي الرسوم الصخرية في شبه الجزيرة العربية خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد. وهذه الرسوم تبين الرجال في ملابس قليلة نسبياً لا يقتصر لبسها على الرجال وحدهم، كما نرى تنوعاً في أغطية الرأس. وقد جاء ذكر ذلك في كتاب من  تأليف الكاتبة E Anati  عن الرسوم الصخرية في وسط الجزيرة العربية ونشر في لوفان سنة 1968م. وقد ظهرت صور بعض السيدات في هذه الفترة المبكرة وقد لُفَّتْ أجسامهن تماماً بالملابس.

ونرى في هذه الرسوم أنواعاً من النعال والصنادل يرتديها الرجال والنساء. وهؤلاء العرب الذين عاشوا في نطاق المحيط الثقافي لإحدى الحضارات العظمى قد تأثروا في الواقع بأزياء هذه الحضارات، فالملابس هي مظهر من مظاهر الثقافة وليس فقط الفنون والآداب والعمارة. وهكذا فإننا نرى تماثيل ملوك العرب في الحَضَر في بلاد العراق مصورة في ملابس على الطراز البارثي.

كما تظهر بعض التماثيل في عباءة بأكمام طويلة، ونرى تماثيل أخرى في بنطلون فارسي وحبل الفستون العسكري. أما العرب الذين عاشوا في المدن المنتشرة في صحراء الشام فقد ارتدوا ملابس على الطراز الهيللينستي الشرقي.  ومع ظهور الإسلام، لم تختلف الألبسة كثيرا و يروى عن الرسول صلى الله عليه  سلم أنه ارتدى عدة أردية مختلفة الألوان والأشكال، ولكنها تميزت بطابع معين هو البساطة والشكل الواسع الفضفاض المريح. وكذلك الشأن بالنسبة للباس نساء الرسول التي وان اختلفت عن الرجال فانها اشتركت معهم في العديد من القواسم

التوازن في اللباس  

نهى الرسول صلى الله عليه و سلم عن لباس الشهريتين و هما :الغليظ و اللين و الطويل جدا و القصير جدا أو التشبت دائما بلباس
الصوف أو الحرير مغالاة في التزهد  أو اظهارا للترف. فقد ارتدى الرسول صلى عليه و سلم جميع أنواع اللباس، كاللباس البيزنطي المكفوف بالسندس والجبة المصرية التي  أهداها له المقوقس، ولبس الابيض و الألوان كالأخضر والأحمر، وارتدى الصوف و القطن و حتى الكتان.

نتبين من هذا أن فكرة الإسلام تقوم على التوازن و الوسطية في اللباس و ليس المغالاة لجلب الإنتباه. فالرسول صلى الله عليه و سلم لم يكن يعرف في مجالسه من بين الصحابة لتشابه الجميع في أنماط اللباس، على عكس الطبقية التي نلاحظها في اختيار الملابس عند الملوك والأعيان.  فالنبي صلى الله عليه و سلم يقول:  “من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة” والغاية من هذا  غرس قيم التواضع والبساطة. و قد أوصى خاتم الأنبياء بلباس لا يصف و لايشف، لباس يحقق راحة الجسد، و في هذا منفعة للجسد والبشرة، كما  تشير   الدراسات الحديثة. فارتداء البنطال الضيق مثلا من شأنه أن يتسبب في التهابات في الأجهزة التناسلية للمرأة ويعيق الدورة الدموية كما اثبتت عديد الأبحاث العلمية، كما انه يخفض من نسبة الخصوبة عند الرجال وهذا خير دليل عن هذه الرؤية الصحية للملابس في الإسلام.

رؤية الإسلام لملابس النساء و الرجال

ارتدى العرب قبل ظهور الإسلام اللباس الفضفاض و أغطية الرأس كالعمامة و الخمار و اللحاف فغطاء الرأس لم يكن مقتصرا فقط على

النساء بل لبسه الرجال أيضا. هذه الألبسة كانت مناسبة من الناحية الوظيفية في هذه المناطق الحارة لاتقاء الحر و ضربات الشمس و لسعات الحشرات، و هنا يبرز دور البيئة في تحديد سبب اختيار الملابس.

وقد تماشت  رؤية الشرق للملابس  مع رؤية الاسلام وحث الإسلام على تقنينها للتتناغم مع رؤيته التي تشدد على العفة و التعالي عن بهائمية الجسد عبر عدم التركيز على الجانب الجنسي فيه، مع الاعتراف به وإعطائه حقه، و إنما الترفع و النظر إلى اعماق الروح  يقول الله تعالى في القرآن “يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون  .”
وهذه الملابس ملائمة أثناء الصلاة و العبادة لطابعها الواسع والمريح.

و لم يثن الإسلام عن ارتداء الألوان على عكس ما يعتقد الكثيرون، فالسيدة عائشة رضي الله عنها ارتدت جبة فارسية ملونة وورّثتها لاسماء رضي الله عنها .

يقول باولو كاويلو” الملابس تؤثر على مشاعرنا و أمزجتنا” و يصف القرآن جزءا من هذا المزاج السعيد الذي يمكن للإنسان أن يعشيه في الجنة عبر اللباس أيضا و في هذا الوصف يمكن أن نلمس مظاهر التوفيق والسعة والطمأنينة لدى المؤمنين “عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة 

لا يمكن للإنسان العادي أن يعيش المجرد لذا يحتل المشخص و الرمزي موقعا كبيرا في نفسيته، فاللباس ليس مجرد أشياء نضعها على اجسادنا كما يتوهم البعض، بل هو حالة ذهنية وفكرية تتولد من البيئة و الطبيعة لتتطور وتتأسس وتنتظم وفقا للثقافة والدين

رحاب الخترشي 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق