ثقافة

السينما البديلة: صوت الواقع ووجهة الشباب العربي

بعيدا عن حمى الإيرادات تتجه فئة واسعة من الشباب العربي إلى نمط مغاير من السينما  

توجّهت فئة كبيرة من الشباب العربي إلى ما يُعرف بالسينما البديلة، يَحْدُوهُم حبّهم الشديد للكاميرا ورغبتهم في تقديم فنٍّ مغاير للسّائد.

ورغم أنّ هذا المجال يُقاس الآن بضخامة حجم الإيرادات، لا بقيمة الأعمال فنيًّا وإنسانيًّا،فإنّ هذه الفئة من الشباب المبدع تحاول جاهدة أن تقدّم سرديّات سينمائيّة مختلفة للواقع والتاريخ. كما أنّهم يَسْعَوْن إلى تسليط الضوء على تجارب إنسانيّة متنوّعة، ومن ثمَّ توثيقها، للتعريف بمعاناة هذه الشرائح الاجتماعيّة المنسيّة والغوص عميقًا في قضاياها.

وينبني تصوّر هذه المدرسة على التمرّد ضدّ السينما التجاريّة، فأغلب العاملين في هذا القطاع تحكمهم عقليّة البيع والشراء، لأنّه قطاع يحكمه الاحتكار والاعتبارات التجاريّة، ومن لا يستند فيه على شركة إنتاج ضخمة لن يستطيع إخراج فيلم سينمائي أو وثائقي إلى النّور، مهما كانت إمكانيّاته ومواهبه وقيمة العمل الّذي يرغب في إنجازه.

ولذلك تمرّد عديد المخرجين الشبّان من العالم العربي على هذه العقليّة، وسعوْا إلى إنتاج أفلام بأقلّ تكاليف ممكنة. واجهوا صعوبات جمّة أثناء صراعهم لترويجها في قاعات العرض التجاريّة، وهذا ما اضطرّ أغلبهم إلى فتح قاعات خاصّة بهذه النوعيّة من الأفلام لاقت نجاحًا لدى جماهير الشباب العرب الّذين وجدوا فيها صورتهم وقضاياهم. وبعد أن انتفضوا ضد الظلم والقمع والإقصاء سياسيًّا، ها هم بدؤوا في الانتفاض الآن ثقافيًّا.

الزاوية: تجربة رائدة في مصر

كانت البداية سنة 2014، عندما تمّ افتتاح أوّل قاعة سينما لا تعرض سوى الأفلام البديلة، وأُطلق عليها اسم “زاوية”، وهو مشروع أنجزته شركة “أفلام مصر العالميّة” الّتي أسّسها المخرج الراحل يوسف شاهين.

زار هذه القاعة في السنة الأولى الّتي تلت افتتاحها 25 ألف متفرّجا. ثمّ تضاعف العدد، فخلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2017، فاق عدد الزوّار 20 ألف زائرًا.

ثمّ تدعّم المشروع بتنظيم مهرجان للأفلام القصيرة، الّذي شهد دورته الثانية في فيفري 2017، ترشّح لها ما يزيد عن 250 فيلما، وشهدت إقبالا جماهيريّا كبيرا. كما يُعتبر مهرجان “زاوية” فرصة جيّدة للمخرجين الشبّان للتعريف بأفلامهم وعرضها، فبغضّ النظر عن الجوائز الماديّة، فإنّ الاستفادة الكبرى للمشاركين هي الوصول إلى الجمهور.

من “كحلوشة” إلى “قتاد”

في تونس، انطلق المخرجون الشبّان في تجربة السينما البديلة منذ سنوات، وقد حقّقت بعض هذه الأفلام نجاحا كبيرا. ومن بينها، فيلم “كحلوشة” الّذي تمّ إنتاجه سنة 2007، وأخرجه نجيب بلقاضي، وهو صورة مجهريّة لحيّ “الكازمات” في مدينة سوسة الساحليّة. وبطل الفيلم “منصف كحلوشة”، هو عامل يوميّ وسجين سابق، اضطرّته الظروف الاجتماعيّة القاسية إلى الانقطاع عن الدراسة وإلى العمل المُضني في سنّ مبكّرة من أجل قوت العيش. وقد عكس عالمه الّذي مُزجت فيه البطالة مع التهميش والهجرة السريّة، واقع الآلاف من الشباب العرب عبر عدسة المخرج.

شارك هذا الفيلم في مهرجانات عالميّة عديدة، وشهد إقبالا جماهيريّا كبيرا في تونس، رغم أنّه ليس بالفيلم التجاري.

ولعلّ آخر أفلام السينما البديلة فيلم “قتاد” الّذي أنتجه 5 شبّان تونسيّين حول اعتصام “الكامور”. والكامور اسم عرف به اعتصام للمُعطَّلين عن العمل بالجنوب التونسي دام لأسابيع متتالية، نصبوا خلاله خيامهم بالحقول النفطيّة في الصحراء، احتجاجا على سياسة التهميش الّتي انتهجتها الدولة تجاه المعطَّلين في المناطق الجنوبيّة من البلاد.

لم يكن هذا الفيلم مُكْلِفًا، فقد توجّه هؤلاء الشباب إلى مكان الاعتصام حاملين معهم كاميرات ومعدّات صوت فحسب، ومكثوا هناك على مدار يوميْن: يصوّرون قصص المعتصمين دون زيادة أو نقصان. وقد حاز الفيلم على عدد من الجوائز في مسابقات تونسيّة للسينما البديلة.

ورغم أنّ هذه النوعيّة من الأفلام ليست جديدة على السينما العربيّة الّتي تجذّرت في بيئة تتميّز بالوعي السياسي الحادّ لقطاعات واسعة من شعوبها، إلّا أنّها لم تحظَ بفرص النجاح، بسبب اكتساح الأفلام التجاريّة لدور العرض و إقبال الشركات المنتجة عليها.

لكن لا يمكننا أن نُغفل العلامات المُضيئة في تاريخ السينما العربيّة البديلة، مثل فيلم “وقائع سنوات الجمر” للجزائري محمّد الأخضر حامينا، الّذي فاز بالسعفة الذهبيّة في مهرجان كان سنة 1975. ويروي هذا الأثر الفنّي الشهير قصّة النضال الجزائري وانتهاكات حقوق الإنسان الّتي ارتكبها المستعمر الفرنسي في فترة احتلاله للبلاد.

كما لا يفوتنا أن نذكر أيضا فيلم “السفراء” للتونسي ناصر القطاري، الّذي عالج مشاكل العمّال العرب في أوروبا. هذا إضافة إلى أسماء عديدة عبّدت الطريق أمام السينما البديلة، أو سينما المؤلّف مثل المخرج السينمائي السوري محمّد ملص، والمصري توفيق صالح في فيلميه “المخدوعون” و”رجال تحت الشمس”، واللبناني مارون البغدادي، وصولًا إلى الموريتاني عبد الرحمان سيساكو.

من المبادرات العربيّة المهمّة لتشجيع السينما البديلة، نذكر الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق”، الّذي يُحاول المساهمة في تعويض النقص الهائل في الدعم للإنتاج الثقافي المستقلّ في المنطقة العربيّة. وقد تأسّست “آفاق” عام 2007، وهي تنشط، اليوم في 18 بلدًا عربيًّا، وتُطلق سنويًّا دعوة عامّة لتقديم المنح الخاصّة بدعم العاملين في مجالات الأدب والفنون البصريّة وفنون الأداء خلال النصف الأول من العام، تليها دعوة عامّة خلال النصف الثاني مخصّصة لمجال السينما، والموسيقى، والبحوث والتدريب والنشاطات الإقليميّة.

كما انطلقت قنوات تلفزيّة عالميّة في تخصيص حيّز زمني لعرض هذه الأفلام. ومنها شبكة “بي بي سي” الّتي انطلقت منذ سنة 2012 في مشروع “سينما بديلة”، احتفاءا بالأفلام العربيّة و العالميّة الّتي لا تُروَّجُ في دور العرض التجاريّة.

إنّ كلّ هذه المبادرات تعزّز الأمل في صناعة أنماط سنيمائيّة بديلة تنجح في تسليط الضوء على الطابع المركّب لمجتمعاتنا العربيّة، بكلّ تناقضاتها، بأوجاعها وآمالها وخيباتها وأحلامها، بعيدًا عن نزعات الاختزال والتسطيح والتنميط السائدة في السواد الأعظم لما يُنتَجُ حول العرب من داخل هذه المنطقة ومن خارجها.

دواجة العوادني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد