ثقافة

المشموم: عبق الفل والياسمين

لا شيء يميز صيف تونس اكثر من مشموم الفل والياسمين

 

يرتبط الصيف في تونس بمشموم الفل او الياسمين، هذه الزهرة التي تتميز ببياضها الناصع ورائحتها الفواحة العبقة، والتي يحتفي بها التونسيون كثيرا ويبدؤون أمسياتهم الصيفية باقتنائها.

وتحمل باقة المشموم عادة إما في اليد أو مرشوقة فوق إحدى الأذنين أو منتصبة في جيب القميص، كما تعلق باستعمال الابرة في خيط رفيع، فتغدو عقدا بديعا تنظم حباته كاللالىء لتلبس حول جيد النساء فوق الصدور تزينها فتضوّع بعبق الياسمين والفل الساحر الذي يخلب الالباب.

ويشتق لفظ المشموم لغويّا من فعل “شم” الذي يحيل لحركة رفع المشموم باليد ومقاربته للأنف من أجل الانتعاش برائحته الفواحة والاستمتاع بعطر زهوره. علاقة التونسي بمشموم الفل والياسمين تتجاوز فعل الشم الى التعبير عن رابط روحي بينه وبين بلده.

 

 

يعد المشموم رمزا من رموز تونس ومن يزور البلاد يعرف روائح زهور الفل والياسمين التي تعطر انهجها وأزقتها.  وتزخر الحدائق التونسية بأشجار الفلّ والياسمين التي تزرع عادة في الحدائق الخارجية لتمتد على أسوار المنازل وتطلّ على الشوارع برائحتها الزكيّة ولونها الأبيض الساحر.

 

 

خلال موسم الصيف، لا تكاد تمر بمكان عام إلا وتجد باعة المشموم يتجولون حاملين باقات زهورهم بالغة مرتبة في طبق مصنوع من الحلفاء متنقلين بين الشوارع والمقاهي والنزل والشواطئ وقاعات الأفراح بأسعار في متناول الجميع.

 

 

 

ويتميّز باعة المشموم عن غيرهم بارتداء ملابس تقليدية، كالشاشية الحمراء على الرؤوس والبدعية، او السترة المطرزة، التي تتماشى وطبيعة هذا المشموم المتجذر في التراث الشعبي والذاكرة الجمعية. اما في المناسبات الخاصة كالأعراس وحفلات الختان فيزين المشموم بمواد مستوحاة من لباس العروس (كالعقيق والخرز) حتى تكون أكثر انسجاما مع الأفراح التي يعطرها.

 

 

ولعلّ مكانة المشموم لم تقف عند الاستمتاع بعبق فله وياسمينه، مرشوقا خلف الاذان او محمولا باليد او موضوعا في الجيب، بل تعدته لتكون حديث الشعراء في قصائدهم والمغنّين في أغانيهم.

 

 

ومن أشهر ما ترنم به هؤلاء أغنية “يا لّي رشقت المشموم” وكذلك “ياسمين وفل” للفنان يوسف التميمي وأغنية “مشموم الفل” للفنان الطاهر غرسة وغيرها من الأغاني الجميلة النابعة من عمق التراث الفني التونسي، التي لا ما انفك أهل البلد يترنمون بها في كل أفراحهم تمايلون على أنغامها ملوحين بالمشموم في أيديهم طربا وتعبيرا عن الاستحسان والانتشاء.

 

 

كما استهوت المشاميم الرسامين التونسيين، فنجدها مثلا في رسومات الفنان زبير التركي، الذي يوزع المشموم على لوحات اعتمد فيها تقنية الرسم الخطي على الورق الأبيض، ومن بينها لوحتا “صيف في المدينة” و”مشهد من سيدي أبي سعيد”.

 من زهرة الى مشموم

لصناعة المشموم مراحل معروفة، نقلت تفاصيلها وتقنياتها الماهرة جيلا بعد جيل. تحصد براعم الفل والياسمين قبل تفتّحها وتقطف من الحدائق الغناء في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس.  ثم تصفف على أعواد رقيقة من نبتة الحلفاء، ويرشق برعم في كل عود، ثم تجمع الأعواد وتلف بخيط رقيق حتى تشكل باقة رشيقة يسهل حملها في اليد.

 

 

في حفلات الزفاف والمناسبات، تصنع أشكال مختلفة عن المشموم العادي، منه القلائد الكبيرة الحجم الآي توضع حول رقبة العروسة والعريس أو الباقات الأنيقة التي تتوسطها زهرة حمراء او الأحرف الأولى من اسمي العريسين السعيدين.

 

 

وتتنافس عديد القرى والمدن التونسية الساحلية المعروفة بمناخها اللطيف المعتدل، مثل رادس وقصر هلال والمكنين والحمامات، في إعداد أجمل هذه الباقات وإتقانها في أحجام مختلفة بمهارة مثيرة للإعجاب.

 

 

وقد حافظت صناعة المشموم على أصالتها، رغم بعض التجديدات التي ادخلت عليها، وهي من أهم الحرف التي تشغّل مئات العائلات كلّ صيف، فيصطف ابناؤها خلال عطلتهم الصيفية على الارصفة وقارعة الطرقات لبيع ما تصنعه النسوة في شرفات بيوتهن وحدائقهن، مساهمين بذلك في الدورة الاقتصادية الوطنيّة.

 

 

كما سجّل المشموم حضوره في صادرات البلاد التونسية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، ووجهت معظم الكميات إلى الأسواق البلجيكية والفرنسية والسويسرية والهولندية. كما تقتني شركات الملاحة الجويّة والبحرية التونسية آلاف المشاميم كل صيف للاحتفاء بحرفائها من التونسيين المقيمين خارج الوطن أوالسيّاح والترحيب بهم حين استقبالهم في المطارات والموانىء والنزل ودور الضيافة.

 

 

تعبيرا للتعلق الشديد والحب العميق لهذا المتوج التونسي الأصيل، أعدّ الصانع التونسي فرجاني العقربي سنة 2007 باقة عملاقة من المشموم مسجلا بذلك اسمه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. واستغرق إعداد الباقة يوما كاملا وقدّرت كلفة إنتاجها بحوالي 200 دينار وتألفت من 500 مشموم صغير كما تطلب انتاجها 6 كلغ من الياسمين.

هكذا يبقى مشموم الفلّ والياسمين رمزا تونسيّا بامتياز يحظى بمنزلة مبجلة مرموقة لا تنازعها عليه اية زهرة، على تنوع الورود والأعشاب العطرة في هذه الارض المتوسطية الخصبة، فالرابط بين التونسي وباقة المشموم مقدس مكين لا يفقه سرها الاّ هو.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق