مجتمع

كيف تشرّع قوانين عربية جرائم الاغتصاب؟

انتشر على الفايس بوك فيديو صادم حول تعرض فتاة مغربية لمحاولة اغتصاب جماعي داخل حافلة نقل عمومي. وقد اثار الفيديو استنكارا واسعا سواء في المغرب أو خارجه. حادثة هزّت الرأي العام العربي و العالمي . فقد قام  مجموعة من المراهقين بتجريد فتاة من ثيابهاولمس أجزاء من جسدها وسط هيستيريا من الضحك، فيما كانت الفتاة تتوسل إليهم لتركها تنزل من الحافلة.

وقد اثار  الفيديو سخط مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين وجهوا اللوم الى سائق الحافلة الذي لم يعر الأمر اي اهتمام وواصل القيادة غير عابىء بصراخ الفتاة واستغاثاتها، بدل تحويل الحافلة الى اقرب مركز للأمن في مدينة الدار البيضاء أين وقعت الحادثة. وقد تمكنت قوات الأمن من إلقاء القبض على المتورطين في الجريمة، وهم ستة اشخاص. وذكرت الشرطة أن الفتاة البالغة من العمر 24 عاما تعاني إعاقة ذهنية.

هذا الفيديو الذي لا تزيد مدته عن دقيقة واحدة يمكن أن يُلخّص حجم مأساة الاغتصاب التي تتعرض لها الآلاف من الفتيات في مجتمعاتنا العربية في ظل تهاون قانوني مع المجرمين في كثير من الأحيان. حتى أن بعضا من بلدانا تُسقط عن المغتصب عقوبة السجن بمجرد زواجه بالضحية.

هذا ما دفع الكثيرين الى وصف عقوبة جرائم الاغتصاب  بعقوبة العار. وكلمة العار هنا لا تعود على فعل الاغتصاب وإنما على العقوبة التي تسقط كل التتبعات ضد مرتكب الجرم بمجرد موافقته على الزواج بالضحية. وكأن التعدي عليها و على حرمتها الجسدية والنفسية عنوة لا  يكفي، حتى تضطر للعيش مع مغتصبها تحت سقف واحد.

تزويج فتاة 13 عاما يحرج القضاء التونسي

في تونس، صادق مجلس نواب الشعب في جويلية\يوليو 2017 على تنقيح المادة 227 من المجلة الجزائية، والتي تمكّن المغتصب من الإفلات من العقاب بمجرد الزواج بالضحية، في اطار قانون مناهضة العنف ضد المراة.

وكانت المنظمات النسوية والحقوقية في تونس قد سعت للمطالبة بإلغاء هذه المادة بعد صدور حكم سنة 2016 يقضي بتزويج فتاة تبلغ من العمر 13 عاما من مغتصبها و هي حامل في شهرها الثاني. مما جعل النيابة العمومية تتحرك للإعتراض على هذا الحكم وإبطاله.

وينص  القانون الجديد على إبطال مفهوم الرضا في الواقعة إذا كانت الضحية دون 16 عاما. ويعاقب المجرم بالسجن المؤبد اذا تم الاغتصاب باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به، أو باستعمال مواد وأقراص مخدرة، أو أن يكون مرتكب الجريمة من أصول أو فروع الضحية وكانت له عليها سلطة أو نفوذ كأن يكون ولي أمرها أو معلمها مثلا.

الأبيض لا يحجب الإغتصاب

بفساتين زفاف بيضاء ملوثة تظهر الجروح والكدمات الملطخة بالدم القاني، اصطفت الفتيات في بيروت  أواخر سنة 2016 أمام البرلمان للمطالبة بإلغاء المادة المتعلقة بإسقاط التتبع القضائي لمرتكب جريمة الاغتصاب اذا تزوج بالضحية . وفعلا نتج عن هذه التحركات الشعبية الغاء البرلمان لهذه المادة .

ولم تكن لبنان الدولة العربية الأولى التي تلغي قانون إسقاط العقوبة فقد ألغت المغرب قانون ايقاف الملاحقة القانونية بالزواج بعد انتحار فتاة مغربية تدعى امينة الفلالي كانت تبلغ من العمر 16 ربيعا اثر تزويجها بمغتصبها سنة 2014.

في مصر أيضا تتراوح عقوبة الاغتصاب من 5 سنوات سجنا إلى المؤبد. ورغم إلغاء المادة المتعلقة بإعفاء الجاني من العقوبة اذا تزوج الضحية منذ سنة 1999 الا ان الامر لا يزال عادة متعارفا عليها في المجتمع المصري درءا للفضيحة باستثناء بعض الحالات.

كما لا ينص القانون القطري على إسقاط العقوبة بالزواج، والتي قد تصل إلى المؤبد إذا كانت الضحية قاصرا أو كان الجاني من أقاربها او ذا سلطة عليها (معلمها أو ولي أمرها مثلا). كما يعدم الجاني في البحرين إذا أدى فعل الاغتصاب إلى موت الضحية.

إن المطلع على القوانين العربية بخصوص جرائم الاغتصاب يلاحظ نصا قانونيا قويا تصل فيه العقوبات إلى الإعدام كما هو الحال في الأردن أو إلى المؤبد كما في العراق وتونس لكن كل هذا يسقط و يكافؤ المجرم بالزواج من ضحيته.

 مسؤولية الاثبات تقع على الضحية

وكأن الفتاة لا يكفيها الاغتصاب حتى تضطر لإثبات أن الواقعة تمت دون رضاها. هذا ما يحصل للفتاة السودانية  حيث تطالبها المحكمة بإثبات أنها تعرضت للاغتصاب عنوة، وهو ما يعرضها لاحتمال تتبعها بتهمة الزنا إذا لم تتمكن من إثبات التهمة على مغتصبها وعقوبتها الإعدام رجما للمتزوجة.

كذلك الأمر في موريتانيا حيث يصعب إثبات ارتكاب الجريمة أمام القضاء، إذ لا بد من إقرار الشخص نفسه بأنه هو الفاعل، أو شهادة أربعة رجال على رؤيتهم لارتكاب الواقعة، وهو أمر يعد مستحيلا.

الاغتصاب جريمة لا يمحو آثارها الزمن فحتى لو تماسك جسد المرأة فان الآثار النفسية المدمرة للاغتصاب ترافق المرأة طول حياتها حتى أن البعض من المغتصبات تنقلب حياتهن رأسا على عقب و تفقد توازنها النفسي جراء الصدمة التي تعرضت لها وانتهاك حرمتها الجسدية والانسانية.

هكذا تحاكم الضحية من أجل ابشع جرم يمكن ان يقترف في حقها وتجبر على الاقتران لمن اخضعها لرغابته عنوة، تلاحقها وصمة الإغتصاب طوال حياتها ويحملها من حولها ذنبا لم تقترفه.

في المقابل وفي افضل الحالات وفي حال تمكنت الضحية من اثبات جرم ما الحقه بها الجاني، يقضي الأخير بعض السنوات في السجن، يعود اثرها لمتابعة حياته الطبيعية، يتزوج و يؤسس أسرة وكأن شيئا لم يكن.

دواجة العوادني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد