مدوناتالرئيسيسياسة

سيدات الرباط: صمود على أعتاب الأقصى

ايليا غربية- القدس

لا فرق كبير بين الماضي والحاضر، دائرة الاستهداف واحدة منذ أن احتلت “إسرائيل” الأراضي الفلسطينية عام 1948 ولا أحد مستثنى، فمع كل هبة وانتفاضة تدفع المرأة ثمناً لا يقل عما يدفعه الرجل في ساحات النضال والرباط. لذا لم يكن المشهد على أعتاب المسجد الأقصى وبوابات القدس القديمة غريباً، دموع النساء هناك وصرخاتهن لم تكل أو تمل على مدار 14 يوماً.

ومن الظلم أن يقال إنهن مرابطات هذه الأحداث فحسب، إذ تجاوز رباط بعضهن عشرات السنين في مصاطب العلم والتعليم والصلاة والاعتكاف، والدفاع عن هذه المساحة الدينية والتاريخية.

تقول عايدة الصيداوي، الخمسينية المبتسمة دائماً، والتي تشق طريقها من باب الحديد أين تسكن إلى طريق الواد حيث تتجمع المرابطات تارة وبالقرب من باب الأسباط تارة أخرى.

“الرباط يعني أن تنتظر الصلاة تلو الصلاة ما بين الصلوات في أنحاء المسجد الأقصى المبارك، تصلي، تسبح وتقرأ القرآن وتعلّمه، العمل الخالص لوجه الله تعالى، يومنا مليء بالعلم والتعلم، نحن هنا من أجل القدس والأقصى”

لذا تسمي الصيداوي نفسها “جارة الأقصى”، فمنذ 37 عاماً تعتبر نفسها مرابطة في الأقصى والقدس العتيقة.

 

لم يثن الضرب والاعتقال والإبعاد القسري جارة الأقصى عن زيارته والرباط فيه وما حوله، فقد تعرضت للاعتقال كثيراً، منها ثلاث مرات كانت في السجن الفعلي لعدة أشهر وللأبعاد عشرات المرات، ناهيك عن الاعتداء عليها وضربها ومحاولات نزع حجابها خلال تصديها لهجمات المستوطنين وجنود الاحتلال.

تقول: “بكيت بحرقة، بكيت كثيراً حين أبعدت عن الأقصى٬ أنا جارة الأقصى٬ دقائق قليلة تفصلني عن باحاته، بكيت حين عدت إليه بشوق أيضاً”.

هكذا وصفت الصيداوي مشاعرها خلال الإبعاد وبعده، إذ تستخدم سلطات الاحتلال سياسة إبعاد المصلين والمرابطين عن الأقصى كعقوبة تصدر بحق كل من يتصدى لجنود الاحتلال، بالتكبيرات وعرقلة الحركة، وفي معظم الحالات يتم تدقيق بطاقات المرابطين الشخصية وتصويرهم والتحقيق معهم واعتقالهم أو تغريمهم.

تذكر الصيداوي كيف تم منع الرباط لخمس سنين متتالية بعد سلسلة النشاطات التي كثفتها المؤسسات العاملة من أجل القدس والأقصى٬ منها مؤسسة “إعمار الأقصى” التي ترابط الصيداوي ورفيقاتها بالتنسيق من خلالها.

تقول: “لا يريد الاحتلال أن يرى أي تجمع في الأقصى، يحاولون منعنا وترهيبنا بشتى الطرق ويستخدمون كل أشكال الترهيب والتخويف، لكن هذا لن يثنينا عن الدفاع عن أقصانا وقدسنا، نحن ندافع عن عقيدة وهوية”.

أوقف الاحتلال مخصصات التأمين الصحي للصيداوي وزوجها المريض منذ عامين كعقاب على رباطهما في الأقصى، إذ لا مصدر دخل لهما كونهما كبيران ولا أولاد لديهما.

تؤكد الصيداوي أن الرباط لا يجب أن يقتصر على عمر أو جنس معين، مطلوب من الكل أن يرابط في القدس والأقصى فتقول

“المرأة والرجل خط دفاع أول عن المسجد الأقصى والقدس، المرأة كانت تعد الطعام والشراب وتعطي الدروس الدينية وتقدم خدمات الإسعاف للمرابطين من مختلف الأعمار…التجربة الأخيرة أثبتت أهمية تواجد المرأة الفلسطينية التي نامت على أبواب الأقصى وصحبت أولادها وزوجها هناك.”

 

أم أحمد، خديجة خويص، أم لخمسة أبناء، من الوجوه المعروفة عند الحديث عن مرابطات القدس والأقصى٬ تصحب في معظم الاحيان أبناءها للصلاة والرباط هناك. وكغيرها من المرابطات حُرمت من التأمين الصحي وباقي حقوقها المدنية كمقدسية تعيش مع عائلتها بلدة الطور المطلة على المسجد الأقصى. كما تعرضت لمحاولات ابتزاز من قبل الاحتلال، منها التهديدات باعتقال كافة أفراد عائلتها، وهو ما حدث فعلاً؛ حيث اعتقلوا ابنتها وحققوا معها.

هذا العقاب جاء بعد أن واظبت خويص على الرباط في المسجد الاقصى والتصدي لهجمات المستوطنين الاستفزازية بحماية جنود الاحتلال٬ كما تشارك وبفعالية كمعلمة في مصاطب العلم لتدريس الفقه وتفسير القران للمرابطات والاطفال ممن يرتادون الأقصى للصلاة وأداء العبادات.

تعرضت خويص أيضاَ للإبعاد المفتوح عدة مرات، إلى جانب الاعتداءات والاحتجاز لأسباب كان منها التكبير في وجه المستوطنين والوقوف أمامهم، فتعرضت خويص للإبعاد ثمانية مرات عن المسجد الأقصى، ليس عن المسجد الأقصى أو أبوابه فقط! وإنما عن البلدة القديمة كلها، لتكون أول امرأة مقدسية تبعد عن البلدة القديمة ولمدة طويلة.

فقد تم إبعادها في عام واحد ما يزيد عن ثمانية أشهر، وليست مرات متتالية، وذلك قبل يجدد إبعادها لمدة شهرين آخرين عن البلدة القديمة. تقول:

“خلال الرباط نتلو القرآن، ونطلق التكبيرات، لعلّ صوتها يصل إلى كلّ امرأة ورجل وطفل قادر على الوصول إلى هُنا، ونصرة الأقصى. بهذه الطريقة نستطيع الضغط عليهم ليفتحوا لنا أبواب المسجد للدخول والصلاة فيه بعزّة وكرامة، من دون إهانة أو تفتيش.”

تبدأ المرابطات أيامهن في الرباط بالمسجد الأقصى في ساعات الصباح الباكر، يتجمعن ثم يبدأن حلقات العلم، ويصلين صلاة الضحى، ويستعدن للتصدي لقطعان المستوطنين الذين يقتحمون المسجد الأقصى، بالتكبيرات وتعزيز التواجد فيه، ضد محاولات الاحتلال فرض “التقسيم الزماني والمكاني” للمسجد الأقصى، حيث يحاول الاحتلال تخصيص فترة صباحية للمستوطنين، ومن ثمّ وقتاً لأداء صلاة الظهر فقط للمسلمين، وبعدها يسمح مرة أخرى للمستوطنين باقتحام المسجد الأقصى. إلا أن تواجد المرابطات والمرابطين طيلة ذلك الوقت كان يحول دون نجاح الاحتلال بفرضه.

وخلال أحداث القدس الأخيرة: واظبت المرابطات على تكثيف الدعوات والرباط في محيط الحرم القدسي الشريف عند وضع البوابات الإلكترونية والامتناع عن الصلاة في باحات الأقصى إلا بكرامة، وكان حضورهن وهتافهن لافتاً لكل من سنحت له الفرصة رؤية المشهد المقدسي المتحد فكراً وجسداً.

وبذلك يكون رباط وصمود الصيداوي وخويص وأخواتهن المرابطات شوكة في حلق الاحتلال، فقد استفز صبرهن ونضالهن الطويل سياسات الاحتلال الذي لا يكف عن صدهن وإبعادهن عن المسجد الأقصى والقدس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “سيدات الرباط: صمود على أعتاب الأقصى”

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق