ثقافة

“الشاشيّة”: رحلة بين القيروان والأندلس

هي قبّعة تقليديّة، حمراء اللون، تتكوّن من الصوف الخالص ويصنعها حرفيّون مختصّون، إنّها “الشاشيّة” التونسيّة، المكوّن الأساسي للباس الرجالي التقليدي التونسي، وأكثره عراقة.

ظلّت “الشاشيّة” طيلة قرون، لباسا ذكوريًّا ترتديه كلّ شرائح المجتمع وكلّ فئاته العمريّة، فكان من العيب أن يُشاهَد التونسي في الشارع عاري الرأس، سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، شيخًا أو كهلًا أو طفلًا حتّى.  وتلبس الشاشيّة تتوّج مع “الجبّة” أو مع البدلة العصريّة عند مجموعة كبيرة من رجال الفكر والثقافة في فترة الاستعمار الفرنسي.

 الشاشيّة القيروانيّة من الأندلس إلى تونس:

تروي المراجع التاريخيّة أنّه عندما فتحت الجيوش الإسلاميّة مدينة القيروان، عاصمة الأغالبة، بقيادة عقبة ابن نافع، كان في الجيش فرسان من مدينة شاش (الاسم القديم لطشقند في أوزباكستان) يرتدون قبّعات، ومنها استمدّت “الشاشيّة” اسمها، وبدأت صناعتها وتطويرها في القيروان بجانب جامع عقبة ابن نافع، فكانت “الشاشيّة القيروانيّة”.

وانتقلت صناعة الشاشيّة من القيروان التونسيّة إلى فاس المغربيّة، فسُمّيت على اسم المدينة فاس، ويقال أيضا أنّها انتقلت كذلك، في نفس الفترة، إلى بلاد الأندلس بإسبانيا لأسباب اقتصاديّة وسياسيّة، خاصّة وأنّ الأندلس عرفت ازدهارا كبيرا في ذلك العصر.

واستمدّت “الشاشيّة الأندلسيّة” فكرتها من “الشاشيّة القيروانية”، حيث لاقت رواجًا في كامل ربوع الأندلس، إلى حين طرد ملك الإسبان فيليب الثالث للمسلمين في أواخر القرن الخامس عشر، فاتّجهوا إلى شمال إفريقيا، وكان من بين الوافدين صنّاع الشاشيّة.

كان لقدوم الأندلسيّين إلى تونس فضل كبير على تطوّر صناعة الشاشيّة، فعرفت أوج ازدهارها في القرنيْن 18 و19، خاصّة بعد بناء السوق الصغيرة والكبيرة من قبل حمّودة باشا الحسيني في تلك الفترة.

صناعة “الشاشيّة”: حرفة لا يعرف سرّها إلّا التونسيّين

تعدّ صناعة الشاشيّة من الفنون الراقية الّتي طالما اقتصرت على الأغنياء وأعيان البلاد، وهي تخضع لتقاليد صارمة خلال كامل مراحل صناعتها.

تبدأ بعمليّة «التلبيد» في مدينتي طبربة والبطان (نحو 30 كلم غرب العاصمة التونسيّة)، وتتوجّه بعد ذلك إلى مدينة العالية -حيث يقيم أندلسيّو تونس- لإجراء عملية «الكربلة» باستخدام نبتة «الكرضون»، ثمّ تسافر المواد الأوليّة إلى مدينة زغوان (قرب العاصمة) لصبغها بمياه العيون الصافية، وأخيرًا تتّخذ طريق العاصمة، مرّة أخرى، لمُعالجتها بالكرضون والقالب، وعندها تصبح جاهزة للبيع.

تُجرى كلّ هذه المراحل تحت إشراف «المعلّم» القارّ بتونس، كما أنّ المدن المذكورة “طبربة والبطان والعالية وزغوان..” هي مدن معظم سكّانها ذوو أصول أندلسيّة.

ويُسمّى ممتهن صناعة “الشاشيّة” بـ”الشوّاشي”، ويعمل في سوق “الشوّاشين” بمدينة تونس العتيقة، قرب جامع الزيتونة المعمور، وهو المقرّ الوحيد لحرفيّي “الشاشيّة” بتونس.

تقول الأرقام الرسميّة أنّ 80٪ من “الشواشي” تُصدّر إلى ليبيا والجزائر والمغرب والسودان ونيجيريا والشرق الأوسط وآسيا.

وتُعدّ الشاشيّة التونسيّة علامة مميّزة لا يمكن أن تخضع للتقليد، إذ أنّ صناعتها حكر على حرفيّين تخصّصوا فيها منذ 7قرون.

 “الشاشيّة” التونسيّة، توّجت رؤوس حكّام أفارقة:

تحظى “الشاشيّة” بشعبيّة كبيرة في العديد من بلدان غرب أفريقيا، خاصّة في نيجيريا والنيجر، فالقبّعة التونسيّة التقليديّة تُعدّ رمزا للسلطة والنفوذ هناك. ولبس رؤساء نيجيريا “الشاشيّة” المستوردة من تونس، كالرئيس “محمد يوسوفو” و”مامادو تانجا”، إضافة إلى قادة الأحزاب السياسيّة في البلاد.

وما تزال نيجيريا والنيجر، وخاصّة ليبيا، على رأس الدول الّتي تطلب “الشاشيّة” التونسيّة الّتي لم تجد لها منافسة جادّة إلى حدّ الآن.

كما لبس بايات تونس “الشاشيّة” المطرّزة بالذهب، وكانت رمز السلطة والعراقة في عهدهم.

ويقول المؤرّخون أنّ الشاشيّة كانت جزءً من الزيّ الشعبي قبل عام 1830، عندما قام السلطان العثماني محمود الثاني بحلّ الجيش الانكشاري وتأسيس جيش عصري بلباس عسكري جديد متوّج بالطربوش، ومنذ ذلك الوقت بات رمزا للرقيّ والرفعة.

حرفة عريقة تكافح من أجل البقاء:

يشتكي الحرفيّون اليوم من نقص المواد الأوّليّة، إذ تعتمد صناعة “الشاشيّة” أساسًا على مادّة الصوف الخالص، إلّا أن تونس تُصدّر الصوف كمادّة أوّليّة إلى فرنسا، ثمّ تقوم باستيراده مصنّعًا بتكلفة باهظة منها، وهي مشكلة تعمقت مع تدهور الدينار التونسي.

ناهيك عن عزوف الشباب عن امتهان الحرف التقليديّة بصفة عامّة، لأنّها تتطلّب الصبر والمعرفة، كما أنّها لم تعد مدرّة للمال كما كانت في الماضي اين كان الكل يرتديها، شيبا وشبابا، فقراء واغنياء.

ويقول الحرفيّون ان مجيء الملابس المصنّعة والعادات الغربيّة الدخيلة على المجتمع التونسي بعد الاستقلال سنة 1956، دمّر الصناعات التقليديّة في تونس، وخصوصًا “الشاشيّة”، فأصبح ارتداؤها مقتصرًا على المحافل الدينيّة والأعراس. وتفاقمت هذه الأزمة لعقود في ظلّ غياب خطّة من الدولة لحماية هذا الموروث الوطني العريق.

تقول إحصائيّات الديوان الوطني للصناعات التقليديّة، انه لم يبقَ سوى 20 محلّا فقط، من أصل 400 محلّا كان يختصّ في صناعة الشاشيّة في منتصف القرن الماضي. كما أنّ من يُفارق الحياة من “الشوّاشين” لا يُعوّض، مع غياب مشاريع التدريب والتكوين للشباب في هذه الصنعة.

أمّا مصانع “الشاشيّة” المتبقّية، فاقتصرت على بعض العائلات البورجوازيّة العريقة من أصيلي العاصمة، ويحظى هؤلاء بمكانة مرموقة داخل المجتمع التونسي، لأنّه يرجع لهم الفضل في المحافظة على هذه الحرفة عبر الأجيال دون دعم حقيقي من الدولة.

تسنيم خلف

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد