مجتمعمدونات

المقاوِمات العربيات بين النضال السياسي والنسوي

مجتمع

تستند الحركات النسوية العربية في سبيل انتشارها وكسب تأييدها على بعض الأسماء لنساء مناضلات عربيات شاركن في

المقاومة ضدّ المستعمر؛ لإضفاء المشروعية على حراكها ومطالبها، خاصة وأنّ ارتباط أسماء بعض المقاومات بهذه الحركات يساهم كثيراً في إشعاعها في محيطها العربي والإسلامي، لما يتمتعن به -أي المقاومات- من إجماع مطلق بين كلّ الطوائف الفكرية والسياسية.

أسماء كثيرة ما تزال إلى اليوم حاضرة في الذهن وفي الوجدان، جميلة بوحيرد، ليلى خالد، دلال المغربي، فاطمة نسومر، سناء محيدلي وغيرهن من المقاومات الباسلات اللواتي واجهن غطرسة المحتل، وساهمن في كسر مقولة أنّ المقاومة حكر على الرجل، نساء خلّدن أسماءهن من ذهب في تاريخ الحركات الوطنية، بل أصبحن رمزاً للحرية.

ولكن هل نجرأ على طرح السؤال التالي: هل ترتبط أسماء هؤلاء المقاومات بالحراك النسوي ومطالبه؟ وهل قدّمن فعلاً للنسوية العربية من أجل التحرّر من الهيمنة الذكورية؟ ولماذا تصرّ بعض الحركات النسوية على إلصاق أسماء المقاومات بحراكاتها؟

عندما التحقت جميلة بوحيرد وفاطمة نسومر والكثير من نساء الجزائر بالمقاومة الجزائرية، لم يطالبن بتحرير المرأة والمساواة بينها وبين الرجل، وهي أهمّ مطالب الحركة النسوية العربية، بل كانت أهدافهن مُنصبة على تحرير بلادهن من المحتل الفرنسي الذي استنزف ثروات الجزائر لأكثر من قرن.

نذكر أنّ جميلة بوحيرد من مواليد 1935 أي أنّها ولدت بعد مؤتمر النساء العالمي الأوّل في باريس سنة 1892. إذن، دخول جميلة بوحيرد إلى مجال المقاومة لم يكن من منطلقات نسوية من أجل تحرير المرأة، بل كان من منطلقات وطنية ضدّ المستعمر الفرنسي، وهي التي عُرفت بميولها الوطنية منذ شبابها. ” أمنّا الجزائر ” كانت تهتف بها ضدّ هتافات زملائها المطالبين بترديد العكس “فرنسا أمنّا” لتلتحق فيما بعد بجبهة التحرير الوطني بعد اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1954، وقد قامت بأدوار مهمة في كفاحها ضدّ المستعمر الفرنسي، وبعد الاستقلال ترأست بوحيرد الاتحاد النسائي الجزائري لسنتين قبل الخروج منه؛ وذلك لخلافاتها السياسية مع بن بلاّ وهو ما يؤكد الرأي أن منطلقات بوحيرد للنضال كانت وطنية ولم تكن نسوية.

لم تختلف سيرة فاطمة نسومر والمغيّبة عن الإعلام العربي عن سيرة المقاومات الجزائريات الأخريات، فقد عُرفت ” لالا

جميلة بوحيرد

فاطمة” بدراستها للعلوم الدينية وبكفاحها ضدّ المستعمر إلى درجة أنّها كونت جيشاً من النساء والرجال، وقد ألحقت العديد من الخسائر ضدّ جيش العدو،ّ لتكون خاتمتها الموت في سجون الاحتلال الفرنسي عن سنّ الثالثة والثلاثين سنة 1863، ولم تُعرف فاطمة نسومر بخطاب عن حقوق النساء والدعوة إلى تحريرهن، بل تجاوزت هذا إلى تحرير الأرض من المستعمر الفرنسي.

وتبقى ليلى خالد أسطورة القرن العشرين في المقاومة الفلسطينية، إذ تبقى عملياتها النوعية (خطف الطائرات) محلّ إعجاب

العالم بشجاعتها وإقدامها على التعريف بقضيتها بطرق مختلفة، مكّنتها من تسليط الضوء على ما يعيشه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني.

كذلك لم يُعرف عن ليلى خالد ورفيقاتها المقاومات الأخريات كدلال المغربي واللبنانية سناء محيدلي الانتساب إلى حركات نسوية، بل كان انتسابهن إلى حركات المقاومة باختلاف أنواعها وتياراتها الفكرية.

إذن، لنعد سويّاً إلى مربّع السؤال الأوّل: لماذا تقدم الحركات النسوية العربية على الجمع بين نضالها النسوي والمقاومات اللواتي لم يعرف عنهن الانتماء إلى مثل هذه التيارات النسوية؟

تشكلت الحركة النسوية العالمية في أمريكا في منتصف القرن التاسع عشر، بعد حادثة إضراب عاملات مصنع النسيج في نيويورك للمطالبة بالترفيع في الأجور، وهي تعتبر أوّل حادثة في التاريخ المعاصر انتفضت فيها النساء على ظروفهن المزرية نتيجة التمييز الجنسي.

طالبت النسوية الغربية في القرن التاسع عشر وفي أولى سنوات القرن العشرين بحقّ التصويت والتعليم، وحرية زواج المرأة بمن تشاء، وحقّ الملكية وغيرها من حقوق النساء المهضومة آنذاك، وقد تمّ تأسيس الاتحاد العالمي للنساء سنة 1904.

ناضلت الحركة النسوية العالمية ضدّ عنصرية البيض تجاه السود، وتفرّعت فيما بعد أي بعد انقسام العالم إلى معسكرين، إلى حركات نسوية ليبرالية مرتبطة بقيم الثورة الفرنسية المساواة والعدالة، وحركات نسوية ماركسية تدين بالولاء إلى الفكر الماركسي، وقد تأسست فيما بعد تيّارات نسوية تُعنى بحقوق المثليات والسود والناشطات في شؤون البيئة.

تعود جذور الحركة النسوية العربية إلى كتابات قاسم أمين في عهد ما عُرف بالنهضة العربية، وقد عُرف قاسم أمين بكتابيه “تحرير المرأة” و “المرأة الجديدة ” الصادرين بين عامي 1899 و1900، ويعتبران من الأسس المكونة لتيّار وخطاب النسوية العربية، إضافة إلى كتاب المصلح التونسي الطاهر الحدّاد “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” سنة 1930 والذي استلهِم منه قوانين مجلة الأحوال الشخصية بعد 26سنة من صدوره.

مع سنوات الاحتلال الإنجليزي في مصر دخلت هدى الشعراوي غمار العمل السياسي من منطلقات نسوية بعد زيارتها لإنجلترا دعت إلى تحرير المرأة، وبالعودة إلى سيرتها الذاتية ومذكراتها يمكننا الجزم أنّها في الأصل ناشطة نسوية إلى جانب نضالها ضدّ الاحتلال، وقد عرفت بقيادتها للمظاهرات سنة 1919 وبخلع الحجاب سنة 1921 بصحبة رفيقتها سيزا نبراوي.

إذن، بالعودة إلى النماذج التي تعرضنا إليها نجد أن هدى الشعراوي هي الناشطة النسوية من ضمن القلائل الأخريات اللواتي اقتحمن المجال العام من خلال مبادئ الحركة النسوية، فلماذا ارتبط الحراك النسوي بأسماء المقاومات العربيات اللواتي ساهمن في معارك التحرر الوطني دون خلفية نسوية؟

بالتأمل في بنية مجتمعاتنا العربية والإسلامية نجدها ما تزال ترزح تحت الهيمنة الذكورية، والتي ما زالت إلى اليوم ولو بتفاوت بين مجتمع وآخر تمارس الوصاية والرقابة على المرأة، وهو ما يجعل هذه الحركات النسوية في أغلبها غريبة عن المجتمع الذي تنتمي إليه، لا سيّما وأنّ مبادئها مستوردة من مبادئ النسوية العالمية، خاصة بعد الحديث عن “الجندر” والهوية الجنسية للمرأة وغيرها من الحقوق التي تتعارض مع هويّة هذه المجتمعات المحافظة.

حظي نشاط هذه الجمعيات داخل المجتمعات العربية برفض شعبي بالغ، وبمعارضة لها ولمطالبها، فكانت تنشط أساساً داخل فئات معينة من النخب والبورجوازية، على عكس النسوية الغربية التي بدأت نضالها من خلال فئات مسحوقة، كعاملات مصنع النسيج في نيويورك والنساء السود اللواتي تعرضن إلى التمييز العرقي وصل إلى التنكيل بهن في الفضاء العام.

ولعلّ ربط أسماء المناضلات العربيات اللواتي ساهمن في الكفاح ضدّ المستعمر بالرغم من أن مرجعياتهن لم تكن نسوية في الأصل بل وطنية وتحررية، بمثابة بطاقة عبور اجتماعي للجمعيات النسوية العربية والمرفوضة من قبل المجتمع بالرغم من أنّها تحظى ببعض التأييد الحكومي، خاصة إذ لم تتعارض مع سياساته.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق