مجتمعالرئيسي

الحب الممنوع: الزواج السني-الشيعي في العراق

الزواج بين الطوائف في العراق، قصص إنسانية مؤلمة وتجارة رائجة بين السياسيين

 



حيدر اندار- بغداد

غسان شاب عراقي يبلغ من العمر 21 عاماً يسكن في إحدى مناطق العاصمة بغداد، تعلّق قلبه بجارته فاتن التي تبلغ من العمر 19 عاماً.

لم يفكر غسان وحبيبته  غير في الزواج وبناء عائلة وإنجاب أطفال ثمرة لحبهما. وفعلا، تقدم لخطبتها من أهلها وتزوجا بعد فترة وأنجبا ثلاث بنات وولد.

بعد الزواج، انتقلا من منطقة أبو غريب غربي العاصمة بغداد إلى قضاء الفلوجة التابع لمحافظة الأنبار التي تبعد 65 كم غرب بغداد، ذات الطابع العشائري والقبلي، والتي تعتبر مدينة المآذن والمساجد.

عرفت مدينة الفلوجة بأنها أيقونة المقاومة العراقية وآخر معاقلها، وكانت حجر عقبة أمام إعلان الإدارة الأمريكية آنذاك، بقيادة جورج بوش الابن، الانتصار الشامل والكامل في العراق، فحوصرت الفلوجة وهوجمت بجميع الأسلحة منها المحرّم دولياً بحسب تقرير الأمم المتحدة، ولاقت القوات الأمريكية مقاومة شرسة داخل أسوار المدينة المحاصرة.

نزوح

يروي لمجلة ميم أحد أقرباء غسان فيقول:” بعد محاصرة الفلوجة من قبل القوات الأمريكية والهجوم عليها عام 2004، نزح غسان وزوجته فاتن إلى العاصمة بغداد وسكنا مدينة الغزالية، في الأثناء كانت المعارك مستعرة في النجف، وكان شقيق فاتن أحد قياديي جيش المهدي (مليشيا تابع للتيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر).

تصفية الحسابات الطائفية

ويكمل: ” الأمريكيون قاموا بقتل الآلاف من أبناء الفلوجة وأهلها بذريعة الإرهاب وتنظيم القاعدة المتشدد الذي جعل من المدينة مركزا لأنشطته. كما قُتل ايضا عدد كبير من مقاتلي جيش المهدي في محافظة النجف ذات الأغلبية الدينية للطائفة الشيعية.

وما ان هدأ القتال وسكتت البنادق، حتى بدأت تصفية الحسابات، والاغتيالات التي طالت مهندسين وأساتذة جامعات، وشخصيات دينية واجتماعية مؤثرة في العاصمة بغداد وبعض المحافظات الاخرى”.

الفراق

“زواجهما كانت طبيعيا ومتماسكا.  ولكن العلاقة في ظل الصراعات والانقسام الطائفي ازدادت توترا يوما بعد، ووصلت في نهاية المطاف إلى الانفصال بينهما.. صارا يتوجسان من بعضهما ويحاسبان بعضهما على العنف الأهوج الذي تفجر بين طائفتيهما.

“لم تعد فاتن تطيق الخلافات والأجواء المشحونة بينهما، فغادرت  بيت الزوجية لزيارة بيت أهلها ذات صباح.  هددها غسان أنها لو زارتهم فلن تعود لبيته أبداً، وفعلاً كان ذلك اخر عهدها ببيتها”، كما نقل لنا قريب غسان.

كانت الطائفية في تلك الفترة هي العنوان الأبرز في العراق، والقتل على الهوية هو الطاغي على عناوين الأخبار التي تتناقلها وكالات الأنباء.
انتهى زواج غسان وفاتن بعد أن فرقتهما العصبية الطائفية وفِرق الموت المنتشرة في كل مكان تغتال “على الهوية”.

بيت قوّضته الطائفية

“أم مهند من أصول بابلية كانت تسكن مدينة الحلة جنوب بغداد، تزوجت من محمد الذي يسكن محافظة ديالى، تعرفا على بعضهما أثناء الدراسة الجامعية في بغداد، في تسعينيات القرن الماضي، عاشا حياة طبيعية بعد الزواج وأنجبا طفلاً سمياه “مهند” وأقام  ثلاثتهم بمدينة بغداد”.

تروي لنا إحدى قريبات أم مهند عن تمسك الاخيرة بزوجها لسنوات دون اي حساسيات دينية أو عقائدية بينهما، حيث تقول: ” أم مهند تزوجت بمحمد بعد أن أعجبا ببعضهما أثناء الدراسة الجامعية، وبعد الزواج حاولا أن يجدا منطقة تتوسط بابل مدينة أم مهند وديالى المحافظة التي يسكنها زوجها، فاختارا بغداد للعيش فيها وبناء عائلتهما وعاشا هناك أعواما عديدة حياة مستقرة متآلفة”.

رفض متبادل

مع تفجر العنف الطائفي، انتشرت فرق الموت في بغداد، وباتت تقتل على الهوية من أبناء الطائفة السنية، وفي المقابل قام تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين آنذاك بتفجيرات طالت الشيعة وسعى لتهجيرهم من المناطق التي سيطر عليها.

في صبيحة كل يوم كنت تشاهد عشرات الجثث مرمية على قارعة الطرقات، بات اصحابها يعرفون ب”مجهولي الهوية”. وبلغ العنف درجة ان الذي كان يذهب إلى مقر الطب العدلي وسط بغداد ليسأل عن قريب له كان ينتهي به الحال مقتولا هو ايضا.

لذا دفن الكثير من ضحايا القتل الطائفي في مقابر جماعية تُعرف بمقابر مجهولي الهوية، يُعطى لكل جثة فيها رقم، وتُحفظ بعض ملامحها و أغراضها مع صور وملف خاص تحت ذلك الرقم عل احدا يتعرف على صاحبها في مستقبل الأيام.

أُجبرت العائلة على الانتقال إلى محافظة ديالى، لكن سرعان ما سرت اليها العدوى المذهبية هي ايضا.

تقول قريبة أم مهند: “عند انتقالهم إلى ديالى تعكر صفو العائلة بعض الشيء، لكنها لم تظهر ذلك للعلن. أصبح أخوة محمد وأهله أكثر تشدداً، وباتوا يسعون لايذاء مشاعر أم مهند واستفزازها باستمرار، حتى وصل الأمر الى فراق مؤقت بين الزوجين… انتقلت هي إلى بغداد، مصحوبة بابنها الذي انحاز اليها والى مذهبها، وازداد تشددا حتى غدا من محبي جيش المهدي.. بقيت أمه تسعى للتواصل مع زوجها. لكن ما لبث أبو مهند ان تروج من امرأة أخرى من طائفته في ديالى. وبالرغم من كل ذلك بقيت أم مهند متعلقة به وتتابع اخباره عن بعد”.

حب تمكن من الصمود

وسط ركام الحرب، وفورة الاقتتال الطائفي بين عامي 2006-2007، نمت علاقة حب بين سيف (السني) من بغداد ونورس (الشيعية)، من الديوانية، روى لنا سيف تفاصيلها

“من خلال عملي في التجارة الحرة والتنقل بين المحافظات العراقية من أجل كسب لقمة العيش، ذهبت ذات مرة إلى محافظة الديوانية التي تقع على بعد180 كم جنوب بغداد، وأثناء جولتي بها وقعت عيناي على موظفة شابة في إحدى دوائر الدولة. أُغرمت بها وبقيت أتردد على محافظة الديوانية كل فترة ولم أنقطع عنها أملا في أن تقع عيناي على نورس التي عرفت اسمها من إحدى عاملات النظافة في الدائرة”.

“وذات مرة تجرأت وتحدثت مع نورس، ووجدت أنها هي الأخرى تكن لي نفس المشاعر. طبعاً أنا لم أفكر في أنها من مذهب مختلف عن مذهبي، ولا هي فكرت في ذلك أيضاً. طرحت عليها فكرة الزواج بعد فترة من العلاقة بيننا دامت بعض الأشهر، فقبلت دون تردد. أبلغت أهلي أنني أريد الزواج من فتاة من محافظة الديوانية، ولم يعارضوا هم أيضاً، نعم سألوا عن أهلها وعن ديانتها وطائفتها، لكنهم لم يعترضوا على زواجي بها لأن عائلتي منفتحة، ووالدي صحفي ومثقف، ولا يعير أهمية لهذه الاعتبارات”.

ويتابع سيف

“تزوجنا بعد فترة وأنجبنا طفلين. لم يؤثر اختلاف مذاهبنا على أجواء العائلة أبداً، فزوجتي تصلي وفق الفقه الجعفري الشيعي، وانا أصلي وفق فقه أهل السنة، ونحن نعيش كأي عائلة في حياة متآلفة، وعلاقة الأهل ببعضهم طيبة الى اليوم ولم تتوتر أبداً ولم يحصل أي خلاف بيننا”.

الطائفية بضاعة رائجة في الانتخابات

يشير الأستاذ في جامعة المستنصرية في بغداد، الدكتور علاء الصفار، إلى أن “نمط العملية السياسية في العراق بعد 2003 أعطى إشارات مبطنة تلقاها اللاوعي الجمعي، واستفادت منها بعض الجهات المرتبطة بقوى خارجية وإقليمية أججت الفتنة الطائفية في الشارع من خلال اعتماد خطاب طائفي لاغراض سياسية تتعلق بالرغبة في السيطرة والاستحواذ”.

“هكذا تأثر المجتمع بالشحن الطائفي، وانزلقت عناصر منه الى سلوكات طائفية شاذة. ويعود هذا إلى أن السلطة المركزية كانت تستخدم القوة في تنفيذ سياساتها، لكن في مراحل تفكك أجهزة الدولة بعد الاحتلال، حدث فراغ وتحررت القاعدة الاجتماعية العمياء من قيودها وقتها انفلتت النزوعات الطائفية المتشددة من عقالها، فطفقت تعتدي وتدمر”

استغلال السياسيين للخطابات االتحريضية، وخصوصاً عند قرب موعد الانتخابات، يلهب الأجواء ويشحنها طائفياً. “عندما يقترب موعد الانتخابات، يحاول المستفيدون من الفجوات الطائفية من مرشحي هذا المذهب أو تلك الطائفة كسب أصوات انتخابية تمكنهم من افتكاك مقعد في البرلمان أو الحكومة. يتم التوظيف باستخدام مصطلحات وجمل مبطنة أحيانا وواضحة أحيانا أخرى، وقد غدا هذا السلوك الانتهازي خبز السياسيين وهذا أمر مخز ومعيب”

العراق تاريخيا: مجتمع متنوع متعايش

ويضيف الأستاذ بجامعة المستنصرية “الحالة الراهنة الآن في العراق يسودها الشحن الطائفي، وتحويل ثقافة المذهب ضمن الدين الواحد وتوظيفها في إطار سياسي، بمعنى أننا نعيش حالة من الطائفية، وفي الأصل ظاهرة الطوائف  طبيعية وموجودة في أغلب الأديان، ونحن عشنا في العراق مع بعضنا البعض لعقود، اديانا وطوائف مختلفة، في جو من السلم والانفتاح. حتى في زمن الخمسينيات، حين كان اليهود متواجدين في العراق قبل هجرتهم إلى إسرائيل حين قيامها، كان هنالك وئام وانسجام بين أبناء المجتمع”.

“لقد كانت هناك مصاهرة بين العراقيين من جميع الأديان والطوائف بل أكثر من ذلك، إن العشائر والقبائل العراقية في أغلبها ذات لونين طائفيين، فتجد في العشيرة الواحدة فروعا سنية واُخرى شيعية، تعود إلى جد واحد في  السلالة العرقية، وتجتمع في المناسبات معاً بالأفراح والأحزان.. العراق كان مثالا نادرا للتنوع و التعايش بين الطوائف والأديان المختلفة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد