ثقافة

رنة قبقاب حبيبي

القبقاب جزء من  تراثنا العربي الجميل، اشتركت في لبسه معظم الشعوب العربية، تجده في مشرق المنطقة، في شامها ودمشقها، وفي القاهرة،  كما تجده في مغربها، في تونس أين يُلبس في حماماتها الكثيرة العمومية إلى اليوم، تنتعله عرائسها مطرزا بالعقيق والخيطان الفضية والذهبية مع الفوطة المخططة القطنية التقليدية يوم “حمام العرس”، والنسوة في البيوت والمناسبات الإجتماعية مصاحبا للجبة والقفطان التقليدي..

 

القبقاب مما ينتعل في القدمين، مصنوع من الخشب والجلد، يرجع إلى العهد العثماني والى الشام والقدس و العراق واليمن،  وقد عُدّ قديما رمزا للدلال والجمال والتأنق، كانت ترتديه العراقيات والشاميات مع الخلاخيل.

قَبقبة وقَبقاب

لم يأت اسم القبقاب اعتباطًا، إنما سمي رمزا لقوته وهدره بالصوت والطقطقة اللذين يصدران عنه أثناء السير به. فقد ورد في  “لسان العرب” أن القَبْقَبة والقَبْقاب هي  صوت أنياب الفحل وهديره وقيل هو ترجيع الهدير. والقبقاب هو الجمل الهدّار. ورجل قبقاب وقُباقب اي كثير الكلام.

 

 

والمتمعن في البناء اللغوي لمصطلح “القبقاب”، المؤلف من التراتب والتكرار بين حرفي القاف والباء. يلاحظ أن حرف القاف، صوتيًا وبنائيًا، يحمل القوة في طياته وثناياه ووجوده في الكلمة يمنحها قوة مادية محسوسة. أما الباء فهو حرف شديد مجهور انفجاري، يتفجر من الطقطقة الحاصلة نتيجة اصطدام أسفل القبقاب بالأرض.

هذا التناوب بين الحرفين أضفى على الكلمة إيقاعًا موسيقيًا، طربيا مما  جعلها مميزة لدى المستمع الذي يميل بالفطرة الىالكلمات الايقاعية اللطيفة والرنانة. وهو ما دفع المطربين والمغنين إلى التغني به وجعل قبقبة القبقاب موسيقى تطرب لها الآذان، على غرار أغنية شادية “رنة قبقابي”،….” رنة قبقابي يا امه… وانا ماشية يا امه بتميل راسي

الكل قالوا اسم الله… حتى العزول القاسي”

و كذلك أغنية عبد العزيز محمود “يا أسمر يا جميل” التي يقول فيها: “يا اللي كعابك فوق قبقابك ورد في ميه”.

ونذكر الأغنية الشعبية الليبية  التي تقول كلماتها،”يا لابسة القبقاب…طقة بطقة… ردي بالك عليّ… أنا دافع حقه”.

وتغنت الأغاني الشعبية السورية بالقبقاب، “مريت من قدام بابها.. وسمعت رنة قبقابها” و”قبقابك ترللي.. وسيره بيغني.. وعروستنا الحلوة بعمرك تتهني”.

وقد انتشرت كثير من الأمثال العربية الشعبية، التي لا زالت تتردد على ألسنة الناس، منها “سبحان العاطي الوهاب بعد
الشبشب والقبقاب” و المثل الذي يضرب في لمّ شمل المتخاصمين، “لف السير على القبقاب صار الأعداء أحباب”

و”الشبشب والقبقاب بقوا أصحاب”.

سوق للقبافبية في دمشق 

لعب القبقاب دورا بارزا فى الثقافة الشعبية فى العالم العربى، حيث كان يستخدم بكثرة فى المنازل والحمامات الشعبية.

وعدت دمشق من أشهر المدن العربية الإسلامية التي عُرفت بصناعة القبقاب، وكان لها سوق  عريق يعرف بسوق القباقبية، تباع فيه منتجات من الحرير و المعدن و الجلد.  حيث تُصدر القباقيب إلى مصر وبيروت وإستنطبول، نظرا لحرفية ومهارة الدمشقيين.

 

سوق القباقبية بدمشق

كيف يصنع القبقاب؟

في الدول العربية،  يستعمل خشب الجوز والمشمش والتوت والصفصاف والزان، في صناعة القبقاب، بينما يصنع القبقابالدمشقي من خشب الصفصاف والحور.

ولصناعة القبقاب يقطع الخشب إلى شرائح، وفقا للمقاس المطلوب، ثم تزال الزوائد ويشكل الكعب الذي يختلف ارتفاعه، و يُنعَّم تمهيدًا لطليه،  الى حين بلوغ المرحلة الاخيرة وهي تركيب “السيّر”، وهو قطعة من الجلد تثبت على مقدمة القبقاب بمسامير خاصة تسمى «مسامير قباقبية». وعادة ما يزين القبقاب بألوان مختلفة وقد يرصع بالصدف والعظم وتُمَدُّ فيه أسلاك من القصدير أو الرصاص.

تعتبر صناعة  القبقاب عملا فنيا متميزا  يقوم على النحت والحفر، يتطلب لمسات وحذاقة ومهارة ملموسة. هذا التفنن والابداع ساهم في بروز أنواع عديدة لأشكال ومسميات القباقيب.

 

أنواع القبقاب

للقباقيب، عدة أشكال ومسميات،  واشهرها الدمشقية. التي لم يحفظ من أسمائها القديمة إلاَّ الزحاف ويقال له الزحافي وقد ذكره “المقريزي” عند المجادلة الكلامية بين قاضي القضاة زين الدين التفهي الحنفي مع الميموني، عندما حكم عليه بسفك دمه والميموني يقول له: “اتق الله يا عبد الرحمن، أنسيت قبقابك الزحَّاف وعُميَّمتكَ القطن” .

 

و يعتبر الزحاف أكثر الأشكال رواجاً نظرا لثمنه البخس ولسهولة المشي والجري به.

اضافة الى  “قبقاب سجك”، الملتصقة قدمه بالأرض و المؤخرة كعب بطول ثلاثة قراريط، وقد أشار إليه ابن إياس في وفاة قاضي محيي الدين بن النقيب بمصر 922/1516م.

و”الشِّبراوي” الذي كان يصل ارتفاع نعله إلى شبر وهو قبقاب نسائي استخدمته المرأة الدمشقية، ويكون خشبه مصدفاً وسيره مطرزاً بخطوط الفضة.

القبقاب الجركسي أو ما يسمى «المهاجرين» وجاءت تسميته لقيام بعض الحرفيين من المهاجرين والجراكسة، الذين قِدموا دمشق بصناعَتِهْ على أهل بلادهم الأصليين، وهو أقل الأشكال ارتفاعاً وألصقها بالأرض وأبخسها ثمناً، وهناك العكاوي وهو دون الشبراوي علواً، ولا يُدرى سبب التسمية، هل لأن أهل عكا يلبسونه خاصةً، أم كان يُصنع قبلها في مدينتهم عكا .

وهناك قبقاب «الكندرة» ويشبه قبقاب الجراكسة إلا أنَّ له مقدمة ومؤخرة أرجل بطول «أربعة قراريط» لاصقة بالقبقاب لأنها تنزل في تجويفين من مقدم سطح القبقاب ومؤخره وهي تصنع خاصةً لحمامات دمشق فقط، ويلبسها صَّناع الحمام والزبائن في البَرَّاني وقد يلبسه أيضاً كثير من الفقراء والموسرين اتقاءً لأوحال الشتاء.

لبسه السلاطين والأمراء

انفرد الأغنياء والملوك، باتخاذ القبقاب من الذهب المرصَّع بالجواهر، ففي عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون، لبست النساء قباقيب الذهب المرصعة بالجوهر.

 

 

ويقال ان نائب الشام الأمير منجك وفد إلى مصر عام 1372م وكان في جملة هداياه للسلطان “ثلاثة قباقيب نسائية من الذهب فيها اثنان مرصعان بالجواهر قيمتها مائة وخمسون ألف درهم”.

القبقاب مشترك بين الرجل والمرأة

لم يكن القبقاب حكرا على النساء، بل انتعله الرجال في الاسواق والمساجد والحمامات وكان أداة لتفادي الوحل في فصل الشتاء، حيث يقول في ذلك أبو الحسن الجزار:

“جبتي في الأمطار جلدي ولُبَّا         دي ثوبي، وبغلتي قبقابي”.

بينما تلبسه السيدات داخل البيت باعتباره مريحاً في الحركة والعمل في شؤون البيت. والقبقاب من لوازم حمام العروس العربية، قديما وحديثا، خاصة في دول المغرب العربي، مثل تونس، حيث يخصص يوم للاحتفال بحمام العروس، فتتوجه السلطانة في جو بهيج محاطة بالزغاريد والتهاليل و البخور وهي تمشي بدلال بقبقابها الرنان ولباس “السفساري” الحريري، الذي يضفي عليها جمالا وحياء.

وفي سوريا يسمى “القبقاب العرايسي” الذي خُصت به العروس الشامية الجميلة وتحرص أن يكون مرتفعًا عن الأرض ومطرزًا بالصدف أو مطليًّا بالفضة.

وهو إلى ذلك،  حل لقصيري القامة، ومن الطرائف أن مؤذن الجامع الأموي في القرن السابع للهجرة، وكان قصير القامة، عُمل له قبقاب عالٍ جدًّا ليرفعه عن الأرض.

 

مفيد للقدم صديق للبيئة

يحمي القبقاب الخشبي جلد الرجلين من الرطوبة والحساسية والتسلّخ والتشققات الجلدية وهو مريحٌ للقدمين. كما أنه لا يتأثر بالحرارة أو البرودة.

كما يشجع حُماة البيئة على لبس القبقاب الخشبي لأنه مصنوع من مواد طبيعية (الجلد والخشب أساسا) تتحلل سريعا في االمحيط وتذوب بسهولة إذا نفدت مدة صلاحيته وألقي به جانبا،  عكس النعال المطاطية والبلاستيكية البشعة التي تضر بجلد القدم وتتسبب في التقرحات وزيادة التعرق، وتلوث المحيط وتسممه ولا تتحلل لسنين طويلة.

 

أين القبقاب اليوم؟

تراجع  حضور القبقاب وانحسر دوره فقل آن تراه في منتعلا في الأقدام اليوم. لذا تقلص عدد صناعه والتجار الذين يبيعونه كثيرا في الدول العربية، بما فيها سوريا ودمشق، في ظل زحف كاسح للشبشب البلاستيكي، الذي بات ينافس القبقاب في مكان، في البيت والسوق والمسجد وحتى الحمامات التقليدية.

كما تراجع عدد حرفييه بسبب ظهور آلات تؤدي مهمة  قص ونحت الخشب، فبات دور الحرفي يقتصر على تثبيت الجزء المصنوع من الجلد أو القماش أو القش المجدول في النعل الخشبي.

لكن هذا لم يمنع من محاولة العديد من القباقبية تطويع القبقاب لمتطلبات الحياة العصرية، من خلال اضافة طبقة من المطاط في أسفله لتخفيف صوت احتكاكه بالارض وتغليفه بمواد تقلل امتصاصه للماء، لإطالة عمره وحمايته من التعفن والتفسخ وتلوينه وزركشته لجذب الزبائن وترغيبهم في اقتنائه والحفاظ على تراث الآباء والأجداد الجميل.

وفاء الحكيري

الوسوم

اترك رد