ثقافة

حمام العرس والاحتفاء بالجسد

ثقافة وتراث

يوم الحمام من أهم وأجمل التقاليد التي تتمسك بها معظم العائلات التونسية خاصة خلال فترة الزواج، حيث تذهب العروس في أول أيام أسبوع الاحتفال بزفافها إلى الحمام مع رفيقاتها وأقاربها، فيقع كراء فضاء الحمام لقضاء فترة محددة من اليوم للاغتسال والاحتفال.

تتم خلال يوم الحمام ممارسة طقوس خاصة، من بينها إشعال الشموع وطلاء الحيطان بالحناء ورسم الحرفين الأولين من اسمي العريس والعروس داخل إطار في شكل قلب على أهازيج الغناء والزغاريد والرقص والبخور وسط زخارف الحمام ورسوماته الجدارية والتي تضفي مسحة جمالية تتناسب مع بهجة العرس ولقاء الأصدقاء والعائلة.

تستعد أي عائلة تونسية ليوم “الحمام” بإعداد العروس وصديقاتها وأقاربها من الصبايا خاصّة محملين بحقائب الملابس والحلويات والمشروبات والحناء والبخور وفرقة نسائية خصيصا لهذا اليوم المميّز.

هذا: وتتشابه الحمامات عموما من حيث هندستها وتتشكل أغلبها من ثلاثة مكونات وهي الجزء البارد حيث ينزع المستحمون ثيابهم عند القدوم أو يلبسونها عند المغادرة وفيه أمكنة للاستلقاء والراحة بعد تعب الاستحمام وأمكنة لوضع الثياب وأيضا لتجاذب أطراف الحديث من قبل الزوار، وهناك الجزء المعتدل الذي يغتسل فيه رواد الحمام ويتطهرون من الأدران، وهناك القسم الحار أو “بيت السخون” حيث يكون حوض ممتلئا بالماء الساخن يساعد الجسم على إخراج السموم. 

رغم تسارع نسق الحياة وظهور مراكز عصرية ك “الساونا” و “الجاكوزي” وغيرها، يبقى التونسيون أوفياء لتراثهم وتقاليدهم وتبقى للحمام العربي مكانة خاصة عند جميع الفئات الاجتماعية، ويبقى يوم حمام العروس وخروجها بالسفساري أي اللباس التقليدي التونسي الأبيض من العادات الباقية الى الأن.

 الحمام في الثقافة التونسية

بالإضافة الى حمام العروس، تحرص فئات واسعة من التونسيين على زيارة “الحمّام العربي” أو الحمام العمومي اسبوعيا وخلال أيام العطل للاغتسال والاستشفاء والترويح عن النفس بلقاء الأصدقاء.

يرتبط الحمام بدرجة أولى بمفهوم الطهارة، فالطهارة البدنية لها مكانة أساسية في العبادات الإسلامية، فقد اهتم الإسلام بنظافة الجسد. وتمثل الطهارة رمزية شعائرية للإقبال على الله، ويسعى المسلم في حياته إلى ضرورة الطهارة، فكان الحمام فرصة لاكتسابها، فهذا الفضاء يعتبر طقس عبور من الدنس إلى الطهارة.

كما تتميز بعض الحمامات التقليدية التونسية بمياهها الطبيعية العذبة التي تخرج من أعماق الأرض في شكل عيون يمكن استعمالها للعلاج والاستشفاء في بلد تنتشر فيه ظاهرة الاستشفاء بالمياه المعدنية بشكل لافت منذ أزمنة عديدة.

 

الحمّام في تونس موروث قديم عرفته البلاد في الحضارات القديمة بدءا بالفترة القرطاجية حيث برزت ظاهرة الاستحمام وخصصت لها طبيعة بناء مستقلة تشهد عليها الآثار القرطاجية الباقية. وفي الفترة الرومانية تطورت هذه البنى من خلال ما يسمى بـ”الحمامات الرومانية” التي اشتهرت كثيرا في عصرها وبقي ذكرها خالدا إلى اليوم.

 

تعجّ المدينة العتيقة في تونس تحديدا بعشرات الحمامات بلغ عددها 23 حماما، ويعد حمام الدولاتي أقدمها ويرجع تاريخه إلى العصر الصنهاجي، ونجد أيضا حمّام سيدي الرصاص في الحلفاويين وحمام سيدي محرز الموجود قرب زاوية سيدي محرز. ومن أقدم الحمامات أيضا هناك حمام سوق الغرانة وفيه كتابات أعلى مدخله تبين كيف ان قاضي تونس في العصر الحفصي حوالي 1300 قام ببنائه من مال الوقف وجعله وقفا على الفقراء.

ومن فرط تقديس المسلمين للطهارة اعتبروا تشييد الحمامات صدقة جارية، تماما مثل تشييد الجوامع. فهو ضرورة لكل الناس ورمز للانتقال من حالة الدنس إلى الطهارة. وعند المؤرخين القدماء لا تعطى صفة «المدن» إلا على المكان الذي يضم جامعا وسوقا وسورا وحمّاما.

 

لا يكاد يخلو أي حي في تونس من شمالها إلى جنوبها من “الحمّام العربي” فهو يعتبر جزءا أصيلا من موروث الشعب التونسي، متجذر بهويته الثقافية. ولا يزال حمام العريس و العروس محطة ضرورية من محطات الاحتفال بالانتقال من العزوبية للحياة الزوجية، رغم مظاهر التطور والحداثة، وشعيرة تقدسها كل شرائح المجتمع، بفقرائه ومترفيه وشيبه وشبابه.

يامنة القابسي

 

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.