سياسة

رئيسة جمعية بوصلة شيماء بوهلال “المرأة حاضرة في البرامج الانتخابية غائبة في مراكز القيادة”

أرست تونس بعد الثورة تقاليد جديدة في العمل السياسي على غرار الرقابة البرلمانية ومراقبة الشفافية، وتعد  جمعية البوصلة التي تأسست في جوان 2012 احدى ابرز التعبيرات لهذا التوجه. وبوصلة منظمة غير حكومية وغير ربحية، مستقلة عن جميع التيارات السياسية تعمل على وضع المواطن في قلب العمل السياسي وإرساء آليات الحوكمة الرشيدة وممارسة سياسية أخلاقية.

وقد تولت الاستاذة شيماء بوهلال رئاسة الجمعية بعد التحاقها بها في اكتوبر 2016. وهي متحصّلة على شهادة الأستاذية في علوم الأحياء الجزئية والخلوية، وفي العلوم السياسة، من جامعة هارفرد، القيادة. وخلال تجربتها في الجامعة، ترأست جمعية الطلاب العرب، وكانت أحد منظمي مؤتمر هارفرد العربي سنة 2011، وهو أكبر مؤتمر ناقش قضايا العالم العربي في أمريكا الشمالية، لتعود الى تونس بعد الثورة وتخوض تجربتها في بوصة هناك. مجلّة ميم حاورت شيماء بوهلال وفيما يلي فحوى الحوار:

حدّيثينا عن تجربتك الخاصة كامرأة قيادية، ما الفرق بين تجربتك السابقة كناشطة والحالية على راس منظمة بحجم “بوصلة”؟

قبل أن أكون رئيسة جمعية في أكتوبر 2016، كنت أتولى رئاسة مشروع المرصد الوطني للبلديات، والذي كان يتطلّب أن أضع استراتيجية مفصّلة لجميع البلديات بكامل تراب الجمهورية. مساحة أخذ القرار هنا كانت مختلفة نوعا ما، فمن مشروع صغير على مستوى بلديات الى جمعية بوصلة التي تعمل على رصد مجلس نواب الشعب والوزارات والبلديات.

مستوى المسؤولية كذلك تغير.  في تجربة مرصد البلديات كنت مسؤولة على فريق أصغر ولي حرية أحيانا في اتخاذ مواقف شخصية، اما في رئاسة الجمعية فالأمر يختلف، لأني أصبحت أحمل على عاتقي مواقف الجمعية وأتحمّل مسؤولية في ذلك. كما أن أكثر اختلاف لاحظته هو أن المسؤولية تتواصل خارج المكتب مما بات يؤثر على حياتي الشخصية. برئاستي احدى اهم موسسات المجتمع المدني التونسي التي تسلط عليها الاضواء، أصبحت “شيماء بوصلة”، فلا وجود لمواقف شخصية وأنت في مركز قيادة والتطابق ضروري بين الموقف الشخصي والمنصب الذي أتولاّه.

امرأة تقود جمعية أرست تقاليد جديدة في الرقابة البرلمانية ومراقبة الشفافية. كيف تصفين منصبك؟

عندما كنت ناشطة مع زملائي بالمرصد لم يكن هناك تركيز حول كوني امرأة. الأمر في القيادة اختلف خاصة وأن الناس غير معتادين دائما على امرأة تتولى منصب رئاسة منظمة. فيصبح التركيز هنا على جزء من هويتك وهي كوني “امرأة”.

كمواطنة، قبل أن أكون رئيسة منظمة، لاحظت هذا التركيز على كوني امرأة، وأكبر دليل هو أنني صرت أسأل كثيرا ما اذا كنت متزوجة أم عزباء. ولا ادري لم اصبح السؤال يطرح فجاة؟

من الطريف أيضا ان النساء فقط قد ترأسن الجمعية منذ بعثها سنة 2012. وأنا محظوظة جدا لأن في فريق عملنا صلب الجمعية لا فرق بين امرأة ورجل.

الا ترين أن المرأة مغيّبة في مراكز القيادة في المجتمع المدني والفضاء السياسي؟

صحيح، حسب وجهة نظري يمكن أن نصنّف المرأة في قسم المهمّشين كما هو حال الشباب في تونس. والحديث عن امرأة قيادية لايزال مبكرا. ما نحتاجه في الحقيقة هو المواطن القيادي وقتها يمكننا الحديث عن المرأة القيادية.

بالنسبة للامرأة قيادية يجب التركيز عن الخبرة والرصيد الأكاديمي والتكوين، وهنا لُب الموضوع. اللافت للنظر أن النساء في تونس يتذمّرن من غيابهم في مراكز القيادة ومراكز أخذ القرار وهذا في حد ذاته إيجابي، لانه مدعاة للعمل على تعزيز وجودها في دواليب القيادة وتحسين تواجدها.

في مقابل غيابها عن مراكز القيادة، المرأة حاضرة في الخطابات السياسية.  لم هذه الفجوة بين الواقع والخطاب؟

المغيّب يتمّ استخدامه دائما. ذلك أن المرأة يتم استغلالها كصورة في برامج السياسيين خاصة البرامج الانتخابية منها. المرأة تمثّل نصف المجتمع التونسي وهي أيضا جزء مهم من الناخبين وكلّ ما غيب حضورها أكثر كل ما غيبت مشاغلها أيضا. فلو كانت المرأة ممثلة لما طرحت قضاياها بهذا الشكل.

ما نعيشه خلال الفترة الأخيرة لعبة سياسية تستخدم قضايا المرأة بشكل انتهازي، والمشكل أنها لن تحلّ إذا لم تكن من منظور نسوي تكون المرأة هي من تقرر فيه مصيرها. ما يمكن أن نخلص إليه أن الإشكال يتجدّد مع كل انتخابات سواء بلدية أو تشريعية أو رئاسية. تكون فيه المرأة موضوع جدل ولكن تحضر كمجرّد وسيلة تحرّك بها الملفّات.

حول عمل بوصلة، ركزتم في الفترة الماضية على الحرب على الفساد.  أين وصلتكم في خطتكم وهل تقف عند رصد حالات الفساد؟

دور جمعية بوصلة قوي ولا يقف عند الرصد. فبالإضافة الى مراقبة عمل مؤسسات الدولة المتمثلة في مجلس نواب الشعب والوزارات والبلديات، من خلال مراصدها الثلاث، نتابع ملفات تطرحها هذه المؤسسات. مؤخّرا أعلنت الحكومة عن شنّها حرب على الفساد ونحن كجمعية نقيّم هل ما اذا كانت الحكومة جادة في ادعاءاتها ومساعيها لمقاومة الفساد. فالحرب على الفساد ليست فقط إيقاف بعض الفاسدين، هي أيضا مبالغ مالية تصرف من ميزانية الدولة وقوانين يمرّرها مجلس نواب الشعب.

وأذكر أنه كان لنا موقف هام مع جمعية أنا يقظ ضدّ الفساد، خاصة بعد التسريبات التي تورّطت فيها أطراف سياسية، على غرار تسريبات نبيل القروي. جمعية بوصلة عملها الأساسي دعم الشفافية والنفاذ الى المعلومة والحرب ضد الفساد. ومن أهم المعارك التي نخوضها النفاذ الى المعلومة. من حق أي مواطن النفاذ الى المعلومات وإذا لم تتوفّر، يكون القضاء هو الفيصل، علاوة على حماية المبلغين عن الفساد والقوانين المتعلقة بالحوكمة الرشيدة.

قلتم ان المسار الانتخابي مهدّد بسبب عدم المصادقة على مجلة الجماعات المحلية، لماذا؟

ونحن على مشارف الانتخابات البلدية، من المفروض أن تجهّز مجلة الجماعات المحلية باعتبارها الإطار القانوني لعمل البلديات، علما بأنها قد جاءت بالأساس بعد تحرّك “الكامور” نحو إرساء اللامركزية وتكريس إرادة الشعب.

ويمكن الحديث هنا عن عملنا كمجتمع مدني ندعو فيه المواطنين الى ضرورة المشاركة في الحياة الانتخابية. السؤال المطروح هنا هو: على أي أساس ندعوهم الى ذلك والبرامج غير واضحة والبرلمان لم يصادق بعد على مجلّة الجماعات المحليّة.

من المهمّ جدا أن تحدّد الأحزاب السياسية برامجها الانتخابية ومجالات مسؤوليتها وأولوياتها. وإذا لم تتم المصادقة على المجلّة سيتيح ذلك فرصة للمترشحين لتقديم وعود واهية لا تمت للقانون والواقع بصلة.

هذه الممارسات لن تؤدي الا الى احباط التونسيين من المسار الديمقراطي الذي نعمل جاهدين كمجتمع مدني للمحافظة عليه. ما يمكن أن نخلص اليه هو أن انتخابات بلدية من غير مجلة الجماعات المحلية عبارة عن انتخابات تشريعية دون قانون.

كيف تنظّم بوصلة سلسلة النقاشات بين المواطنين ونواب الشعب؟

منذ صياغة الدستور بدأنا العمل بهذه الطريقة. نجرى لقاءات مباشرة بين نواب البرلمان والمواطنين في محاولة لكسر الحاجز بين الطرفين وإرساء تقاليد جديدة في عمل النواب. تعدّ هذه الطريقة في العمل فرصة للنائب قبل أن تكون فرصة للمواطنين، فالنيابة الحقيقة لا تتمّ الا عبر الاحتكاك المباشر مع المواطنين وتبادل النقاشات على مستوى أفقي.

والنواب يجب أن يتعاملوا مع المواطنين ليس فقط من جهاتهم بل من جهات مختلفة، باعتبارهم نوابا عن كافة الشعب ليس فقط عن جهة بعينها.

هل تتعاون جمعية بوصلة في نشاطها مع منظّمات خارجية؟

بالعودة الى الأصل، فكرة المرصد متأتية من فكرة خارجية في ألمانيا تحديدا، والتجربة الألمانية هذه متواصلة منذ 10 سنوات في مراقبة نشاط البرلمان الألماني. تعاوننا بالأساس يتم في إطار تبادل الخبرات، خاصة وأننا في الخطوات الأولى من العمل في مجال الرقابة البرلمانية، وأيضا تعاوننا متمثّل في الدعم اللوجستي. لكن يبقى تعاوننا مع الجمعيات التونسية هو الأكبر.

كل هذه الجهود من داخل وخارج تونس بالأساس تهدف لدعم التجربة التونسية والاحتكاك بدول لها تجارب سابقة، وأيضا لتكون التجربة التونسية قدوة للدول العربية ودول أجنبية في مجال الرقابة البرلمانية. ورصيدنا كمجتمع مدني يخوّل لنا ذلك بفضل تجربتنا الرائدة في إرساء الديمقراطية بعد الثورة.

 رغم انكم نشرتم تقرير تمويل الجمعية، لم تطرح أسئلة حول مصادر تمويلكم في كل فترة؟

السؤال عن التمويل أمر صحيّ ومن الضروري ان تساؤل كل الجمعيات عن تمويلها، ونحن ندعم مبدأ الرقابة المالية. ونعتبر دعوة نشر تمويلات الجمعيات خطوة إيجابية. هذه التمويلات الخارجية خاصة حمّالة أوجه، فهي ضرورية من من اجل التشجيع على العمل والتطور  ولكنها خطيرة في الوقت نفسه.

في مقابل دعمنا للرقابة المالية لا يجب أن تكون هذه الرقابة يغلب عليها الطابع الترهيبي.  كل التمويلات المالية تمرّر على البنك المركزي ورئاسة الحكومة، فلا خوف من نشر التمويلات الخاصة بجمعية بوصلة، ونحن دائما ننشر تقاريرنا مع ذكر الأسماء، ونفخر بذلك لأن الجمعية من أهدافها دعم الشفافية.

هل هناك ضغوطات سياسية تمارس عليكم؟

كلا ليس ضغوطات بالمعنى الدقيق، ولكن هيكليا يمكن ان نقول ان هناك بعض المشاكل، بما اننا نتعامل مع أحزاب سياسية ممثلة في مجلس نواب الشعب، ومستقبلا ممثّلة في البلديات، فليس من مصلحتها ان نطّلع ونعارض بعض القوانين التي تسعى لتمريرها.

بعض الأحزاب السياسية لها تخوّفات من عمل الجمعيات من داخل البرلمان خاصة وأنه مفتوح لعمل جمعيات المجتمع المدني على غرار بوصلة وأنا يقظ وجمعيات أخرى، وهذا نعتبره نقطة إيجابية جدا في إرساء الديمقراطية في تونس.

حاورتها يامنة القابسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد