الرئيسيسياسة

البدون أو أنصاف المواطنين

هل يمكن للإنسان أن يتخيل نفسه دون جنسية و دون انتماء؟ فهي تبدو لدى البعض حقا مكتسبا منذ الولادة. لكن تشير تقارير أممية إلى وجود ما يزيد عن 10 ملايين شخص دون جنسية.

وعربيا، توجد فئة من عديمي الجنسية، أو ما يُعرف بـ ” البدون”وهم يعيشون في دول الخليج خاصة الكويت و السعودية والإمارات و قطر. وتختلف حقوقهم من دولة الى أخرى، لكن في الاغلب لا يمكنهم الحصول على رخصة سياقة والتملّك والتعليم في المدارس الحكومية ودخول الجامعات والعمل في الوظائف الحكومية والعلاج المجاني والسفر وفتح حساب مصرفي…

تغيب الإحصائيات الرسمية بخصوص عدد “البدون” في الخليج، لكن يقدّر عددهم بمئات الآلاف حسب منظمات حقوقية. وتتواجد النسبة الأكبر منهم في كل من الكويت والسعودية. وتعود جذور هؤلاء إلى قبائل البدو الرحل الذين كانوا يتحولون بين هذه الأقطار في شبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين. وقد تجاهلت كل الدول منذ تأسيسها هذه القبائل ولم تدرجها ضمن قائمة سكانها.

هذا التجاهل أدى إلى حرمان البدون من أبسط حقوقهم، حتى أن  الجهات الرسمية ،في السعودية مثلا، لا تقبل إدراج المواليد الجدد من البدون ضمن السجلات الرسمية إلا لمن يملكون وثائق إقامة، رغم أنها وثائق مؤقتة يتم تجديدها بصفة دورية ، وغالبا ما يتم رفضها من قبل السلطات الرسمية . وهو ما يؤدي إلى وجود الآلاف من الأطفال دون بطاقات هوية وليس لهم الحق في التعليم أو العلاج.

البدون في السعودية

حسب تقرير صادر عن المنظمة السعودية للحقوق والحريات ، فإن عدد عديمي الجنسية في المملكة يتجاوز 250 ألف نسمة يعانون أشكالاً متنوعة من الحرمان والتعقيد.  و بدأت قضية البدون خلال سبعينات القرن الماضي، حيث كانت هناك قبائل تتنقل على الحدود من وإلى الدول المجاورة، ولم تسعى للحصول على الجنسية. وفي العام 1976 أصدرت السلطات السعودية بطاقات مؤقتة تلزم حامليها بالمكوث في محافظة حفر الباطن، وعدم الإبتعاد عنها أكثر من 60 كيلو متر.

وبالمقارنة مع الأجانب، يعاني البدون تمييزا كبيرا وانتهاكا لحقوقهم ، حيث يُمكّن القانون السعودي الأجانب من الحصول على الجنسية ، بغض النظر عن سهولة أو صعوبة هذه الإجراءات ، إلا أنها منظمة بشكل قانوني . فيما لا يوجد أي قانون يمكن من خلاله للبدون التقدم للحصول على الجنسية.

كما أن نظام الجنسية العام في المملكة العربية السعودية يمكّن المرأة 

البدون من الحصول على الجنسية إذا تزوجت سعوديا، فيما لا يتمتع الرجل بهذا الاجراء اذا تزوج من سعودية، كما يُحرم الأبناء  من الجنسية تبعا لوالدهم، ولو كانت امهم سعودية.

وتشير تقارير حقوقية الى انتهاء صلاحية وثائق كل البدون سنة 2015، وقد أجبرتهم السلطات على توقيع تعهد بإحضار وثيقة من دولة أخرى تدل على وجود ارتباط خارج السعودية (عمل ، نسب أو غيره) ، وذلك قبل سنة 2020. وبالتالي فإنه في غضون 3 سنوات ستتفاقم أزمة هذه الفئة من سكان المملكة خاصة وأن عددهم في ازدياد، ومن المنتظر أن يقارب 300 الف مع حلول سنة 2020.

الكويت تريد بيعهم لجزر القمر

صدر آخر قرار يهم ” البدون” في الكويت سنة  2000، و ينص هذا القانون على تجنيس ألفي شخص من البدون سنويا، ممن يقيمون في الكويت منذ سنة 1965 على الأقل . . ويتيح القانون لحوالي 36 ألفا و700 من “البدون” للمطالبة بالجنسية الكويتية من أصل 122 ألف شخص.

ومن بين الحلول التي طرحتها السلطات الكويتية سنة 2014، أمام الانتقادات الدولية و الحقوقية بخصوص قضية البدون، التفاوض مع بلدان أخرى منها جزر القمر لتجنيس البدون مقابل مزايا اقتصادية.

وفي تصريح لجريدة “ الجريدة” الكويتية سنة 2014، قال وكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون الجنسية والجوازات والإقامة، اللواء مازن الجراح، ان الفترة المقبلة ستشهد توزيع الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية في البلاد استماراتٍ خاصةً بطلب الحصول على الجنسية الاقتصادية من جزر القمر، لفئة “البدون” المسجلين في الجهاز. كما صرح بانه أصدر أوامره “لقطاع الجنسية والجوازات بوقف صرف جوازات المادة 17 لهذه الفئة خلال الفترة الحالية، مع استثناء حالات العلاج والدراسة، بهدف إتاحة الفرصة للجهاز لتوزيع تلك الاستمارات.”

كما أكد  “أن حكومة الكويت ستلبي اشتراطات حكومة جزر القمر نظير إتمام الاتفاق، والتي تتمثل في بناء الكويت مدارس ومساكن ومعاهد، زيادة عن فتح فرع لبيت الزكاة هناك، ما يعني أن الدولة ستتحمل تلك النفقات لحل قضية هذه الفئة وإغلاق ملفها نهائياً.” وقد واجه هذا الاتفاق انتقادا واسعا من المنظمات الحقوقية، التي اعتبرت الكويت تمارس نوعا من العنصرية.

وفي قطر، يوجد حوالي 1300 من البدون ، وتختلف وضعيتهم مقارنة مع دول الخليج الأخرى إذ يتمتعون بجلّ الحقوق الإنسانية ولكنهم لا يعتبرون مواطنين قطريين. ومن المشاكل التي يواجهها البدون في قطر هي عدم الحق في  التملك والسفر بحرية خصوصاً بين دول الخليج، لكنهم يتمعون بحق العلاج المجاني  نظرا لحصولهم على بطاقات إقامة سواء بكفالة شخص قطري أو على كفالة العمل. 

أما في الإمارات، فقد تم سنة 2005 تشكيل لجنة لإيجاد حلول قانونية تمكن البدون من الحصول على الجنسية وفق عدة شروط أمهما أن يكون مقيما بالإمارات منذ سنة 1971 بصفة متواصلة ولا يحمل أي أوراق تدل على جنسية سابقة، إضافة إلى حسن السيرة والسلوك، وهو ما مكن الكثير منهم من الحصول على الجنسية.

وعموما، تعتبر وضعية البدون في كل من قطر والإمارات العربية المتحدة أفضل نوعا ما من نظرائهم في الكويت و السعودية. ربما يعود السبب في ذلك إلى قلة عددهم مقارنة بالسعودية والكويت . كما أن الحكومة الكويتية تعتبر أن عددا كبيرا من البدون يخفون جنسياتهم الحقيقية.

انطلقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين منذ سنة 2014، في حملة ” أنا انتمي” لتمكين ملايين الأشخاص من الحصول على الجنسية بحلول سنة 2024 عبر مساعدة الدول على إصلاح قوانينها المتعلقة بالجنسية، على أمل أن ينال البدون العرب حقهم في الانتماء لارض ولدوا وعاشوا فيها منذ قرون، حتى قبل أن تُؤسس الدول فوقها.

دواجة العوادني 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد