ثقافة

“سيدي بوسعيد” تستلهم جمالها من الأزرق والأبيض

ما تزال مدينة سيدي بوسعيد التونسيّة، أهمّ الوجهات لكلّ التونسيّين والسيّاح الأجانب. وهذا يعود إلى تفرّدها بطابعٍ خاصّ، جعل منها وجهةً سيّاحيةً على مدار السنة. فهي مدينة تشبه لوحة متناسقة ساحرة بطابعها المعماري الأصيل الفريد، وبلونيْها المميّزيْن اللّذان يكسوان الجدران والأبواب، لونا السماء والبحر الأزرق والأبيض، وبأبوابها المزركشة بمسامير سوداء وبشبابيكها المقوّسة وأزقّتها المرتفعة.

ليس بغريب أن يدعوها البعض بــ”ميامي إفريقيا”، فهي صُنِّفَتْ من بين أجمل القُرى في الأرض، وهي أوّل موقعٍ معمارِيٍّ مَحْمي في العالم منذ سنة 1915، نظرًا لموقعها المتميّز والساحر، إذْ تتربّع في قمّة منحدرٍ صخريٍّ يطلّ على مدينة قرطاج التاريخيّة وخليج تونس.

 تاريخ مدينة سيدي بوسعيد:

كانت تُسَمَّى في العهد الحفصي “ناظور قرطاج” و”جبل المرسى”، ثمّ لُقّبت بـ”جبل المنار” بعد الفتح الإسلامي، إذْ ما فتئ هذا الجبل الصغير يوفّر الأمن والمراقبة والدفاع عن قرطاج الفينيقيّة في القرن السابع قبل الميلاد. وفي نهاية القرن التاسع عشر، تحديدا سنة 1893، تغيّرت رسميًّا هذه التسمية من “جبل المنار” إلى “سيدي بوسعيد”. وذلك نسبة إلى أبو سعيد الباجي، وهو وليّ صالح وهب نفسه للتأمّل والتمارين الروحيّة، ليستمر  نسق الحياة في تلك القرية في اجتذاب المتزهّدين والمتأمّلين بعد وفاته. كما استقطبت هذه القرية عائلات تبحث عن طيب المناخ والعيش لقضاء فصل الصيف.

مقاهي عتيقة ذات هندسة مميّزة:  

لعلّ الطريف أو المميّز في مقاهي مدينة “سيدي بوسعيد”، هو أنّ أغلبها سُمِّيَ نسبةً إلى عددٍ من المتزهّدين الّذين اتّخذوا من هذه القرية، في ذلك الوقت، ملجأ لممارسة طقوسهم الدينيّة، حتّى كانت فيما بعد مرقدًا آمنًا لعدد كبير منهم، ولعلّ أبرزهم سيدي الظريف وسيدي بو فارس وسيدي بوشبعان.

ومع تطوّر نسق الحياة في تلك القرية شيئا فشيئا، تَزيَّنَت المقاهي بالنقوش العتيقة والزخارف البديعة والمفروشات والأواني التقليديّة كالمرقوم والزربيّة والأواني النحاسيّة، كما انفردت بإطلالاتها الساحرة على الميناء الترفيهي وأشجار التمر والصبّار ( التين الشوكي)، والروائح المنعشة الّتي تنبعث منها رائحة “القهوة العربي” و”الشاي بالنعناع الأخضر وحبّات الصنوبر” ومشموم الفلّ والياسمين.

ولك أن تستمتع بما لذّ لك من القصائد والمدائح والدفوف، وأنت تتذوّق “البامبالوني”، تلك الفطائر المحلّاة بالسكّر الّتي تشتهر بها سيدي بوسعيد.

هي، تلك المدينة الّتي سحرت زوّارها:

تحتوي سيدي بوسعيد على إرث تاريخيٍّ وحضاريٍّ هائل، يجمع بين الجمال والأصالة، وهو ما تُثبته أبوابها ونوافذها وجدرانها وشوارعها ذات الطابع المعماري الخاصّ والنقوش العتيقة. لكنّ المدهش حقّا هي الألوان المميّزة الموحّدة بين كل البنايات، مزيج ساحر بين زرقة البحر والسماء وبياض الغيوم. وإذا ما أضفنها اسئثار المدينة بمخزون كبير من الصناعات التقليديّة الأصيلة، تكتمل كعالم مثاليّ للسيّاح الّذين يتوافدون عليها من كلّ صوبٍ وفي كلّ وقت. إنّها ، وبامتياز، مكان الترويح عن النفس والابتعاد عن صخب الحياة الرتيب وضوضاء المدينة.

ملهمة الفنّانين والكتّاب والشعراء:

تميّزت هذه اللوحة الفنّية الرَّبانِيَّة بتعدّد آثارها ومعالمها التاريخيّة الّتي تروي لك أحداث حقبة هامّة من الزمن، فمن منّا لم يسمع بقصر “النجمة الزهراء” أو كما كان يُسمّى “قصر البارون الفرنسي ديرلانجي”، نسبة إلى الرسّام والموسيقي المستشرق الّذي عُرف بمؤلّفه الضخم “الموسيقى العربيّة”. هذا القصر بات الآن من أهمّ المعالم الّتي تحتضنها قرية “سيدي بوسعيد”، لما يتميّز به من خصوصيّة هندسيّة معماريّة تجمع بين الفنّ الأندلسي والفنّ التونسي، وهو الّذي تقام فيه أرقى السهرات الفنيّة والأمسيات الشعريّة والثقافيّة.

“من يزر تونس، ولم يزر سيدي بوسعيد. فزيارته ستكون منقوصة”، فهي ليست كغيرها من المدن، حيث التقى فيها جمال الطبيعة وسحرها بعبق التاريخ، فكانت قبلةً مميّزة للسياسيّين والمثقّفين، وملهمة الفنّانين من مختلف أنحاء العالم. فتغنّى بها الفنّان التونسي علي الرياحي “يا بوسعيد العالي شرفّتنا بالنور، مقامك عزيز وغالي مشهور بالناظور”، والمغني الفرنسي باتريك برويال. كما زارها الفنّان العراقي كاظم الساهر. وصُوّرت فيها عديد المشاهد من المسلسلات التونسيّة والأفلام الأجنبيّة.

لتبقى “سيدي بوسعيد” من أجمل الأماكن الّتي لا ملل من التجوال تحت زرقة سمائها وعلى حافّة بحرها، واستنشاق هواؤها الصافي الشافي. 

دلال الحاج صالح

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد