مجتمع

الشباب العربي والزواج من الأجنبيات

شاعت في السنوات الأخيرة، ظاهرة زواج الشباب العربي من أجنبيات، حيث أصبحت العروس الشقراء، حلم الرجل الاسمر. زواج ليس بدافع العشق أو الغرام، أو الرغبة الملحة في بناء أسرة سليمة، إنما بغية الحصول على الشرعية القانونية في ديار الغُربة.

الزواج حل لتقنين وشرعنة “الحرقة” لدى المغاربة

“الحَرقَة” أو الهجرة غير الشرعية، تعد تذكرة عبور غير مقننة للوصول إلى إيطاليا و لمبدوزا والدول الأوروبية، عبر قوارب تصارع الموت في عباب المتوسط.

هذه الهجرة غير الشرعية تمثل في عيون الكثير من الشباب العرب السبيل الأمثل للخروج من براثن البطالة والفقر. ولتقنينها و تحقيق الرفاه المادي والوثائق اللازمة للإقامة والعمل، استوجب الأمر  احيانا إقدام الشباب على الزواج بمسنات أوروبيات يمنحهونهن في المقابل بعضا من الحب والمتعة.

مصر، زواج الأجنبية أقل تكلفة من العربية

يعد الزواج من الأجنبيات في مصر أقلّ تكلفة من الزواج من المصريات، المرتبط بالكثير من العادات والتقاليد المجحفة التكلفة. فالزواج من بنت البلد، بات يقسم الظهر ويهد الحيل، ويستوجب شروطا يعجز الشاي المصري عن إيفائها: من ضرورة  البحث عن شقّة، الى توفير”الشبكة” والمهر والمقدم والمؤخر، وإرضاء الحماة والصهر، الخ. وقد تضاعف ثمن الشبكة بعد تعويم الجنيه، حتى بلغ  حوالي 30/40 ألف جنيه في المتوسط ويتفاوت بحسب الانتماء الطبقي.

وأكدت دراسة وحدة بحوث الاتجار بالبشر في وزارة الأسرة والسكان  أنه خلال السنوات الماضية زادت معدلات الزواج من أجنبيات إلى 345%، وسجلت محكمة الغردقة الجزئية 350 حالة زواج بين مصريين وأجنبيات في الفترة من يناير/ كانون الثاني 2010 حتى يونيو/ حزيران من نفس العام، كما سجلت محكمة الأقصر الجزئية 651 حالة، هذا بخلاف ما لم يتم توثيقه من عقود.

وأوضحت الدراسة أن أعمار السائحات الأجنبيات تتراوح بين الخمسين عاماً والسبعين عاماً وأن الروسيات هن الأكثر زواجاً من المصريين في الغردقة، في حين احتلت الألمانيات والايطاليات المركز الأول في شرم الشيخ، وأن سائحات دول أوروبا الشرقية أكثر بحثاً عن الشباب المصري الطامع في الحصول على فرصة إقامة أو عقد صفقات تجارية أو افتتاح مشروعات، وأن أقل نسب تلك الزيجات كانت من سائحات أمريكيات.

السوريون، زواج الأوروبية للحصول على جنسية

منذ الأزمة السورية واضطرار الآلاف من السوريين الى المغادرة باتجاه اوروبا، صار قطاع واسع من الشباب السوريين يسعى للزواج من الأوروبيات لتسريع عملية الحصول على جنسية دولهن. وتجدر الإشارة ان هذه الدول تضع شروطًا قاسية على أزواج وزوجات مواطنيها لمنحهم جنسيتها، منها إتقان اللغة الرسمية للدولة، والسجل القانوني النظيف، بالإضافة للإقامة القانونية في أراضي الدولة لمدّة تتراوح بين 3 سنوات و7 سنوات حسب الدولة.

الخليجيون، الدراسة في الخارج تستوجب زوجة أوروبية

الزواج من الأجنبيات، لم يرتبط في عقلية المجتمع الخليجي بالمشاكل المادية وتوفير عمل ومنزل فخم وسيارة وإنما مثل حلا لتجاوز مشكلة الوحدة والوقوع في الزنا والمحرمات. لذلك يخير الكثير من الشباب الخليجي المغترب للعمل أو الدراسة الارتباط باروروبيات وأمريكيات عبر طرق الزواج المستحدثة مثل العرفي والمسيار وحتى زواج السياحة.

الإمارات، استفحال ظاهرة الزواج من الروسيات والخادمات الأجنبيات

في الإمارات تنتشر ظاهرة الزواج من الروسيات بطرق عرفية، حيث تشير إحصائيات غير رسمية إلى زواج  20 ألف روسية من إماراتيين في مطلع التسعينات وحتى الآن.

فيما استفحلت مشكلة الزواج من الخادمات الفلبينيات، حيث كشفت إحدى الدراسات الصادرة عن صندوق الزواج في وقت سابق إلى ارتفاع نسبة الزواج من أجنبيات إلى حوالي 24،2% وان حوالي 62% من المتزوجين بأجنبيات قد سبق لهم الزواج وأن بعضهم تزوج مرتين أو ثلاث مرات.

حملات شاسعة للتشجيع على الزواج من أجنبية

أطلق جملة من الشباب العربي، حملات شاسعة عبر الصفحات الاجتماعية للحث على الزواج من الأجنبيات، بدعوى أن زواج الأجنبية فيه الكثير من التيسير والتسهيل ولا يجحف كاهل الشاب الراغب في الزواج من ارتفاع المهور وغلاء تكاليف الزواج.

من أشهر هذه الحملات، التي أطلقها التونسيين، والتي تقول “اجنبية تهنيك ولا تونسية تتشرط عليك” وقد انتشرت بسرعة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت نشر صور لعدد من الشباب التونسي المقيم في الخارج و المتزوج من أجنبيات وأشرطة فيديو حاول من خلالها تعداد مزايا ومحاسن هذا الزواج وأفضليته على الزواج بتونسية، وذلك بطريقة ساخرة  من أجل تشجيع أقرانه على القيام بالمثل والعزوف عن ابنة البلد التي مازالت تفرض متطلبات مادية يعجز عن توفيرها الرجل.

اضافة الى الحملة المصرية الشهيرة التي أطلقها الشباب سنة 2011، الداعية لمقاطعة الزواج من المصريات : “متشلش همها وخليها جنب امها .. استرجل وحسّن السلالة .. اتجوز من أجنبية ومش هتدعي عليا .. لا للزواج من بنات مصر”

تبعات الزواج من الأجنبيات

تضخم نسبة العنوسة

العنوسة هو مصطلح اجتماعي،  أطلق على المرأة التي بلغت سنا معينا ولم تتزوج. وفي الآونة الأخيرة باتت ظاهرة بارزة في مجتمعات عربية عديدة، وتُعد الإمارات إحدى الدول الخليجية التي تعاني نسبة عنوسة مرتفعة حيث تتجاوز نسبة عنوسة الفتاة الإماراتية 40 % في ظلّ إقبال المواطنين الذكور على الزواج من أجنبيات.

ووفقا لـانفوغرافيك نشره موقع روسيا اليوم، بلغ  عدد الفتيات غير المتزوجات في مصر نسبة 40 % من مجموع الفتيات في سن الزواج، وهي النسبة نفسها في المغرب.  بينما تقدر اعداد الفتيات من دون زواج في ليبيا بـ300 ألف فتاة وهو مرشح للارتفاع،  اَي بنسبة 35%، وهي النسبة المشتركة مع الكويت وقطر.

صعوبة إدماج الزوجة الأوروبية في المجتمع والاسرة العربية

في البداية ترحب الأسرة العربية بزوجة الابن الأجنبية، ذات الملامح المختلفة، شقراء الشعر، فهي قد انتشلت فلذة الكبد من الضياع والتشرد والفقر.  وتكفي بعض الايماءات والاشارات والابتسامات اللطيفة في الفترة الاولى للتواصل بين الاسرة والأجنبية من وراء البحار.

 يرحب المجتمع العربي بالزوجة الأوروبية، فهو منبهر بصورتها منذ الأزل، حتى توارثها عنهم الأبناء. فيما تجد هذه الزوجة نفسها غير قادرة على التأقلم والانسجام في هذا المجتمع المحكوم بالعادات والتقاليد والدين.

لكن شيئا فشيئا تطفو الخلافات للسطح، نتيجة لتباين العادات والتقاليد والدين واللغة، مما يولد صعوبة في التواصل. وقد تتعمق هذه بفعل الميراث العنصري للثقافة الغربية واحتقارها للعربي، خاصة اذا كان الزوج العربي في حاجة للزوجة الأجنبية لتسهيل اموره القانونية والمالية، مما يحدث توترا بينهما، فلا هو يقبل في قرارة نفسه بسلطتها عليه ولا هي توليه التقدير والاحترام الذي يرى، بحكم تنشئته العربية الشرقية، انه جدير به.

ويزيد الخوف من المستقبل في بيئة مغايرة والشعور بالقلق وعدم الثقة في الطرف الاخر الذي يحمل ثقافة وقيما وعادات مختلفة من توتير العلاقة ونخرها مما ينعكس تنافرا وخلافات زوجية تزداد بعد الإنجاب نظرا لتضارب القيم التي يسعى الأبوان نقلها للطفل وتنشئته عليها. والنتيجة في الغالب هي الطلاق وتشرد الأطفال وحرمان الأب من ابنائه في احيان كثيرة في ظل قوانين تحمي الام في وطنها.  

ويعتبر الأطفال أكبر ضحايا الزيجات المختلطة، فهم يشهدون خلافات بين الأبوين نتيجة لتركيبتهما الثقافية المختلفة، ويتربون في كنف الاضطراب القيمي الذي يفقدهم الاستقرار النفسي الذي يحتاجون اليه في سنواتهم الاولى خاصة. ووفقاً للإحصاءات الرسمية بلغ عدد الأطفال في الخارج من آباء سعوديين و أمهات أجنبيات أكثر من 853 حالة.  وتتصدر سوريا الحالات بأكثر من 300 طفل، تليها مصر بـ 282 طفلا، إضافة إلى أطفال لم يتم حصرهم نتيجة زيجات عرفية أو في بلدان يصعب الوصول إليها مثل اليمن والهند والبوسنة والهرسك.

قد يبدو الزواج من الأجنبيات مخرجا سهلا من واقع مترد يعيشه الشاب العربي أو متنفسا لرغبات مكبوتة، لكنه احيانا كثيرة ما يكون بابا يفتح سيلا من المشاكل لا يكاد ينتهي، خاصة اذا دخل الأبناء في المشهد، ولَم يعد الامر يتعلق بخلاصات فردية انية صرفة.

وفاء الحكيري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق