الرئيسيثقافة

الحرب والموضة

كيف دخل البنطال الى خزانة المراة بعد الحربين العالميتين

سروايل الجينز وملابس عديدة نراها في واجهات المحلات تبهرنا فنشتريها بأغلى الأثمان و لكن لا يخطر ببالنا للحظة أن هذه الملابس نفسها ظهرت نتيجة لأزمات اقتصادية و تاريخية عاشها العالم في فترات معينة، فظهور لباس مختلف عن الآخر في كل فترة زمنية  ليس بالشي الإعتباطي بل هو على صلة وثيقة بالتحولات الاجتماعية و الفكرية التي تعيشها المجموعات البشرية.  في جولة صغيرة عبر تاريخ الموضة يمكن لنا أن نفهم أن للأمر أسبابا عميقة، فالبعض يتصور ان بروز تقليعات محددة في عالم الموضة النسوية أخرجتها من النمط الأنثوي المحافظ المحتشم، يعود الى تحولات ثقافية باتجاه تحرر المرأة ومساواتها مع الرجل. لكن هل الامر كذلك حقا؟

تقمص أدوار الرجال إقتضى تقمصا لملابسهم 

كانت أوروبا القارة الرائدة في عالم الموضة لعقود، فمعظم اتجاهات الموضة كانت تأتي من فرنسا، والمملكة المتحدة، وغيرها من البلدان المحيطة بها. حين اندلعت بين الدول الأوروبية الكبرى بين 1914 إلى 1918، كان الرجال هم الذين يقاتلون بينما تبقى النساء لرعاية المنزل والأطفال.


قبل الحرب كانت النساء يرتدين الملابس ذات الطبقات المتعددة والفساتين ذات الزركشات، لكن الأمر تغيَّر بشكل درامي مع بداية الحرب، نتيجة اضطرار النساء للحلول مكان الرجال في العمل، سواء في المصانع أو الشركات أو المزارع.

فقد كان ارتداء المرأة للبنطلون محصورا في حالات استثنائية محدودة  في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، لا تخرج عن نطاق الضرورة، إلا أن التقليد شاع  بين الأوساط الشعيبة خلال الحرب العالمية الثانية، حين بدأت  النساء العاملات في المصانع الحربية والحقول لتعويض أزواجهم يلبسن سراويل مخصصة للعمل أو ما يعرف بالoveralls

هذه الأعمال كانت تستلزم من النساء ارتداء ملابس ملائمة، وبالطبع لن تصلح الفساتين في كثير منها، لذلك لجأن إلى الاستعانة بملابس أزواجهن أو أقاربهن الرجال، وتحديداً البنطال. وعلى الرغم من أن النساء اللاتي عملن في المناجم قبل الحرب كنَّ يرتدين البنطال، إلا أنهن كن يغطينه بالتنانير خلال فترة الاستراحة.

شرعت الكثير من النساء في ارتداء ملابس أزواجهن المدنية للعمل، بينما كان الزوج بعيدا في القوات المسلحة. بقي التقليد في إطار محدود لا يتجاوز حدود العمل، لكن شيئا فشيئا بات يسمح للنساء ارتداء البنطلون. وقد ذُكر انه بحلول صيف عام 1944 كانت مبيعات السراويل النسائية  خمس  اضعاف ما كانت عليه في العام السابق.

في الستينيات، قدم أندريه كوريجيز الجينز للنساء، ذلك الزِّي الذي ارتبط ظهوره في بادئ الامر بالطبقات الفقيرة لخشونته وقدرته على التحمل. لذا كان يلبسه عمال المناجم وشق سكك الحديد، والاعمال الشاقة الاخرى في الولايات المتحدة الامريكية الذين يعانون من سرعة اهتراء سراويلهم المعمولة من أقمشة عادية.

وكان ليفي شترواس الذي اقترن اسمه بالدجينز، مهاجرا ألمانيا فقيرا وصل الى امريكا بحثا عن الذهب، وساقه حظه الى تجارة هذا النوع من الاقمشة بعد فشله في العثور على المعدن الثمين.

وصادف ان سمع شتراوس بمشكلة العمال مع الاقمشة العادية، فبادر الى صناعة بنطال من هذا القماش وبيعه، و لما اثبت هذا البنطال متانته في وقدرته على التحمل، سارع باقي العمال لشرائه، واشتهر بينهم، وحتى بين رعاة البقر انذاك.  ربما لهذا السبب كان يطلق على هذا الجينز في بعض البلدان العربية (كاو بوي Cow Boy)،

أزمة الأقمشة و التقشف

وفي الوقت الذي كانت فيه الأولوية لاستخدام المواد الخام لصناعة الأزياء العسكرية للرجال،اضطر مصممو الأزياء النسائية للاستغناء عن فكرة الملابس المتعددة الطبقات، ولجأوا إلى الاقتصاد في الأقمشة، فظهرت التنانير المستقيمة ذات الطبقة الواحدة .هنا، يعتبر الكثير من الخبراء أن الحرب العالمية الأولى هي منطلق التغيير أو بداية الثورة في عالم الموضة.

أدى التقشف زمن الحرب الأكبر في العالم، إلى فرض قيود على عدد الملابس الجديدة التي يشتريها الناس، وعلى كمية القماش التي يمكن أن يستخدمها مصنعو الملابس. اعتمدت النساء العاملات في الخدمة الحربية السراويل كضرورة عملية، وجرت مصادرة الصوف والنايلون لاستخدامهما في الأزياء وبعض الاحتياجات العسكرية، كما تم منع استيراد الحرير من اليابان، بعد هجومها على الولايات المتحدة، وهو ما أحدث ندرة في المواد الخام لاستخدامها في الملابس النسائية.

حصلت حكومة الولايات المتحدة على جميع لوازم الحرير من أجل الأزياء العسكرية، مما أجبر صناعة الجوارب على التحول تماماً إلى النايلون، لكن عام 1942، استولت الحكومة أيضاً على النايلون من أجل صناعة المظلات، فلم يتبق للجوارب إلا القطن والريون، التي كانت لا تحظى بشعبية في ذلك الوقت. وكانت الحكومات تحثّ النساء عبر العديد من الملصقات الإعلانية على إعادة تدوير الملابس التي تركها الرجال قبل ذهابهم للحرب.

 

 

 

 

 

 

 

الحاجة تولد موضة

هذه الأمور التي سبق ذكرها كانت سبباً وراء تقصير التنانير واعتماد البنطال بصورة أوسع. فالاقمشة وحتى الألوان كانت محدودة بسبب حاجة الجيوش إلى المواد الكيميائية. كما أُرغمت النساء اثناء الحرب العالمية الثانية على العمل في المصانع و هن مرتديات البنطلون القصير بغية التقشف في الأقمشة.  لكنهن اكتشفن في هذه الألبسة المقترنة بالعمل واجواء الحرب نمطا جديداً عمليا مريحا لم يكن يعهدنه في السابق، وجدنه في البنطلون الفضفاض أو الضيق المتماسك اوالسراويل القصيرة التي حققت نجاحات ضخمه في الازياء النسائية.

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق