مجتمع

لماذا تهجر الادمغة العربية أوطانها؟

كما الأزمة السياسية، تعاني الدول العربية أزمة معرفية تجسّدت في نزيف هجرة كفاءاتها وأدمغتها نحو الغرب. أظهرت بعض الدراسات التي قامت بها جامعة الدول العربية ومنظمة اليونيسكو والبنك الدولي أن العالم العربي يساهم في ثُلث هِجرة الكفاءات من البلدان النامية، وأن 50 بالمئة من الأطباء، و23 بالمئة من المُهندسين، و15 بالمئة من مجموع الكفاءات العربية المُتَخَرِجَة يهاجِرون متوجِهين إلى أوروبا والولايات المُتحِدة وكندا، ما يفرز تبعات سلبية على مستقبل التنمية العربية، ويعدّ من بين أكبر عمليات تجريف للعقول في العالم.

وتؤكد الاحصائيات ان ثلاث دول غربية غنية وهي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا تصطاد 75% من المهاجرين العرب، بل أكثر من ذلك قامت بعض الدول الغربية بمنح جنسياتها للعقول العربية المهاجرة كي تنسب إبداعاتها لها بالكامل. حيث يهاجر سنويا 100 ألف من العلماء والمهندسين والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي سوريا ولبنان والعراق والأردن ومصر وتونس والمغرب والجزائر.

وتعتبر منظمة اليونسكو، أن هجرة العقول، نوع سلبي من أنواع التبادل العلمي بين الدول، يتسم بالتدفق في اتجاه واحد (ناحية الدول المتقدمة)، لأن في هجرة العقول نقل مباشر لأحد أهم عناصر الإنتاج، وهو العنصر البشري.

30 مليون مهاجر 

أورد تقرير أخير للبنك الدولي، أن عدد المهاجرين في العالم العربي بلغ حتى عام 2013 قرابة 30 مليون مهاجر، وهناك ازدياد طفيف في هذا العدد، سواء باتجاه دول الخليج أو أوروبا وأمريكا وكندا واستراليا، حيث يهاجر منهم (31.5% لدول الخليج، فيما يهاجر 23% للغرب بسبب قيود السفر والهجرة الحالية للغرب، والباقي لدول أخرى مختلفة أسيوية وأفريقية ولاتينية.

وأوضح التقرير أن ما يقارب 20 مليون مهاجر من الشرق الأوسط يعيشون حول العالم، أي أن 5% من مجموع سكان العالم العربي قد هاجروا من الشرق الأوسط، أغلبهم من مصر والمغرب، الدولتان اللتان يهاجر منهما أكبر عدد من المواطنين إلى دول أُخرى حول العالم، وتليهما الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالعراق، الجزائر، اليمن، سوريا، الأردن ولبنان.

وبحسب تقرير البنك الدولي والجامعة العربية، ينتقل ما يقارب 40% من مهاجري الشرق الأوسط إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي هي دول متقدمة، ويهاجر 23% منهم إلى دول متقدمة أُخرى، و31.5% يهاجرون إلى دول داخل الشرق الأوسط، و1% فقط من المهاجرين ينتقلون إلى دول نامية أُخرى في العالم. وأن 54 بالمئة من الطلاب العرب، الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى بلدانهم، ويُشكِّل الأطباء العرب في بريطانيا 34 بالمئة من مجموع الأطباء فيها.

مصر وتونس في صدارة التصدير

كشف وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي في ندوة صحفية يوم الأربعاء 16 أوت 2017 أن تونس تحلّ في المرتبة الثانية عربيا على مستوى هجرة الكفاءات بعد سوريا التي تأتي في المرتبة الأولى وفق تقرير عربي صادر في هذا الشأن سنة 2009. مع وجود ما لا يقلّ على 8233 تونسية وتونسي من مهندسين وجامعيين وأطباء ومحامين وباحثين في الخارج.

وطرح محمد الطرابلسي جملة من الحلول والآليات للاستفادة من هذه الكفاءات وتحويل هذا العنصر من سلبي إلى ايجابي من خلال استغلال هذه الكفاءات والخبرات كحلقات وصل بين الاقتصاد التونسي ومراكز البحوث والمؤسسات المماثلة في بلدان إقامتهم، مشيرا إلى أنه يتم حاليا العمل على تحيين قائمة هذه الكفاءات بهدف معرفة اختصاصاتهم وبلدانهم ومحاولة ربطهم بالمؤسسات الاقتصادية والبحثية الموجودة في تونس، إضافة إلى محاولة إحداث نوع من التشبيك بين هذه المؤسسات.

من جهته، أعلن وزير الشؤون الخارجية خميس الجهيناوي عن وجود مقترح سيعرض على أنظار مجلس الوزراء في وقت لاحق بشأن إحداث هيكل وطني للكفاءات التونسية بالخارج، وهو ما سيمكنها من الإسهام في التنمية الاقتصادية لتونس والتعريف بها أكثر على الصعيد الدولي.

وفي سياق متّصل، أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس أن الوزارة بصدد إعداد قاعدة بيانات حول الكفاءات التونسية بالخارج لتشريكها في دعم التنمية في تونس، مشددا على ضرورة التواصل معها عبر آليات جديدة على غرار إحداث شبكة رقمية وتكثيف اللقاءات وفق تعبيره.

وتأتي مصر في مقدمة الدول المصدرة للعقول إلى الخارج، خاصة كندا والولايات المتحدة وألمانيا، وطبقا لبيانات اتحاد المصريين بالخارج، فإن تعداد علماء وأكاديميي مصر المقيمين بالخارج، يبلغ حوالي 86 ألف عالم وأكاديمي، منهم 1883 في تخصصات نووية نادرة، كما يضمون 42 رئيس جامعة حول العالم.

ونسب الاتحاد أرقامه إلى مركز الإحصاء التابع للأمم المتحدة، إضافة إلى عدّة مراكز بحثية أوروبية، وقد أوضح فيه أن خارطة العلماء المصريين في مجال الطاقة الذرية، تشير إلى وجود 180 عالما مصريا في المجال النووي، يعيشون خارج مصر.

في سياق متصل، بلغت الأدمغة الجزائرية المهاجرة في العالم بين 1996 و 2012، بلغت حسب تقرير الأمم المتحدة نصف مليون شخص 90 بالمائة منها في فرسا والباقي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

لماذا تهجرنا أدمغتنا؟

تعود هجرة الأدمغة لأسباب عدّة منها السياسية المتعلقة بغياب الاستقرار والصراعات الدامية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى عدم تهيئة بيئة مناسبة تشجع على النجاح في الداخل.

إضافة الى عدم وجود ملاذ آمن يحمي هذه الكفاءات من العنف واستهداف حرية الإبداع،  بعدما أصبحت حياة العديد من هؤلاء معرضة للخطر، سواء بسبب آرائهم أو معتقداتهم السياسية، أو بسبب حالات الفوضى الأمنية.

تقارير الجامعة العربية واليونسكو لخّصت الأسباب والدوافع الأساسية لهجرة العقول العربية، في عجز الدول العربية والنامية، على استيعاب أصحاب الكفاءات، الذين يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل، إضافة إلى ضعف الدخل المادي المخصص لهم، وفقدان الارتباط بين أنظمة التعليم ومشاريع التنمية والتطوير.

كما تقدم الدول المتقدمة تسهيلات للكفاءات المهاجرة من الشباب العربي، ما يحفزها على الاستقرار بالدول المستضيفة، فضلا عن الاندماج بالمجتمعات الغربية وما يفرزه من حلقات تواصل كالزواج والاستقرار الاجتماعي، في الوقت الذي تعاني فيه مجتمعاتهم الأصلية من سوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتنموية ونقص الإمكانيات كحال أغلب بلدان العالم النامي.

 تأثيرات على تنمية الدول

تبرز خطورة هجرة الكفاءات حسب مراقبين في جانبين، أولهما التكلفة التي يتكبدها المجتمع في تكوين وتعليم المهاجر إلى حدود موعد هجرته، وبينما تتمتع الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا، بالملايين من الدولارات نتيجة لهجرة العقول والمهارات إليها، فإن هذه العقول لم تكلف الدولة المضيفة شيئا في تنشئتها وتدريبها.

هكذا لا تستفيد الدول الأصلية من مهارت ابنائها المهاجرين الفكرية والمعرفية التي استثمرت الملايين في تطويرها، وهو ما ينعكس سلبا على شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. اذ تتسبب هجرة الكفاءات، في ضياع جهودها الإنتاجية والعلمية وتقديم فائدتها إلى الغرب، في الوقت الذي تحتاج فيه التنمية العربية إلى أفضل عناصرها القادرة على الإنتاج الفكري والعلمي، وعلى الاختراع والابتكار داخل العالم العربي.

وأصدرت الجامعة العربية عشرات التقارير التي حذرت فيها من أن العالم العربي يعاني من فقر علمي وخسارة 200 مليار دولار بسبب هجرة الكفاءات العلمية والعقول العربية إلى الدول الأجنبية، ودعت للسعي لاستعادة هذه العقول، خصوصا في ضوء التفوق التكنولوجي لدولة الكيان الصهيوني وتحول الصراع العربي الإسرائيلي تدريجيا إلى صراع تفوق تكنولوجي.

وتشير عدة تقارير إلى انخفاض نصيب الدول العربية من براءات الاختراع التكنولوجي على مستوى العالم، فيما بلغ نصيب أوروبا من هذه البراءات 47.4 وأمريكا الشمالية 33.4% واليابان والدول الصناعية الجديدة 16.6%. وعندما أجرت اليونسكو إحصاء للأربعين دولة الأكثر تقدما في العالم في التعليم الأساسي لم يكن من بين هذه الدول دولة عربية واحدة إلا الكويت، وجاء ضمن هذه الأربعين دولة كوريا واليابان وسنغافورة وأوروبا كلها والولايات المتحدة الأمريكية.

فالهجرة تؤثر على التنمية خصوصا في الدول العربية، باعتبار أن الهجرة والتنمية أصبحتا أكثر ترابطا في العقود الأخيرة من أي وقت مضى، وفق التقرير الإقليمي الثالث للهجرة الدولية والعربية عن جامعة الدول العربية لعام 2014.

تواصل نزيف هجرة الكفاءات العربية الى الخارج، يدعو الدول الأم الى الاستفاقة ووضع استراتيجيات أعمق للحدّ من هذه الآفة وعدم التفريط في طاقاتنا البشرية والفكرية والاستفادة منها من أجل مجابهة المشاكل الهائلة التي تواجه بلداننا واصلاح واقعها والنهوض به.

يامنة القابسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد