ثقافة

فارســــــــات عربـــيّـــــات

قفزات بين رياح الحريّة

يقول عنترة بن شدّاد:

“هلّا سألت الخيل يا ابنة مالك             إن كنت جاهلة بما لم تعلمي”

عندما نذكر ركوب الخيل تداهمنا هذه الصورة: فرسان شجعان يشهرون أسلحتهم في ميادين الحرب، غبار متصاعد ووقع سنابك الخيل. ورغم أنّنا نجد فرسانًا في كلّ الحضارات  القديمة تقريبًا، إلّا أنّ الفروسيّة ارتطبت في أذهاننا بالعرب تحديدًا. فــ”ركوب الخيل”، كما يسمّيه العرب، يحتلّ مكانة كبيرة جدًّا عندهم مقارنة بالغرب. ويرجع هذا الأمر إلى أنّ الفروسيّة عند العرب، تتعدّى الاستخدام الحربيّ، إلى وظيفة إيتيقيّة حضاريّة، تتلخّص في قيم الشجاعة والمروؤة والحميّة والنجدة والصبر والشعر الّذي تلبسّت بعض أوزانه بوقع حوافر الخيل.

تُمثّل الفروسيّة مظهرًا طبيعيًّا من مظاهر حياة العربي منذ جاهليّته. فنتيجةً لعدّة ظروف طبيعيّة واجتماعيّة واقتصاديّة قاسية، اتّخذها كوسيلة لمجابهة هذه التحدّيات. وخلافا للحضارة الغربيّة الّتي كان معظم فرسانها إمّا أبناء فرسان آخرين أو من طبقة النبلاء. في المقابل، لم يحدّد العرب طبقة يجب على الفارس أن ينتمي إليها، بل هي حقّ كلّ عربيّ جديرٍ بها، بغضِّ النظر عن مركزه الاجتماعي. فالفارس الكامل في نظر العرب، هو من يحمي الضعيف من القويّ، وينصر المظلوم على الظالم، ولا يُحجم عن إزالة المظالم أيًّا كان مرتكبها. وهو من يفتح صدره للبائسين، ويمدُّ ذراعيه لخدمة الضعيف، ويتطوّع لمحاربة الشرّ.

ومن تقاليد الفروسيّة حسن معاملة الأسرى، وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على مدى شهامة الفارس وسموّ أخلاقه، حين يعامل من هو تحت رحمته برفق. ولشدّة ترسّخ هذا الشغف بالخيول عند العرب، انخرطت بعض النساء العربيّات، قديما، في ممارسة هذه الرياضة الأصيلة، رغم أنّها قد تبدو اختصاصًا ذكوريًّا لارتباطها بالحرب والدفاع عن الأوطان. وعُرف هولاء النساء بشجاعتهنّ وتبنّيهنّ لقيم الفروسيّة الّتي كرّسها المجتمع آنذاك. واستمرّت حفيداتهنّ، في الوطن العربي، في ممارسة ركوب الخيل إلى حدّ اليوم، رغم المشاكل الّتي يمكن أن تعترضهنّ.

 

نســـيبــة بــنـــت كــــــعــــب: 

هي مقاتلة شرسة وبطلة حقيقيّة: أمّ عُمارة، نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف، الأنصاريّة، إحدى نساء بني مازن النجار. وهي من أوائل أهل يثرب دخولاً في الإسلام، ركبت الخيل ولم تترك غزوةً إلّا وشاركت فيها مع رسول الله، تضمّد الجرحى وتسقي الجنود وتعدّ الطعام وتحمّس الرجال على القتال، كما أنّها كانت مقاتلة قويّة.

ويوم غزوة أحد، وعندما رأت المشركين يتكاثرون حول رسول الله صلى الله عليه وسلّم، استلّت سيفها، وشقّت الصفوف حتى وصلت إليه، وراحت تقاتل بين يديه، ضاربة بالسيف يمينًا وشمالاً، إلى درجة أرعبت الرجال من المشركين. وقد أثنى عليها النبيُّ قائلًا: “ما التفتُّ يَمينًا ولا شمالاً إلاَّ وأنا أراها تقاتل دوني”. فقد شاهدها الرسول صلّى الله عليه وسلّم، تُقاتل مع زوجها وولديْها، فقال لابنها عبدالله: “بارك الله فيكم من أهل بيت، رحمكم الله أهل بيت”.
فقالت أمّ عمارة: “اُدع الله أن نرافقك في الجنّة”.
فقال: “اللّهم اجعلهم رفقائي في الجنّة”.
قالت: “والله لا أبالي بعد ذلك ما أصابني من الدنيا”. وقد جُرحت يوم أُحُدٍ جرحًا بليغًا، وشاركت في الحرب ضدّ مسيلمة الكذّاب، واستشهدت بعد معركة اليمامة متأثّرة بجراحها.

 

خــــــولـــة بـــنــــت أزور:

إنّها خولة بنت الأزور بن أوس بن خزيمة الأسدي، أخت “ضرار” الفارس المغوار، الّذي جاهد في الله حقّ جهاده، ونصر دين الله في مواطن كثيرة، وأظهر من البطولة ما أدهش العقول وأثار الحميّة والنخوة في نفوس الأبطال، فكان من خيرة الفرسان الّذين خلّد التاريخ ذكرهم وأصبحوا مضرب المثل في الشجاعة و الإقدام. وقد تمكّن الروم من أسر خولة مع عدد من النساء، ووُضعت تحت الحراسة حتّى تنتهي المعركة، وبعدها، يستولون على السبايا والأسيرات، لكنّها وهي المرأة الحرّة الأبيّة، لم تستسلم لهذا الذلّ، ولم تقبل أن تكون لرجل غير زوجها، فحرّضت من معها من النساء على قتال الحرّاس والتحرّر من الأسر.

وبعد أن غادر أغلب الجنود المكلّفين بالحراسة، ولم يبق إلّا نفر قليل منهم، فكّرت الفارسة ودبّرت وعزمت وتوكّلت وانتهت إلى قرار حاسم، فقالت:

“يا بنات العمّ، إنّ الريح مواتية وإنّ فرصة الخلاص لتبدو لنا، فها قد حان وقت العمل، وإنّ الموت لأشرف لنا من فضيحة تلحق بنا في آخر الزمان. علينا أن نحمل حملة صادقة تُذهل العدو، فننجو أو نستشهد في سبيل الله،فخُذن أعمدة الخيام والأوتاد في أيديكنّ ولنحمل معاً على هؤلاء الحرّاس، ولنتماسك ولنتكاتف ولا نترك بيننا ثغرة ينفذ منها أحد إلينا، فأشددن معي، والله معنا والله أكبر”

قامت النساء يترجمن الأقوال إلى أفعال، فاقتلعن الأعمدة والأوتاد من الخيام، وهجمن على الحرّاس، فقُتل منهم من قُتل، وفرّ من فرّ، وعادت النساء إلى صفوف المسلمين وعلى رأسهنّ الفارسة المجاهدة.

 

فروسيّة النساء في عصرنا بين الرياضة والاحتفال الشعبي

في السعوديّة: إقبال متزايد من النساء على الفروسيّة رغم الرفض المحلّي 

رغم الأمثلة الّتي سبق ذكرها عن النساء، في العصور القديمة، اللّاتي حاربت إحداهنّ إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلّم، وحاربت الأخرى دفاعا عن راية الإسلام، ولم يجدن أيّ حرج في ركوب الخيل، تعيش حفيداتهنّ في السعوديّة تضييقًا في ممارستهنّ لشغفهنّ الجيني الّذي لا ينفصل أيّ إنفصال عن ثقافتهنّ وجذورهنّ. ففي تقرير صحفي لـ”العربيّة.نت” حول المشاكل الّتي يُمكن أن تتعرّض إليها السعوديّات في ممارستهنّ لهذه الرياضة، يفسّر مدرّب إسطبلات المملكة القابضة، نجيب البرجس، أنّ المرأة غير معترف بوجودها في أندية الفروسيّة. ولذلك، الفارسات السعوديّات للمشاركة في بطولات خارج المملكة بأسماء أخرى، ليمثّلن السعوديّة الّتي لا تمانع هذا الأمر، ولكن لا تعترف به رسميًّا. فاتّحاد الفروسيّة السعودي هو حكر على الرجال، رغم  أنّه تمّ تعيين أروى مطبقاني كعضوة فيه، في السنوات الأخيرة.  لكنّها لم تقدّم خطوة واحدة للنهوض باختصاص الفروسيّة النسائي. ويضيف نجيب البرجس: “يوجد تناقض في الاتّحاد السعودي للفروسيّة، حيث عيّن امرأة عضوة في مجلس إدارته، فيما ما يزال نظامه لا يسمح بفروسيّة النساء أو “الرياضة النسائيّة”.

كما ينتقد والد الفارسة آية خليل، المتأهّلة لكأس العالم للناشئين وأوّل سعوديّة تتحصّل على نجمتيْن من الاتّحاد الدولي للفروسيّة في القدرة والتحمّل، “عدم الاهتمام بفروسيّة السيدّات في وقت حقّقن فيه بطولات دوليّة”. ونتيجة لإصدار الفتاوى الّتي تحرّم مشاركة المرأة في المحافل الدوليّة رياضيًّا، إلّا أنّه تردّدت فتاوى قليلة تجيز ذلك. ومنها فتوى الدكتور صالح السدلان الّذي أقرّ بجواز حقّ المرأة في مشاركتها بالمسابقات الأولمبيّة شريطة الالتزام بالضوابط الشرعيّة.

 

المحافل الشعبيّة في تونس وركوب الخيل

تناقل مستعملو وسائل التواصل الاجتماعي فيديو طريفًا، لأب من “ولاية دوز” في محفل شعبي، يتنافس مع ابنته الصغيرة حول “عرش الفروسيّة”.  وقد حملت أغلب التعاليق إعجابا كبيرا لهذا الأب الّذي كرّس وقته لتعليم ابنته ركوب الخيل بهذه البراعة والحرفيّة، فيما كانت الفتاة تكاد تطير بهجة و متعة، وهي تقفز، بل تطير، بالفرس في ثقة وفرح طفولي.

لقد قال أبو الطيّب المتنبّي: “الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم”. ومن هنا، يزداد يقيننا بحبّ العرب للخيل إلى حدّ جعله حاضرًا في كتب التاريخ والسير والشعر وقصص الحبّ. ولكنّ هذا الفنّ يواجه مشاكل عديدة الآن، منها اقتصاره على الأغنياء الّذين يحتكرون سباقاته، إضافة إلى الصعوبات الّتي تجدها المرأة في بعض البلدان، في ممارسة هذه الرياضة.

رحاب الخترشي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد