مجتمعبيت وأسرة

الأجيال الجديدة والاغتراب اللغوي

أزمة اللغة العربية في العالم العربي

تُعدُّ  اللغة العربية من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، فهي لغة القرآن الكريم، كما يبدو في قوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (يوسف:2)  وهي اللغة الرسمية في الدول العربية وعدد من الدول الإسلامية  والإفريقية المحاذية للوطن العربي، كما انها لغة شعائرية رئيسية حتى لدى عدد من الكنائس المسيحية في المناطق العربية.

تأتي  العربية في المرتبة الرابعة بعد الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، من حيث ترتيب اللغات عبر العالم. يبلغ عدد المتحدثين بها  كلغة أولى، 279 مليون نسمة و هم سكان الدول العربية، يضاف إليهم 130 مليونا آخر يتكلمونها كلغة ثانية.  فيما تتوقع الإحصائيات أن تصبح العربية اللغة الأم لنحو 647 مليون نسمة بحلول عام 2050، أي ما يشكل نحو 6.94% من سكان العالم، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة.  

ويُحتفل باليوم العالمي للغة الضاد في 18 ديسمبر/ كانون الأول  كذكرى اعتماد العربية بين لغات العمل الرسمية الست  في الأمم المتحدة.

العوامل التي باعدت بين العرب ولغتهم

يعتبر الاستعمار الأجنبي السبب الرئيسي في تراجع  إتقان اللغة العربية الفصحى في عدد من مناطق العالم العربي، حيث عمل على اضعاف اللغة العربية  من خلال انشاء نخبة تابعة له، تعمل على تنفيذ ما أقره من إجراءات كفرض التعليم بلغته والتعامل الإداري بها ومنح فرص العمل لمن يتقن اللغة الفرنسية في المغرب العربي والإنجليزية في مشرقه. كل هَذا ساهم في إحداث نوع من الاضطراب اللغوي وللثقافي داخل المجتمع تلمسه في عجز افراده على التعبير بسلاسة بلغة واحدة دون اللجوء الى الاخرى.

خذ تونس، مثلا، اعتمدت الدولة منذ الاستقلال،  سياسات تعليمية أدت الى عزوف الطلبة عن اللغة العربية، من خلال تهميش المواد التي تعتمدها (الإنسانيات والتاريخ)، مقابل تلك التي تدرس بالفرنسية (العلوم)، وتشجيع المدارس الأجنبية التي غدت مراكز انتاج النخبة الإدارية المرتبطة بفرنسا والتي تنتقل من مدارس البعثات (mission) الى الجامعات الفرنسية بعد انتهاء الدراسة الثانوية، علما ان بعضها لا يدرس العربية إطلاقا ويتخرج تلانةمذته وهم يجهلون اللغة العربية بالكامل.

ورغم سعي بعض الدول المغاربية، كالجزائر مع الرئيس هواري بومدين،  إبان استقلالها إلى إعادة صلة قطعها الاستعمار مع اللغة الام   من خلال تعريب المناهج الدراسية وفرض اللغة العربية الفصحى كلغة رسمية في الدساتير والتعليم والإدارة، إلا أن التأثير الكبير للغة الاستعمار بقي ساري المفعول حتى هذا الوقت. يبدو هَذَا جليا من خلال تواصل الآباء مع أبنائهم  (في المغرب والجزائر) بلغة مزدوجة  بين العامية والفرنسية، فيما اقتصر اعتماد اللغة العربية الفصحى في دائرة ضيقة لا تتجاوز المناهج والمؤسسات الحكومية.

الاسرة العربية والنفور من اللغة الام

تحرص العديد من الأسر العربية على تعليم أبنائها اللغات الأجنبية في السنوات الأولى من الدراسة  لانها تعدها عنوانا للرقي والتحضر، وطريقا للتميز العلمي في مستقبل الأيام.

وترى الكاتبة السعودية إلهام بنت عبد العزيز الغنام في دراسة بعنوان “الصراع اللغوي وبقاء اللغة العربية باستثمارها” أنه  “بإلقاء نظرة سريعة على واقعنا العربي، سنجد أن تعليم الاجنبية احدث صراعا واضحا مع اللغة العربية، كتعليمها ـ مثلاً في المرحلة الابتدائية الذي كان على حساب مقررات اللغة العربية، مما أحدث عزوفا لدى أفراد الجيل عن اللغة العربية، بل واتخاذ مواقف سلبية تجاهها، تمثل في تضخيم حاجز الصعوبة فيها الذي بدوره أحدث عاملًا نفسيا ًكان وراء ضعفهم في اللغة العربية”.


ثم إن فرض دراسة بعض العلوم والدراسات باللغات الأجنبية  وتركيز المناهج الدراسية في المعاهد والجامعات على اللغة الفرنسية والإنجليزية ساهم في اغتراب الأحبال الجديدة من العرب عن العربية، بحجج واهية لأن الدول التي نجحت في تحقيق تقدم اقتصادي كالصين واليابان وماليزيا وتركيا وإسرائيل مثلا، قَد نجحت في ذلك مع تمسكها بلغتها الام.

اللغة الأجنبية سلاح ضد البطالة

يرى جلّ الشباب العربي اليوم أن سبيله للحصول على عمل يمر عبر إتقان لغتين أجنبيتين على الأقل، لمجاراة سوق الشغل والانفتاح على الشركات العالمية. وهذا ما يؤدي إلى عزوف الشباب عن إيلاء أهمية لتعلم اللغة العربية الفصحى بشكل صحيح ومتقن.   

كما ساهم التطور التكنولوجي و الغزو الثقافي في اتساع الهوة بين الفرد وهويته العربية وانتمائه الثقافي، و أبرز مثال على ذلك مواقع التواصل الاجتماعي التي تدهور فيها  استخدام اللغة العربية الفصحى في مقابل انتشار للهجات العامية، المحررة في دول المغرب العربي بأحرف لاتينية كلغة سهلة للتواصل وكتابة التغريدات والتدوينات، في حالة من التشوه منقطع النظير.

 الإعلام بدوره كان له يد في تعميق الازدواجية الغوية في المجتمع العربي، من خلال اعتماد جلّ قنواته التلفزية ومحطاته الإذاعية بشكل متزايد على اللغة العامية في برامجها ونشراتها الإخبارية احيانا.

ما تأثير تعليم اللغات الأجنبية والغزو الثقافي على الهوية العربية؟

يساهم التعليم باللغات الأجنبية، في تشويش قدرات الاستيعاب لدى العربي وخلق نوع من التشوش اللغوي لديه. كما ان هناك ،  اعتقادا سائدا لدى العرب اليوم بعجز لغتهم عن مجاراة التطورات العلمية التي يشهدها العالم مما يولد ونفورا منها.

هذا الاعتقاد الخاطئ يولد اجيالا تحتقر ذاتها ولغتها وتاريخها وتحل كل ما يأتي من الخارج، اجيال مضطربة الهوية منسلخة عن جذورها تنفر من كل ما هو اصيل وتقبل بشغف على المنتوج الثقافي الأجنبي، من أفلام وموسيقى وفيديوهات ييسره التطور التكنولوجي الغربي. كل هذا أنتج جيلا تابعا ثقافيا للخارج، خاصة لامريكا، يسعى الى تقمص لغتها وأنماط عيشها وتفكيرها.

كيف نعيد ما انقطع من صلة مع اللغة العربية؟

ان الحد من حالة الاغتراب التي تعيشها اللغة العربية في الأجيال العربية الجديدة يستوجب جهدا مشتركا بين مؤسسات الدولة والإعلام والاسرة وذلك من خلال

  • وضع مناهج واستراتيجيات داخلية تسعى لأحداث التوازن مع اللغات الأجنبية 
  • فرض تدريس عدد هام من الساعات المخصصة للغة العربية، حتى داخل المدارس الأجنبية
  • جعل اتقان اللغة العربية  أحد الشروط الاساسية للالتحاق بسوق الشغل (كما هو الشأن بالنسبة للإنجليزية والفرنسية).
  • غرس ثقافة الاعتزاز باللغة العربية في أبنائنا وشبابنا وتشجيعهم على المطالعة بها، بما يستوجب توفير الكتب والقصص المكتوبة بلغة عربية سلسة واضحة من شانها ان ترغب الأطفال في القراءة وتكسبهم قدرك على التعبير بلغتهم الام بدل اللجوء اللغات الأجنبية
  • تشجيع ودعم الجهات المختصة للتأليف وإنتاج القصص الأدبية والروايات والبحوث والدراسات بالعربية وتيسير الاطلاع عليها    
  •  ضرورة تركيز الإعلام بمختلف أشكاله على التخاطب باللغة العربية الفصحى سواء في البرامج أو الأعمال الهادفة وغيرها، خاصة في القنوات الحكومية والوطنية.

هذه الخطوات صورية من اجل السعي لحماية ابنائنا من ظاهرة الاغتراب اللغوي التي تجتاح مجتمعاتنا وتولد اضطرابات ثقافية ونفسية عند الأجيال الجديدة وتعزلها عن موروثها الحضاري الزاخر بالثراء.  

دلال الحاج صالح

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق