الرئيسيثقافة

في حوار مع مديرة مركز التراث الفلسطيني: نقاوم بالخيط والإبرة محاولات نهب تراثنا الفلسطيني

عندما نذكر فلسطين، نتحدّث دائمًا عن المقاومة السياسيّة والمسلّحة. ولكن هناك أوجه كثيرة يستمدّ منها هذا الشعب الطاقة في مواجهة العدوّ. ولعلّ محافظة الفلسطينيّين على إرثهم الحضاري والثقافي الكبير، ضدّ الهيمنة الثقافيّة والاستيلاب الّذي يمارسه الكيان الصهيوني، لهو معركة أخرى أشدّ ضراوة.

واليوم سنتحدّث عن الأزياء التقليديّة الّتي تلبسها المرأة في فلسطين، وما يُثير انتباهنا هو ثراء هذا المجال وتنوّعه، في هذه الربوع. ففي كلّ قرية أو مدينة، نجد لباسًا تقليديًّا خاصًّا. فكأنّنا أمام بلدان وثقافات عديدة، لا بلد صغير المساحة. وتتميّز الأثواب الفلسطينيّة، بطريقة صنعها الفريدة، فهي تُحاكُ يدويًّا، وتتميّز بألوان وأشكال زخرفة تتغيّر من جهة إلى أخرى.

وكما أشرنا في البداية، يتعرّض هذا التراث الثريّ الّذي ابتدعته أنامل المرأة الفلسطينيّة، وتناقلته جيلًا بعد جيل إلى خطر الاستيلاء عليه من قبل الكيان الصهيوني وإعادة ترويجه على أساس أنّه تراثهم الخاصّ.

تُقاوم أنامل المرأة الفلسطينيّة، اليوم، بالخيط والإبرة، كما تقاوم بالسلاح وبالقلم، في سبيل صون هذا الإرث الفنّي من إرادة النهب والطمس والتزييف.

في هذا الإطار، تندرج الجهود الرائدة للسيّدة “مها السقّا”، مديرة مركز التراث الفلسطيني.ولذلك فقد اخترنا أن تكون شخصيّتنا لهذا العدد، فكان لنا معها الحوار التالي:

في البداية، هلّا قدّمت لنا فكرة عن مركز التراث الفلسطيني

أسّست مركز التراث زمن الانتفاضة. فأثوابنا الفلسطينيّة مصبوغة بهويّتنا، مقدودة من خيوطها. وحين أدافع عن تراث الأزياء الفلسطينيّة، فمعناه أنّي أقول: نحن موجودون على هذه الأرض، مغروسون في ماضيها وحاضرها. نحن نتحدّى احتلالها ونهب ثقافتها وتاريخها”. وقد قمت بأبحاث ميدانيّة. ثمّ أقمت، على ضوئها، عروض أزياء للأثواب الفلسطينيّة، أحدثت ردّ فعل قويّ، وتركت انطباعًا ممتازًا.

لقد جمع المركز كلّ القطع الّتي كنّا نستعملها قبل الـ48، حتّى نصون ذاكرة فلسطين ويحفظها أبناؤها ويعتزّوا بها.

إنّ أهمّ قسم بالمركز، هو المتحف الّذي يحتوي على 200 لوحة أثريّة. أمّا في القسم الثاني، فيُوجد المشغل الّذي تعمل فيه 400 امرأة فلسطينيّة، أنتجت أناملهنّ أجمل الأثواب، وأعادت صياغة نماذج حيّة من تراثنا كي نُسوّقه لضيوفنا الأجانب حتّى يكتشفوا جمال أزيائنا التقليديّة وأصالتها. نحن نقول: إنّنا موجودون، هنا، منذ الأزل، وما كلّ غرزة، إلّا قصّةُ قريةٍ أو مدينةٍ من فلسطين العريقة.

كما أنّي قدّمت عدّة معارض لأثوابنا داخل فلسطين وخارجها، سواء في أوروبا أو أمريكا. وكان المعرض الأنجح على الإطلاق، هو الّذي أقمته في شيكاغو، وقد صدر حوله كتاب، سيُتيح لمن يريد الاطّلاع على مجال اللباس التقليدي الفلسطيني، من الباحثين فيه أو المهتمّين به، أن يقتنيه عبر شبكة أمازون.

مها السقا فازت بالجائزة الأولى لمنظّمة السياحة العالميّة باليونسكو. فحدّثينا عن هذا التتويج الهامّ

كان عنوان المسابقة المرأة والتراث، وقد اختارتني وزارة السياحة كي أمثّلها بلوحة للأزياء التي أنتجتُها. ففزنا بالمرتبة الأولى من بين 60 دولة، وبفارق 3000 صوت عن الفائز بالمرتبة الثانية. وعندما تمّت دعوتي إلى إسبانيا، وزّعت هذه اللوحة على جميع وزراء السياحة العرب حتّى يتعرّف العالم على جمال تراثنا وثرائه، باعتباره نقطة مضيئة في الحضارة العربيّة والإنسانيّة.

تنوّعت تصميمات مها السقا من الزيّ المدرسي إلى ثوب العروس، ومن ثوب القدّيس إلى زيّ الرئيس، وصولا إلى موسوعة غينيس الّتي أدخلتك التاريخ بتصميم أكبر ثوب في العالم. حدّثينا عن هذه التجربة

في الحقيقة، بدأت قصّة دخولنا الرّائعة إلى موسوعة غينيس بحادثة مستفزّة، فقد فُوجِىء شابٌّ فلسطينيٌّ، عند استقلاله الطائرة، بارتداء المضيفة الإسرائيليّة للزيّ الفلسطيني، فقال لها: “هذا ثوب ستّي” لتُجيبه بسخرية: “لو كان هذا ثوبكم فعلا لارتدته المرأة الفلسطينيّة في الشارع والجامعات”.

لقد أثار هذا الردّ حفيظة الشابّ، وجعله يطلب منّي أن أصمّم أكبر ثوب يدخل موسوعة غينيس، يكون مطرّزًا بالألوان والتصميمات الفلسطينيّة للتأكيد على انتمائه لنا وانتمائنا له. فشكرته على هذه الفكرة، وشرعت في إنجازها. لقد صمّمت ثوبا تُقارب مساحته الـ 400 متر مربّع، عملت على تطريزه 300 امرأة فلسطينيّة بأجمل الزخارف في تراثنا الفنّي، وأهمّها النجمة الكنعانيّة، وخيمة الباشا، وزهر البرتقال من يافا وغزّة، إضافة إلى الحطّة والعلم الفلسطينيّيْن.

وعُرض هذا الثوب، في ملعب كرة قدم، لكبر مساحته. ويُعتبر دخوله موسوعة غينيس تتويجًا لنا، ومحطّة هامّة في المعركة الّتي نخوضها لمنع الاحتلال من سرقة تراثنا الوطني.

لقد ذكرتِ سرقة الاحتلال للتراث الفلسطيني، وقد تمّ رصد عدّة سرقات للأزياء والمطبخ الفلسطيني، فلو تعطينا أكثر تفاصيل عن هذا الموضوع

فعلا تمّ ذلك، فقد وجدت سنة 1993، في موسوعة لأزياء العالم، ثوب بيت لحم مقدّمًا على أنّه ثوب إسرائيلي.

حزّ في نفسي ذلك، واستفزّني. فتابعت موضوع هذه السرقة، ومن ثمَّ أصدرتُ كتيّبًا عن سرقات الاحتلال الثقافيّة، وكنت أقول دائمًا إنّه عندما امتلك الأرض بالقوّة وغيّر معالمها، لم يجد ما يُثبت انتماءه لها، لأنّه بلا ملكيّة ثقافيّة أو حضاريّة أو تاريخيّة. لذلك شرع في الاستيلاء على تراثنا و أكلاتنا الشعبيّة و موسيقانا وأثوابنا. كما أقول أيضًا أنّ الوطن هو تراكم المعطيات التراثيّة والحضاريّة. و لذلك لا يحقّ سوى لهذا الشعب الّذي بنى الحضارة في هذه الأرض، منذ آلاف السنين، أن يقول: هذا وطني.

يحكي كلّ ثوبٍ فلسطينيٍّ قصّة مدينة، فكيف ترين تنوّع الأثواب الفلسطينيّة؟

في الواقع، إنّ كلّ ثوب، هو وثيقة هويّة لقرية أو مدينة فلسطينيّة مّا، فيمكن معرفة من أيّ مدينة تنحدر امرأة فلسطينيّة بمجرّد النظر إلى ثوبها. فعلى سبيل المثال، يكون ثوب منطقة يافا منسوجًا بالكتّان الأسود أو البيج ومطرّزًا بالأحمر. لكنّ الأحمر درجات، فالأحمر المائل إلى البنفسجيّ، مثلًا، هو علامة مدينة غزّة، والأحمر المائل إلى البنّي، فهو ميزة مدينة الخليل، والأحمر النبيذيّ، فنجده في مدينتيْ رام الله ويافا، أمّا الأحمر القريب من البرتقالي، فتشتهر به بئر السبع.

كما يشتهر ثوب رام الله بزخرف النخل العالي وزخرف رأس الحصان وكذلك زخرف المشط.

أمّا اللباس التقليديّ للمرأة في مدينة بيت لحم الّتي أنتمي إليها، فيختلف في طريقة التطريز. وهو من أجمل الأثواب، ويتميّز بزخرف الخمس نجوم على الصدر، وزخرف الساعة على الأكمام والجوانب. ويُلبس فوقه ما نسمّيه بالتقصيرة، لأنّها قصيرة تظهر جوانب الثوب.

كما يتميّز هذا اللباس الكنعاني بغطاء الملك الّذي يُعرف بالشطوة، وهي قطعة من مهر العروس كانت مزيّنة بالعُمْلة الذهبيّة والفضّية وخرز المرجان، بطريقة رائعة.

وفي الحقيقة، ودون تحيّز ولا مبالغة، فإنّ أجمل أثواب العالم المطرّزة وأروعها، هي الأثواب الفلسطينيّة، بلا منازع.

كان والد مها السقّا مناضلًا سياسيًّا. فهل يمكن أن نقول إنّ مها تُكمل مشوار أبيها، لكن بالنضال الحضاري والثقافي؟

أحببت جدًّا هذا السؤال لأنّي نشأت في بيت فلسطينيٍّ، علّمني حبّ الوطن والانتماء إليه والعمل من أجله. لقد كان والدي مديرًا عامًّا في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وقد سافر إلى 16 دولة في العالم، واستغلّ هذه المناسبات في الحديث عن القضيّة الفلسطينيّة.

وعندما كنت أرافق والدي إلى القرى،  رأيت أثواب الفلّاحات الرائعة. كنت قريبة من البوادي الفلسطينيّة، وهو ما زرع فيَّ حبّ الوطن وأهميّة الأرض. كما لا أنسى دور والدتي الّتي كانت مرشدة اجتماعيّة، بثّت فيَّ حبّ العمل التطوّعي.

لذلك سأكمل مشوار والدي في النضال بالسلاح الحضاريّ، لأنّ السياسة متغيّرة والحضارة ثابتة.

في الختام، ما هي الرسالة الّتي تريد مها السقّا تبليغها إلى العالم؟

على العالم أن يعترف بأحقيّة الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس، على ضوء كلّ هذه الوثائق التاريخيّة والحضاريّة والتراثيّة. وذلك كي يعود أصحاب هذه الأثواب إلى مدنهم وقراهم الّتي أُخرجوا منها قسرًا. سيعودون إليها مهما طال الزمن.

حاورتها مروى وشير

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد