ثقافة

تقطير الزهور: عبق ساحر في زجاجة

حل موسم “أوسو”، بحره القايظ، و بحلوله تفوح رائحة الفليّو المقطّر من البيوت التونسية، التي دأبت على عادة تقطير زهور النبات، منذ قدوم الأندلسيين، حتى باتت متوارثة بين الأجيال، ولا يكاد يخلو منها منزل.

يعرف شهر أغسطس بموسم تقطير نبتة النعناع البري أو الفليو كما تسمى في تونس، وهي عشبة برية، تعرف بفوائدها الصحية العديدة، لذلك تحرص النساء على جمعها وتقطيرها.

نبات الفليو غني بالفيتامين أ و ب ومضاد  للأكسدة ومقو لمناعة الجسم، حيث استخدمه الطب العربي القديم، في تنظيف الدماغ من الرطوبات الفاسدة وأخلاط الصدر و إزالة اليرقان وفي تنعيم البشرة، و تقوية الشعر. واستعمل في الطب الحديث، لمعالجة الصداع النصفي. اضافة الى استعماله في الطهي والطبخ، فهو يضفي نكهة رائحة ومذاقا مميزا للطعام.

كيف يتم التقطير؟


التقطير هو عملية استخراج الماء والزيت الروحي من زهور النباتات الطبيعية، مثل زهرة النارنج (الأرنج) والورود بمختلف أنواعها وألوانها وأشكالها ونبتة العطرشاء والنعناع والريحان (الفليو)، بواسطة “القطّار” التقليدي المصنوع من النحاس أو الفضة والذي تتوارثه النساء عن أمهاتهن وجداتهن عبر اجيال متعاقبة.

تشرع النسوة في جمع نبات الفليو من السهول القريبة، فتقص النبتة من ساقها بواسطة مقص حتى لا تقتلع الجذور التي ستعود للنمو حين يحل موسمها. ثم يجفف تحت أشعة الشمس الحارقة التي  عادة ما تستغرق يومين متتاليين، فكلما اشتد جفاف النبتة، كثر زيتها الحار الفوّاح..

يعد يوم التقطير يوما مميزا باعتباره أهم وآخر مرحلة، فبعد ساعات سيجهز ماء الفليو وزيته. توضع النباتات المجففة والماء في “القطَّار” وتوقد تحته النار  ويوصل غطاءه المملوء بالماء البارد، بخرطوم يربط بقارورة بلورية تسمّى “فاشكة”، وهي قارورة بلوريّة دائرية الشكل وذات عنق طويل يُحتفظ داخلها بماء الريحان.

وتستمر عملية التقطير لساعات، ليتحول البخار المنساب في الأنبوب إلى قطرات ندى تسقط في  جوف الفاشكة إلى أن تمتلئ. ويتم تغيير ماء الإناء البارد باستمرار لتثليج البخار وتحويله إلى قطرات ماء.

عادة لا يخلو منها بيت تونسي

التقطير عادة موسمية و متجذرة بعمق في المجتمع التونسي. ويشمل عدة أنواع أخرى من النباتات والأزهار منها زهرة النارنج، التي اشتهرت بها البلاد التونسية منذ آلاف السنين، إذ بحلول فصل الربيع تزدان أشجار النارنج بأزهار بيضاء اللون فواحة الرائحة، معلنة عن انطلاق موسم تقطير الزهر والتي ترتبط بشهر مايو، وتستمر لأربعة أسابيع.

 

و”ماء الزهر” هو الرحيق الطبيعي الذي تحرص كل نساء تونس، غنياتهم وفقيراتهم، على تخزين كميات كبيرة منه تكفيهن على مدار السنة، ويحفظنه في القوارير الزجاجية داخل غرف جافة مظلمة تسمى “بيت المونة”. يستعملنه لتعطير معظم الحلويات التقليدية وعلاج اطفالهن اذا ارتفعت حرارتهم وشربه لتهدئة التهابات المعدة وتلطيف البشرة وتصفيتها. كل هذه عادات لا تزال حاضرة في تونس اليوم تماما كما كانت منذ قرون، غير عابئة بتغير الازمان.

وفاء الحكيري

مقالات ذات صلة

اترك رد