سياسة

شهيدات الحرية في رابعة


منذ إنطلاق شرارة الثورة الأولى في الخامس والعشرين من يناير 2011 ، كان للنساء وجود غير مسبوق في التظاهرات والإعتصامات التي توالت على أرض مصر، وفي ميدان رابعة العدوية، حيث كان الإعتصام الذي انتهى بمجزرة مروعة راح ضحيتها الآلاف.  لم يكن دور النساء اقل من أدوار إخوانهن من الرجال، وكان لهن نصيب من الإصابات الخطرة والموت الذي كان يترقب الجميع على بوابات الميدان.

 

الى يومنا هذا وفِي الذكرى الرابعة لمجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة، لا يوجد احصاء دقيق  لأعداد القتلى الذين اغتيلوا بدم بارد في الرابع عشر من اغسطس لعام 2013، كما لا يوجد احصاء دقيق لعدد النساء اللاتي ارتقت أرواحهن حينها. إلا أن تقديرات المؤسسات غير الرسمية والناشطين الحقوقيين الذين سعوا إلى توثيق إعداد القتلى وهوياتهم تشير الى مقتل حوالي 21 امرأة في ذلك اليوم الأسود.

أسماء البلتاجي

“اقرعوا برفق الأبواب الموصدة على آلام الرحيل” 

هي ابنة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين د.محمد البلتاجي، بنت وحيدة بين أربعة أشقاء. كانت تبلغ 17 عاما حين قنصت في ميدان رابعة صبيحة يوم الرابع عشر من أغسطس. كانت فتاة بالصف الثالث الثانوي تحلم أن تصبح طبيبة كأبيها.  إلا أن يد القناص سبقت إليها فارتقت روحها بعد رصاصة أصابت صدرها. بقيت اسماء ساعات تعاني من الإصابة دون تمكن سيارة إسعاف من الوصول اليها او قدرة من معها على إسعافها لنقص الإمكانيات، بعد استهداف المستشفى الميداني وبنك الدم الموجودين في المكان.

مسيرة اسماء النضالية كبيرة على صغر سنها. فقد دابت على حضور كل التحركات والمظاهرات اثناء احداث الثورة منذ أيامها الأولى، وكانت تدعو إلى النزول إلى الشارع والتصدي لنظام العسكر عبر صفحتها على الفيس بوك..

رثاها والدها المعتقل في سجون الإنقلاب والذي عجز عن وداعها في رسالة نشرت عبر مواقع التواصل الإجتماعي قال فيها

” ابنتي (أستاذتي وقدوتي وقرة عيني) شاءت إرادة الله أن يكون مقتلك –خصيصاً- على يد قناصة العسكر في ذلك اليوم المشهود آية وبرهان على صحة وعدالة القضية التي دافعتَ عنها وقتلتَ في سبيلها ألا وهي الرفض التام لعودة حكم العسكر بعد ثورة يناير التي ما قامت إلا لتنهي ما جره العسكر على الوطن طيلة ستين عاماً من خراب ودمار وقمع وفساد وتخلف وتبعية … كان مقتلك أنتِ تحديداً برهاناً أن اللذين خرجوا ضد الانقلاب العسكري ما خرجوا لأجل جماعة ولا لعودة شخص فأنتِ آخر من عرفت في حياتي كلها تحزباً لجماعة أو انحياز لشخص أو حزب… كما جاء قتلك وأنتِ الفتاة العزلاء التي لم تحمل سلاحاً ولا حجراً دليلاً قاطعاً على أنهم استهدفوا كل من قال لا للانقلاب ووقف في وجه الظلم والظلمات .. كما جاء مقتلكِ غدرا وخيانة وخسة بطائرة العسكر التي حلقت فوق رأسك وقناصة العسكر الذين انتشروا في الميدان دلالة الدناءة والندالة منهم ، ودلالة عدالة وصواب وحق موقف الرافضين لهذا الطغيان العسكري المغرور المتفرعن بآلياته العسكرية .. التي انفق عليها الشعب من قوته ومعايشه لأجل مواجهة الصهاينة لا لقتل أبناء الوطن البررة .. فإذا بالعسكر يستخدمونها لقتل الشعب وقهره وفرض وصايتهم وفسادهم عليه”

وكأنها تنعى نفسها كتبت أسماء عبر حسابها على تويتر ..:” “اقرعوا برفق الأبواب الموصدة على آلام الرحيل .. هناك خلف أعداد الشهداء و أسمائها تكمن الكثير من الحكايا.. فليستحِ من يتحدّث عن هيبة الدولة !”

حبيبة أحمد عبد العزيز

“إجازة تنتهي بشهادة ”

هذه قصة حبيبة، الصحفية الشابة التي كانت تبلغ من العمر 26 عاما.  نزلت حبيبة إلى مصر في اجازة مع والدها حينما أعلن الإنقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وأبت أن ترحل من ميدان رابعة الذي وصلته قبل الفض بأيام قليلة.

كتبت عبر صفحتها على الفيس بوك قبل تلك الأحداث بعام تقريبا ” سأستودع عند الله أمنيتين،  العودة لمصر بشكل نهائي ، الشهادة في سبيله ..”

تقول إحدى صديقاتها ممن شهدوا الواقعة ” انهمر الرصاص عليها كالمطر، واستحلفناها أن ترجع لكن حبيبة كانت تتقدم بكاميرتها المحمولة، فعاجلها القناص برصاصاته”. 

هبة جمال “أم رمضان”

اصحي يا ماما بالله عليك”

هكذا تعرفنا عليها، امرأة ربما لم تتجاوز الأربعين من عمرها انتشرت صورتها عبر صفحات الإنترنت والدماء تنبثق من رأسها والمسعفون يحاولون أن يعيدوا الحياة إلى وجهها الشاحب المنبئ بالموت، لا نعرف ملامحها جيدا ، لكن الجميع حفظ ملامح رمضان ابنها وهو يردد:

“اصحي يا ماما بالله عليكي”

هكذا اخترقت صرخته أسماع الجميع وهو ينظر إلى والدته ويبكي بكاءا حارا، وكما التقطتها يد المصور ابراهيم المصري الذي كان يوثّق في تلك اللحظة المكان ، فكتب بعد المجزرة شهادته يقول فيها :

” توجهت نحو مشفى رابعة، أركض صعوداً درجات المشفى ومع كل درجة أرى مصاب وشهيد وطفل وامرأة، أدلف إلى ردهة واسعة لأجد امرأة مسجاة على ظهرها غارقة في دمائها المنبثقة من أعلى رأسها، أترك كل شيء حولي ولا أفعل شئ سوى الطواف حول هذا الجسد لالتقاط بعض الصور. وأثناء انغماسي في التقاط الصور إذا بي أسمع صوت طفل من بعيد ينادي “ماما، فين ماما، فين ماما؟”

“في البداية لم أعر الصوت أهمية ولم أربط بينه وبين تلك المرأة التي أصورها، إلى أن التصق الصوت بظهري مباشرة، التفتّ خلف ظهري تماماً فوجدت رمضان وأحد الرجال يهدّئ من روعه. كان يخدش وجهه بأظافر يديه بقوة محاولاً إيذاء نفسه، وقف رجل بجواره مربتاً على كتفيه قائلا له اصبر يا حبيبي..”  في تلك اللحظات تحولت بعدستي في لقطة واحدة من دون انقطاع من الأم نحو طفلها، صرخ في وجهينا، أنا والعدسة “ماماااااا.. إصحي يا ماماااااا.. بالله عليكي إصحي يا مامااا” ، تمالكت نفسي.. نسيت من أنا وماذا أفعل.. لم أتذكر مشاعري.. لم أمتلك قلبي وعقلي في تلك اللحظة واستمررت في تسجيل تلك اللحظة لثوانٍ معدودة.

تركت المكان هبوطاً من حيث جئت، نظرت تحت قدمي كانت قد تخضبت بدماء “أم رمضان”

 

هند هشام كمال 

طموح لَم يكتمل

طالبة بالعام الثالث لكية الآداب بجامعة عين شمس. عشرون عاما، ثم رصاصتان، يحكي عنها والدها قائلا

“كانت هند طموحة جدا ، كل كتبها كتبت عليها (دكتورة هند ) رغم أنها كانت لا تزال طالبة بعامها الثالث إلا أن طموحها كان يسبقها، كانت ذات اطلاع واسع ومهتمة للغاية بمجال التنمية البشرية، تتابع الجديد فيها وتطبقه على زميلاتها في الجامعة وفتياتها اللاتي تقوم بتحفيظهن القرآن بالمسجد.”

في يوم فض رابعة أصيبت هند برصاصتن في البطن دخلت على إثرها إلى المستشفى لتسلم روحها إلى بارئها بعد خمس أيام من إصابتها مساء يوم التاسع عشر من أغسطس تأثرا بجراحها.

أسماء صقر 

اكتب رثاءك ام أخط رثائي

كانت اسماء تبلغ من العمر 32 عاما، قتلت وكانت حاملا في الشهر الثالث.  استهدفتها رصاصة قناص فقضت نحبها هي وجنينها وأسلمت  الروح إلى بارئها.

كانت أسماء باحثة وكاتبة مهتمة بالقضايا الأسرية والإجتماعية من منظور إسلامي ولها عدد من الأبحاث والدراسات التي نشرت في مجلات وصحف عدة.

يروي زوجها الذي أصيب في قدمه يوم الفض ونقل إلى مركز رابعة الطبي الموجود في الميدان لمداواة جرحه “خفت أن تتجول اسماء في الميدان فتصاب، فطلبت منها ان تبقى معي حيث ذهبت. صعدنا إلى الدور الثالث بمركز رابعة الطبي، ورغم أنها كانت بعيدة تماما عن النافذة، إلّا ان رصاصة اخترقت الجموع  واستقرت في رأسها وقتلتها في الحين”

وقد كتب زوجها يرثيها قائلا :

“أيتها الملكة أشهد الله أنك قد غمرتيني، يا خير نعيم الدنيا وحسن ثواب الآخرة.. قد كنت أعلم أن الجنة تتزين لك، ألا أخبرك سرا: هي اليوم تتزين بك بإذن الله..

اكتب رثاءك أم أخط رثائي *** يا زينة الأحياء والشهداء

يا جنة قد عشت فيها منعما *** وعرفت منها راحتي وهنائي

كيف الرحيل وقد وعدتكِ أنني *** ابغي رضاءك ما يكون بقائي

كيف الرحيل وقد علمتِ أنني *** ذاك العليل وأرجو فيكِ شفائي

كنت الفداء كما وعدتك دائما *** ما خنت وعدي فهل تردي فدائي

أوتذكرين جلسنا نقرأ فجرها *** وعرفنا فيك شهادة الكبراء

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد