ثقافة

العنف ضد النساء في الدراما العربية

معالجة له أم تطبيع معه؟

مشاهد اغتصاب وضرب و عنف و إهانة لفظية تعودنا على رؤيتها في دراما العربية منذ الصغر الى اليوم، عدة أفلام عربية ظهرت فيها المرأة مهشمة الوجه،  مقهورة مستعبدة، جميلة و مثيرة.  هذا ما أثار السؤال دائما حول سبب ربط عنصر الاثارة و العنف دائما في السينما العربية، ويكون الجواب دائما: “هذا هو مجتمعنا. نحن نعري المجتمع..”

لكن هل الهدف حقا هو تعرية المجتمع أم التظاهر بهذا لإشباع خيال المشاهد العربي الذي لا يختلف كثيرا عن المشاهد العالمي و الذي أصبح يتحفز لهذه المشاهد حتى غدت جزءا من لاوعيه لا ينظر إليها كمشكلة حقيقة في مجتمع، بل كنوع من الترفيه

ظهور متزايد للوجوه النسائية ولا معالجة حقيقة لوضعية المرأة

تميزت دراما رمضان عاما بعد عام بظهور عدد كبير من الممثلات اللاتي نافسن بشكل كبير الممثلين الذكور الذين يستأثرون عادة بأدوار البطولة.

ويأتي بروز فنانات مثل نادية الجندي والهام شاهين وصابرين وجمانة مراد وهند صبري في أعمال كثيرة كـ”ملكة في المنفى” و”عايزة اتجوز” تناولن من خلالها مشاكل المرأة. غير أن بعض المراقبين يرى أن هذا الصعود الإيجابي للفنانات رافقه صعود في الصورة السلبية التي قدمتها الدراما العربية للمرأة. ففي أغلب هذه الأعمال لم تضطلع المرأة بدور إيجابي في المجتمع، بل وقع تنميط صورتها في أذهان المشاهد، فهي إما معنفة أو مستمية في طلب الزواج أو مريضة نفسيا أو متحرش بها من قبل رئيس العمل..

سيجيب الفنانون و المخرجون أن هذا ما يحدث في المجتمع حقا. لكن المشكل  يبقى قائما:  طريقة عرض هذه المشاهد وكثافتها. فمع تواتر هذه الصور في جميع الأعمال وغياب نموذج للمرأة القوية الصامدة و المكافحة وتعمد تحفيز الاثارة الجنسية حتى أثناء العنف تغدو هذه القوالب نمطية والعنف ضد المرأة مبتذلا طبيعيا غير مستهجن ولا مستغرب

 

يرى الخبراء النفسيون و الاجتماعيون بأن الغرض من كل هذا هو إرضاء الخيال الجنسي حيث ان جل التحاليل النفسية ترى ان الغريزة الجنسية  لطالما ارتطبت بغريزة العنف.  ثم أن طريقة العرض تبالغ ماقد يوجد واقعا وتضخمه الى ابعد الحدود بغية تحقيق أعلى نسب المشاهدة و التنافس مع الأعمال الاخرى التي أصبح أغلبها يستعمل هذه الورقة لإنقاذ ضعف العمل.  فهذا النزوع نحو العنف و الجنس والغرائبية في المشاهد و الجنوح له امتداد طويل في سينما الهوليودية، للنبش في غرائز انسانية يحاول الانسان كبحها، لا فك الللجام عنها و قد تعددت الدراسات النفسية و الاجتماعية و كذلك الاعلامية في البحث في قيمة تأثير الصورة العنيفة على المشاهد٠

 

وقد كشفت دراسة ميدانية شاركت في اعدادها نخبة من اساتذة الإعلام عن تأثير ما تقدمه الدراما التلفزيونية من نماذج للعنف ضد المرأة في تدعيم ذلك السلوك في المجتمعات العربية. وشملت الدراسة تحليل 18 عملا دراميا، منها «العطار والسبع بنات» و«اين قلبي» و«جحا المصري» و«اسعد زوج في العالم». وقد اظهرت الدراسة ان الغالب على شكل العنف ضد النساء في هذه الاعمال الدرامية العنف النفسي والمعنوي بنسبة 92% والعنف الجسدي 39.7% والعنف الجنسي 8.4%.

كما اكدت الدراسة ان كل الاعمال الدرامية، التي قدمت أخيرا في الدراما المصرية، لم تخل من ممارسات العنف بصفة عامة وممارسته ضد النساء بصفة خاصة، مع تعدد اشكال هذه الممارسات، في الوقت الذي ظهرت فيه مؤشرات عدم مبالاة المجتمع تجاه حدوث هذا العنف أو اتخاذ موقف ايجابي تجاه الضحية. فكأن مشاهد هذه العنف هي تصريح مبطن أو ضمني للقيام به..

المرأة الضعيفة المستكينة

ويرى الباحث الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي ان”معظم المسلسلات الرمضانية التي شاهدناها في رمضان الماضي ركزت على صورة المرأة الضعيفة والمستسلمة والمطواعة كما في مسلسل”باب الحارة”

 

ويشير الخُزاعي إلى أن المرأة ظهرت كتابعة للرجل ولا تُؤخذ مشورتها حتى في القضايا التي تخصها مثل الزواج.  ويضيف “في مسلسل الفنانة هند صبري ‘عايزة اتجوز’ ظهرت المرأة تتوسل العريس لكي يقبل بها زوجة، وهي صورة سلبية للمرأة او الفتاة التي تعرض نفسها كسلعة وفريسة سهلة في المجتمع، وهو امر مناقض للواقع حتى لو ظهرت فيه بعض الحالات الضعيفة”

 

ويؤكد الخزاعي ان الدراما تعبر عن الواقع وعن الحياة و”بذلك أثرت صورتها على ما نراه في ايامنا. ولا تنس ان الناس يصدقون ما يشاهدونه على شاشة التلفزيون في الغالب..

 

من جهتها، تشير الكاتبة إيمان القدوسي أن الأعمال الدرامية العربية لم تُقدم المرأة كـ”عالمة ذرة أو باحثة متميزة في هيئة علمية محترمة أو حتي طبيبة أو مخترعة أو أديبة.  لم يحدث ذلك مطلقا”.

 

وتضيف القدومي أن الدراما العربية قدمت المرأة “كسلعة حقيقية يتم تزيينها وتزويقها وعرضها لمن يدفع الثمن، وببساطة يمكنها أن تتركه وتذهب لمن يملك ما يدفعه لها دون أن يكون لديها أي مبادئ أو قيم أو ضمير. في الحقيقة حتى الجواري قديما كان حالهن أفضل من ‘زهرة وأزواجها الخمسة'”

باب الحارة

هذا العمل نموذج مثالي لتكريس الصورة النمطية للمرأة العربية وهو محط إنتقاد أغلب النقاد و الخبراء لهذا السبب.  فقد تفنن المخرج في تصوير إمرأة ترضي أغلب خيالات الرجل الشرقي، فهي الجميلة التي تقدم كل الطاعة طوال حياتها للرجل: زوجا كان أو أخا أو أبا، طاعة مطلقة لا تعبر فيها عن رأيها. هي إمرأة البيت التي يمكن أن تعنف في أي لحظة أو تؤدب من قبل الرجل الذي يصوّٓر على أنه المتربع على عرش التصرف الحسن والمخول لمعاقبة النساء المخطئات، ويمكن ايضا أن تطلق من زوجها لاول خطأ وتستبدل بسهولة بثانية.

 

ولم تفلح محاولة الكاتب الفاشلة إصباغ صفة (التاريخ) على حكايات  النسوة في هذا العمل وإقناع المتفرج الواعي بحقيقة وضع النساء في تلك الفترة الزمنية. فقد جاءت الصور التي قدمها غريبة وشاذة عن معرفتنا للتاريخ وخصوصاً في حاضرة إسلامية هامة كدمشق التي لم يغفل التاريخ عن كشف تفاصيل الحياة اليومية لنسائها في تلك الحقبة ودورهم النهضوي والرائد.

 

لكن المسلسل حقق شعبية كاسحة لم تسبقه إليها أية مسلسلات أخرى لنفس السبب الذي ذكرته، مدعوماً طبعاً من مؤسسة إعلامية ضخمة تدرك كنهَ النظرة الخاصة للمرأة وتناسبَ هذه النظرة مع خيالات رجالنا المهيمنين بطبيعة الحال على المؤسسة الإعلامية العربية.


رؤية العنف و التعود عليه

لا يجزع الجزار من رؤية الدم و الذبح و السلخ فهو قد تعوّد على رؤية هذا كل يوم و غدا مشهدا من اليومي. الامر نفسه مع المشاهدة الدائمة للعنف التي تودي الى محو فطرة الانسان السليمة التي نستهجنه، خاصة اذا ارتطبت هذه المشاهد ببعض الاثارة و التبريرات الزائفة. و أكثر ما يخيف هنا هو رؤية الاطفال لمشاهد العنف بالتليفزيون، فقد أشارت العديد من الدراسات أن تعرض الطفل بشكل مستمر لمشاهد العنف على الشاشات تصيبه بالتبلد واللامبالاة ،  فلا يتأثر مراى الدماء لأنه تعود على رؤيتها، ولا يحزن فى مواقف تستدعى الحزن، فقلب الطفل يتجمد بمشاهدة سلوكيات العنف.

هل الاعمال الفنية مرآة المجتمع حقا ؟

السؤال الجوهري هنا هل هذه الاعمال تعكس صورة المجمتع حقا، أم انها تعيد تنميط المجتمع و صناعة أراءه من جديد؟
يجيب الاستاذ كاظم المؤنس  انه “من الطبيعي القول بأن وسائل الاتصال عموماً والمرئية منها بشكل خاص تقوم بعرض المضامين على المتلقين، ومن الطبيعي أن يتجه هؤلاء للتزود بنوع المضمون الذي يرغبون به، وهكذا تنشأ دائرة الاتصال والتواصل بين القطبين، فالوسائل المذكورة ستستمر بتزويد متلقيها بما يرغبون ويحبون”.

 

هل أن جمهور المتلقين هو الذي يحدد طبيعة وشكل المضامين التي تعرضها هذه الوسائل أم أن الوسائل هي التي تحدد ذائقة المشاهدين؟

طالما حير هذا السؤال الخبراء. و بالرغم من أن صناعة الرأي قد تكون الاجابة الاكثر رجاحا إلا أنه لا يمكن أن ننفي أن المسؤولين عن هذه الأعمال لا يتجزأ تفكيرهم اللا واعي عن تفكير المجمتع، فان ظهرت المرأة دائما في هذه الصورة المقيتة حتى في اذهان وأعمال صناع السينما، أي النخبة من المثقفين أنفسهم، فالخلاصة الآي يمكن ان نستشفها حتما هي ان هذه النظرة السلبية للمرأة هي السائدة في المجتمع العربي بنخبته وجمهوره، في ذهن المشاهد والمخرج على حد سواء.

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد