صحة وجمال

هل يحبّ البعوض لسع بعض الناس دون غيرهم؟

يتساءل كلّ الأشخاص الّذين طالما تعرّضوا للدغات البعوض عن الأسباب الّتي تجعله يُفضّل لسعهم دون سواهم. ولذلك، سيحاول أستاذ علم الوراثة، تيم سبيكتور، الإجابة عن هذا السؤال الّذي كثيرًا ما شغل العديد من الأشخاص.

ممّا لا شكّ فيه أنّ أيّ شخص قام بالتخييم في الغابة مع أصدقائه أو عائلته قد لاحظ استهداف البعوض بعض الناس دون سواهم، وهو ما يؤدي إلى ظهور بعض البثور فضلا عن الإحساس بالحُكَاك. في المقابل، لا يشعر البعض الآخر بأيّ قلق. فعلى سبيل المثال، لا يتأثّر سوى عدد قليل من أفراد أسرتي بقرص البعوض. ورغم أنّ هذه الحشرة لا تستهدف والدتي، إلّا أنّها دائما ما تلاحقني أنا وأخي.

في الواقع، كشفت بعض الدراسات السابقة أنّ البعوض يفضّل، بشكل ملحوظ، الناس الّذين يعانون من السمنة (نظرًا إلى أنّ أجسامهم تنتج كميّات أكبر من ثاني أكسيد الكربون)، إضافة إلى الأشخاص الّذين يشربون الخمر والنساء الحوامل. ولذلك، يُرجّح الكثير من العلماء أنّ النظام الغذائي يلعب دورا مهمًّا في هذه المسألة.

من جهتهم، يدّعي بعض المؤلّفين في دراسة جديدة نُشرت في مجلّة “بلوس وان” أنّهم استطاعوا معرفة الجواب على السؤال المُحيّر. وعمومًا، فقد درس الباحثون أشياء مختلفة يمكن أن ينجذب لها البعوض على غرار رائحة الجسم. وفي هذه الدراسة، قام الباحثون باستخدام نوع البعوض، الّذي يُطلَق عليه اسم “الزاعجة المصريّة”، وبعضًا من المتطوّعين الشجعان والتوائم المتشابهة والمختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، استخدم العلماء التوائم للتمييز بين العوامل الفطريّة والمكتسبة، ومدى مساهمة الجينات في اختيار البعوض لضحاياه. وفي الواقع، يساعد هذا الاختبار على معرفة مدى مساهمة العوامل الوراثيّة في تمييز هذه الحشرة فرداً على آخر.

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض التوائم وضعوا أيديهم على فتحة وعاء زجاجيٍّ، فيها بعوض كثير، بهدف معرفة مدى انجذاب البعوض للتوائم، فضلًا عن العوامل الّتي تساهم في انجذابه إلى بعض الناس في حين أنّه ينفُر من البعض الآخر. وكان متوقّعًا، أن ينجذب البعوض للتوائم المتماثلة الّتي تملك جينات مشتركة ممّا يُبيّن الدور الّذي يلعبه العنصر الوراثي. ووفقا لهذه المقارنة، فإنّ 67٪ من هذه الاختلافات بين الناس سببها جينات الوراثة.

البعوض ينفُر من روائح معينة

منذ سنوات عديدة، أثبتت دراسات أخرى، تمّ فيها استخدام التوائم، أنّ رائحة الإبط الّتي يشتمّها الأنف البشريّ تتدخّل في ظهورها العديد من العوامل الوراثيّة. في المقابل، يوجد اختلاف كبير في مدى قوّة هذه الرائحة بين التوائم.

وبالتالي، يُثبت ذلك أنّنا (البشر) نملك اختلافات جينيّة تجعلنا مختلفين عن بعضنا البعض، وتجعلنا ننظر، بشكل مختلف، إلى الروائح الّتي نشتمّها والروائح الكيميائيّة الّتي ننتجها. ولذلك، يُعتَبر الكائن البشري مثل البعوض الّذي يستطيع التفريق بين الاختلافات الكبيرة في الروائح الطبيعيّة والروائح الكيميائيّة، فينجذب إليها أو ينفُر منها.

وتجدر الإشارة إلى أنّ أنواع مختلفة من البعوض تُفضّل جزءً معيّنًا من جسم الإنسان عوضًا عن غيره، حيث أنّ بعضًا من صنف “الأنوفيلة الغامبيّة” تُفضّل روائح الأيدي والأقدام بدلًا من الفخذ والإبطين.

وفي الحقيقة، تستخدم بعض الحيوانات رائحة الجسم كي تتمكّن من حماية نفسها من لسعات البعوض. وبالتالي، حاولت العديد من المجموعات الصناعيّة الكشف عن أفضل المواد الكيميائيّة الّتي تُبعد هذه الحشرة.

علاوة على ذلك، اكتشف مؤلّفي هذه الدراسة أنّ الروائح الكيميائيّة يمكن أنْ تُولّدها الغدد الموجودة تحت الجلد أو مليارات الميكروبات الّتي تُوجد فوق الجلد. ولذلك، قاموا بالقضاء على جميع البكتيريا الموجودة على جسم أحد المتطوّعين التوائم. ورغم أنّ الفرضيّة الّتي تقول باستحالة تأثّر البكتيريا وراثيًّا كانت حقيقة سائدة، فقد خلصوا أخيرًا إلى خطأ استنتاجهم هذا.
ميكروباتنا خاصّة بنا.

يمتلك كلٌّ منَّا أنواعًا محدّدةً من الميكروبات داخل الفم، وفي المعدة، وعلى البشرة تختلف كثيرًا من شخص إلى آخر. فرغم أنّنا لا نتشارك إلّا في جزء صغير من الأنواع الميكروبيّة، فإنّنا نمتلك، في الحقيقة، بصمة ميكروبيّة فريدة من نوعها، وهي بمثابة التوقيع على اختلافنا وخصوصيّتنا.

نحن نعتقد أنّ هذا الاختلاف النوعي ليس إلّا نتاجًا للصدفة أو تأثير المحيط الّذي نعيش فيه. ولكن سلّطت دراسات أُجريت مؤخّرًا، باستخدام التوائم البريطانيّة مرّة أخرى، الضوء على أهميّة الجينات وتأثيرها على نوع البكتيريا المعويّة الّتي تتواجد بكثرة فينا. ويبدو أنّ هذه الظاهرة سارية المفعول على البشرة أيضًا.

عمومًا، يتجاوز عدد البكتيريا المائة ألف مليار، وهو أكبر من عدد الخلايا البشريّة. كما تبيّن أنّنا لا نختار هذه البكتيريا بل هي الّتي تختارنا بالاعتماد على صورتنا الجينيّة. وهذا ما يعني أنّه، على غرار البعوض، إذا كانت بعض الميكروبات تُفضّل التعايش معنا، فإنّ البعض الآخر لا يرغب في ذلك ويُحبّذ الانتقال إلى جسم آخر.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الميكروبات الخاصّة بنا تُنتج العديد من الفيتامينات والعناصر الكيميائيّة في دمنا. ويدلّ ذلك على أنّها لا تكتفي بعدم أذيّتنا فحسب، بل تُساهم بتنوّعها في حفاظنا على الصحّة الجيّدة. إلى جانب ذلك، من الممكن أن تكون هذه الميكروبات هي المسؤولة عن الروائح الّتي تنبثق منّا، حيث أنّ عمليّة غسل اليديْن بانتظام غير قادرة على طرد هذه البكتيريا.

فالرائحة الخاصّة الّتي تخرج من بين أصابع أقدام الكثيرين منَّا تعود إلى نوع من البكتيريا يُسمَّى “بريفيباكتيريوم ليننز”، وهو يتطابق مع النوع الّذي يُعطي رائحة مميّزة لجبن ليمبورغ.

ولإثبات أنّ الأمر يتعلّق بنفس النوع من البكتيريا المتكاثرة، أجرى فريق من الميكروبيولوجيّين التابعين لجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس تجربة غير عاديّة. فقد أقدموا على صنع جبن من الجلد البشريِّ، ثمّ أكله. ووفقًا لِمَا ورد في التقارير، كان هذا الطعام لذيذًا للغاية.

لهذا السبب، إذا لدغتك بعوضة في كاحلك خلال المرّة القادمة، فلا تحتجّ على ذلك، ولا تلعن طارد الحشرات الّذي تستعمله، بل فكّرْ في عمليّات التشكّل الرائعة الناتجة عن التطوّرات داخل الجسم. وفي الواقع، ينتج هذا التطوّر عن المزيج بين جينات معيّنة خاصّة وبين مجموعة الميكروبات الّتي تتغذّى من البشرة وتُنتج ظاهرة كيميائيّة لا تقدر بعض أنواع البعوض على مقاومتها.

المصدر: http://mashable.france24.com/monde/20170723-pourquoi-moustiques-piqures-boutons

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد