الرئيسيثقافة

المسرح العربي يحتاج ثورة حقيقية

مسرحيون يتحدثون عن واقع المسرح وأزماته وسبل الإرتقاء به

يوما بعد يوم، يفقد المسرح رونقه ومكانته بين الفنون، بعد أن غدا عاجزا عن تأصيل حضوره في الحياة الثقافية، نظرا لنخبوية الجمهور المتابع له و بسبب انعدام الدعم له وضعف موارده. والبرغم من المحاولات العديدة لاعادة الإشعاع للفن الرابع  في المشهد الثقافي من خلال المهرجانات المسرحية والمسابقات والجوائز، إلا أنها لم تتمكن من احداث تغيير يذكر في واقعه ووضع حد للأزمة التي يمر بها. مجلة “ميم” حاولت أن تبحث في الأسباب الحقيقية وراء تراجع المسرح والحلول الممكنة لاسترداد هذا الفن مكانته الرائدة، ورصدت أراءا لمسرحيين من مختلف المنطقة العربية.

صلاح الدين ميلاط مخرج مسرحي من الجزائر

المسرح لم يتراجع يوما وحتى في ظل الأزمات بقي نابضا .. والمسرح لا ولن يموت مادام الإنسان موجود على وجه البسيطة، والبنسبة لي ما تراجع هو جمهور المسرح وليس المسرح.

وذلك يعود لأسباب عديدة، أهمها تغير مفاهيم الحياة وتطور الميديا، ففي ظل تعدد القنوات وانتشار ميديا النات وتطور تقنيات السنما أصبح للانسان بدائل جاهزة بعكس زمن مضى كان كل متنفسه في قاعة العرض.

السبب الثاني لغة الخطاب وتحول مفاهيم سياسة الشعوب، ففي الماضي كان مسرحنا العربي خطابا سياسيا أكثر منه فنيا كمسرحيات محمد الماغوط مثلا ومسرحيات عبد القادر علولة.

وفي زمن الاشتراكية ولغة الحزب الواحد كان المسرح هو المنبر الذي يلجأ إليه الانسان ليجد من ينقل أوجاعه اليومية بطريقة ممسرحة، لكن بعد غزو الميديا وتطلع الشعوب على العالم وتواصلهم به، انتشرت في العالم العربي عدوى المسرحيات الفلسفية العبثية وشبه النخبوية التي باتت تتسيّد لتكون هي نموذج المسرح في الوقت الحاضر. كل هذه الظروف وأخرى ساهمت في هجر الجمهور للمسارح.

وكحلول أرى أن نتحول للخواص ولا نبقى في انتظار مسارح الدولة لنخلق تنافسا يأتي بالجديد على كل الأصعدة.

مسرحية “القمرة” سيناريو واخراج صلاح الدين ميلاط وانتاج مسرح المرايا، يتمحور موضوع المسرحية عن العشرية السوداء في الجزائر وقصة حب في زمن الدم.

فؤاد عبد المنعم ممثل مسرحي تلفزيوني وسنمائي من مصر

إن تدهور المسرح ينحصر في ثلاث أسباب رئيسية، أولا البعد عن الجمهور من خلال طريقة وتقنيات الاخراج والتمثيل وشكل المسرحيات التي إبتعدت مواضيعها عن القضية الفعلية للمواطن والمجتمع مما أدى الى عزوف الجمهور عنه لأنه لم يستطع أن يبني علاقة تواصلية معه، وابتعد عن ملامسة همّ هذا الجمهور، وربما بسبب انشغال الجمهور بأشكال فنية أخرى. وعدم تمكن المسرح من إقناع الجمهور بأهميته كوسيلة اتصال مهمة.

والسبب الثاني هو عدم توفر دعاية كافية فكيف يعلم الجمهور بوجود مسرحية دون وجود دعاية؟

قديما كانت وسائل الاعلام من تلفاز وصحف تعلم الجماهير بالمسرحيات، أما اليوم فلم تعد تولي اهتماما بالأمر. فضلا عن انعدام وسائل الدعم الرسمية والخاصة أو محدوديتها من قبل الجهات الراعية للثقافة، الأمر الذي جعل المسرح لا يصمد كثيرا في مواجهة التحدي الكبير للدراما التلفزيونية.

أما السبب الثالث فيتمثل في فقر الانتاج وبعد الممثلين عن خوض غمار التجربة في ظل ضعف الموارد المالية، مثلا “أنا كممثل مصدر رزقي هو التمثيل لذلك يجب أن يكون لي عائد مادي قوي يجعلني أواصل العمل بالمسرح لأن تكاليف البروفات والعروض التي أقدمها كل ليلة تتطلب مني دخلا عاليا”.

دون أن ننسى غياب مواضيع جديدة ونوعية المسرحيات السائدة الآن في الكثير من البلدان العربية رديئة، حيث لا يقدم المسرح للشعوب العربية ما تحتاجه لمواجهة الكثير من منغصات الحياة اليومية والمعيشية.

يجب توفير الماديات الضرورية للديكورات والأزياء والاستعراض وكل ما يلزم المسرحية، وانتقاء نص قوي يلامس قضايا المجتمع، ويقترب منه، لكي يشعر المتفرج أن الممثل قريبه أو صديقه أو أي شخص يعرفه، وهو ما يدفع الجمهور للحضور والمشاركة والاهتمام لأنه كل ما كان الموضوع بعيدا عن الناس سيشعرون أنه لا يمثل قضيتهم.

اضافة إلى توفير دعاية كافية لانتاج مسرحية جماهرية موجهة مباشرة للناس وليست مجرد رسالة أكادمية موجهة للجنة للفوز بدور مهم أو بحثا عن الجائزة الأولى. لأن أغلب الفنانين اليوم أصبحوا يبحثون عن الجوائز مما جعلهم يبتعدون شيئا فشيئا عن الجمهور من خلال تقديم عروض لا علاقة لها بالقضايا الحقيقية للمجتمع.

لطفي الناجح أستاذ وممثل مسرحي من تونس

بعد الثورة. أصبح هناك قراءات جدية للمواضيع وشهد المسرح تنوعا واختلافا في النصوص المقدمة إلا أن المسرحي ظل بدون هياكل تحميه كنقابة المهن الدرامية التي وقع حلّها ولم تعد إلى اليوم ، كذلك اتحاد المسرحيين المحترفين ومشكل الانتخابات المزورة والولاءات في إسناد الانخراطات، كلها عوامل كان لها تأثيرا على المسرح. دون أن ننسى مشكل الدخلاء بتنصيب مدير لا علاقة له بالمسرح.

وللأسف، الى حد اليوم لا يوجد إعتراف بأن المسرح مهنة ومورد رزق للممثل فأي مصير للمتخرجين من المعهد العالي للفنون المسرحية في ظل غياب هياكل تنظم القطاع وإدارة مقصرة ووزير لا يولي أي أهمية للمسرح كفن؟؟

شخصيا تقدمت بمشروع ثقافي إصلاحي لوزير الثقافة محمد زين العابدين لكنه لم يعره أي اهتمام.

كذلك غياب نوادي المسرح بدور الثقافة التي يحكمها مندوبون يتم تنصيبهم دون النظر في السيرة الذاتية،

وكأننا نعيش مرة اخرى التجربة النوفمبرية باقتحام أطراف دخيلة على القطاع للخشبة وتغييب لأبناء المسرح … كلها عوامل جعلت المسرح يفقد مكانته بعد أن غاب من يعرف قيمته.

لذلك أقترح أولا إعادة هيكلة نقابة المهن الدرامية، وإعادة انتخابات اتحاد المسرحيين المحترفين، وعلى وزارة الثقافة أن تشرف فعليا على إدارة المسرح بعيدا عن المصالح الضيقة، وتسعى لتصحيح المسار الفني لاعادة الاعتبار لمن خلقو المسرح في تونس.

مقتطفات من مسرحية “أو لا تكون” للمخرج أنور الشعافي وتمثيل لطفي الناجح تم خلالها تقديم رؤية تجريبيّة لأربعة نصوص كلاسيكية للكاتب الإنقليزي وليام شكسبير هي «هاملت» و«عطيل» و«روميو وجوليات» و«الملك لير».

الممثل والمخرج المسرحي التونسي لطفي العكرمي

“البعيد عن الكواليس يرى حضورا كبيرا للمسرح التونسي، لكن كلما اقتربت أكثر اكتشفت الخبايا التي لا يعلمها إلا أهل الخشبة. وشخصيا أؤكد أن الرهان لم يكن يوما ثقافيا، وهو ما جعل المسرح يصل إلى ما هو عليه اليوم.

هناك البنية التحتية التي لم تتغير منذ عهد الاستعمار، افتقار دور الثقافة للصيانة وللتقنيات الحديثة وعدم تهيئة المناخ المناسب للمتفرج لمشاهدة عرض في أفضل الظروف.

نعاني من ضعف الموارد المالية بسبب غياب الاستثمار في المسرح، علما وأن سلطة الاشراف غير قادرة بمفردها على سد حاجيات العروض، ولولا تضحية  بعض المسرحيين المتمسكين بالميدان لما تمكن المسرح من الصمود. كما أنه لا وجود لنقابة أو هياكل قانونية تدافع عن الممثل وتكفل أبسط حقوقه.

أما فنيا، فان أبرز الأسباب ضعف النص المسرحي وغياب التكوين والرسكلة. والمواضيع المطروحة لا تحاكي لا ماضي ولا حاضر البلاد.

وللخروج من هذه الأزمة يجب أن تقام ثورة حقيقية في المسرح، وعلى السلط المعنية أن تعطي للفن الرابع قيمته الحقيقية وأن تدرك الدولة قيمة الاستثمار في هذا القطاع وفي الثقافة بصفة عامة.

يجب كذلك العمل على تكوين الصغار وبعث ورشات تكوينية ومهرجانات وجوائز تحفزهم على ممارسة هذا الفن.

والأهم علينا كسر هيمنة منطق الكبار وإعطاء الفرصة للأجيال الجديدة.

وأخيرا يجب أن يُفك أسر المسرح الوطني ويعود كما كان فضاءا للمسرحيات.

رغم تراجع أب الفنون بعد هيمنة الميديا والدراما التلفزية الا أنه يبقى قيمة ثابتة في الثقافة العربية له جمهوره الذي لن يتخلى عنه، لكن في المقابل وجب توحيد القوى سواء من أبناء القطاع أو من السلط المعنية لوضع هياكل تحميه وتنظمه، فضلا عن التفكير فعليا في النهوض بالثقافة ودعم المسرح على وجه الخصوص ليظل ذلك الفضاء الذي يجد فيه الجمهور مرآة تحاكي واقعه وقضاياه.

مروى وشير

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد